|
دعاة التبرير
لظاهرة العداء للإسلام الغربية
غطاس أبو عيطة
إزاء ردود الفعل الغاضبة التي تشهدها البلدان العربية و الإسلامية
في مواجهة الإساءات التي يتعرض لها الإسلام من جانب أوساط غربية،
انبرت أصوات تدعي العقلانية في ساحتنا الفكرية، تحمِّل الشعوب
العربية والمسلمة المسؤولية الأساسية عن تلك الإساءات، معتبرة أنها
بمواقفها المنغلقة و المتشنجة تجاه الآخر الغربي، تقدم المادة التي
تساعد على انتشار روح العداء ضد هويتها الحضارية و الدينية، ثم
أنها بسبب ما يسودها من كسل فكري، فهي لم تبذل أي جهد عقلاني في
تقديم صورة عن الإسلام والمسلمين تساعد على تغيير الصورة النمطية
التي ترسخت لدى الغرب بشأنهما، بل إن هذه الشعوب من خلال ردة فعلها
العنيفة والغوغائية إزاء الإساءات التي توجه لهويتها و لمعتقدها
الديني، لا تعمل إلا على ترسيخ تلك الصورة السلبية بما يقود إلى
استمرار الحوادث و التصريحات المسيئة إلى الإسلام باعتباره المسئول
عن ردات فعلها غير المتحضرة(؟)
فتحت عنوان:" في بعض أسباب (الإسلاموفوبيا) السائدة في الغرب"،
يقول أحد أدعياء العقلانية" بأننا ننسى و نحن نشعر بالتأذي إزاء ما
يصدر في الغرب من إساءات بحق الإسلام و المسلمين، بأن الخطاب
السائد لدينا هو خطاب معادٍ للغرب بدرجة غير معقولة، و إنه لو ترجم
للغربيين ما نقوله عنهم في خطب السياسة و الدين، و في دروس المعاهد
و الجامعات، و في أحاديث المقاهي و الأماكن العامة، لاحتجّوا
بدورهم على( الغربوفوبيا) التي تسود مجتمعاتنا، و لردوا لنا الصاع
صاعين جزاء وفاقاً على ما ننتجه من ترهات بشأنهم بدل إنتاج معرفة
موضوعية، أو بدل أن ننصرف إلى العلوم التي تفيدنا في التنمية و في
معالجة أعراض الفقر المادي والفكري التي ترزح تحت ثقلها شعوبنا
وتحولها إلى مادة خصبة للطعن و للإساءة" (؟)
وتحت عنوان:"حرب السيوف ضد الكلمة الطائشة أو حتى المتعقلة"، تقول
أستاذة جامعية " إننا في موقفنا إزاء ما يوجه لنا و لديننا من
إساءات متكررة، نتجاهل سجلنا في الرد على الكلمة الطائشة أو حتى
المتعقلة التي تصدر تجاهنا من أوساط غربية، بالدعوة إلى القتل أو
ممارسته، و ذلك بدل أن نرد على الكلمة بالكلمة في إطار حوار عقلاني
يخدم قضيتنا. و إنه منذ أن أصدر الخميني فتواه بقتل سلمان رشدي عام
1989- ورغم إبطال هذه الفتوى من قبل الرئيس الإيراني السابق
المعتدل والعقلاني محمد خاتمي- توالت أعمال القتل والتحريض على
القتل ضد كل من رأينا فيهم معادين للإسلام، بل إن أعمال القتل و
التحريض عليه، طالت مفكرين و كتاب عرب، و لاحقت أعمالاً فكرية
وأدبية تتسم بالعقلانية. و هكذا نكون قد و ضعنا السيوف في مواجهة
الكلمة، لينتفي من مجالنا الفكري أي حوار عقلاني يساعدنا على تجاوز
انغلاقنا و تعصبنا، و يساعد بالتالي على توقف مسلسل الإساءات
للإسلام الذي يجري تحميله مسؤولية هذا الانغلاق و الجهل"(؟)
و إذ نرد على هذه الرؤية العاقلة إزاء ما تشنه أوساط غربية من حملة
على الإسلام و المسلمين، فإننا نسجل بعض الملاحظات التي يغفلها عن
جهل أو عن عمد أصحاب تلك الرؤية، و التي تتعلق بالدوافع الحقيقية
لهذه الحملة المنظمة التي تعالت مع اعتبار الإسلام بأنه الخطر
الرئيس على الديمقراطية الغربية بعد زوال خطرالشيوعية، و من هذه
الملاحظات:-
أولاً-
إن ما تشهده المجتمعات العربية و الإسلامية من مظاهر عداء للغرب،
ليس ردة فعل على" وجهة نظر" غربية بشأن الإسلام أو بشأن العرب و
المسلمين، يتم التعبير عنها" بكلمة طائشة أو متعقلة"، بقدر ما هو
رد فعل طبيعي على فعلٍ عدواني يمارسه الغرب ضد شعوبنا و بلداننا، و
إن حملات الإساءة لصورة الإسلام و المسلمين، إنما تأتي بمثابة غطاء
لهذا الفعل الذي نشهد وقائعه الهمجية على امتداد الساحة العربية
والإسلامية. و من هنا، فإن الدعوة التي يطلقها المتعقلون لمواجهة
الغزو و العدوان و ما يصاحبه من الإساءات بالحوار و المنطق، لا
تعدو كونها دعوة للخضوع لهذا العدوان من موقع الشعور بالعجز عن
مواجهته. و ما يريد أن يغفله هؤلاء المتعقلون، هو أن العداء السائد
في المجتمعات الغربية تجاه الشعوب العربية و الإسلامية، إنما يصدر
عن إرث تاريخي من الصراع لم تشأ القوى المهيمنة تجاوزه كونه يخدم
أهدافا استعمارية، و قد تبلور هذا العداء، في ترسانة من المفاهيم
العنصرية تجاه الشرق، و تجاه العرب و المسلمين بوجه خاص، و إن طقوس
الذبح اليومية التي يمارسها وكلاء الغرب الصهاينة بحق أبناء
فلسطين، و حمامات الدم التي نشرتها قوات الغزو الأمريكية و
البريطانية في العراق، ناهيك عما جرى من تدمير لبنان مؤخراً، هي
شواهد حية على طبيعة هذا العداء الذي لا يمكن فهم ضراوته إلا في
ضوء ذلك الإرث التاريخي العنصري
.
ثانياً-
إن الطرف المعتدي، و الذي ينطلق من مخططات استعمارية جرى رسمها
بعقل بارد، هو المسئول عن إغلاق الساحة العربية بوجه حوار عقلاني
تواجه فيه الكلمة بالكلمة. إذ كيف يمكن أن يسود هذا النوع من
الحوار بين الضحية و الجلاد، إلا إذا كانت الضحية قد رضخت لمصيرها،
و إلا إذا كانت قد استبطنت ثقافة لوم الضحية التي برعت الترسانة
الفكرية الغربية في إنتاجها لكي تصدرها للشعوب المستعمرة، ليتلقف
هذا المنتج المسموم من يتبرعون بدور الأداة في خدمة المستعمر. و
غني عن القول هو أن استفحال ظاهرة الانغلاق كردة فعل لنقل أنها
طبيعية تستهدف حماية الذات، إنما أتت رداً على الهجمة
النيوكولنيالية التي تتعرض لها المنطقة.
ثالثاً-
و ما يبدو واضحاً، هو أن ما تستهدفه حملة الاستفزاز المنظمة و
المتواترة التي يمارسها الغرب ضد شعوبنا، هو استثارة ردة الفعل
العنيفة و الغاضبة من جانب تلك الشعوب، لتكون مبرراً لما يقوم به
من أعمال إبادة تستهدف سحق إرادة و مقاومة شعوبنا لمخططاته
الاستعمارية. لكن ما يغفل دائما حسابه السيد المستعمر، هو أن ردة
فعل الشعوب على مشاريعه الاستعمارية، و على عدوانه، و على ممارساته
الهمجية، و بالتالي على إساءاته، لا تبقى في حدود ردود الفعل
العفوية التي يسهل ضربها، إذ أنها سرعان ما تتحول إلى فعل منظم
عقلاني، و ذلك ما أخذت تشهده الساحة العربية و الإسلامية في مواجهة
حملة الإخضاع التي تقودها أمريكا ضد شعوبها.
رابعاً-
إن إلغاء محمد خاتمي ( الرئيس الإيراني الإصلاحي و العقلاني و
المعتدل كما تقدمه لنا أستاذتنا الجامعية)، لفتوى آية الله الخميني
بشأن سلمان رشدي، لا يمكن وضعه(الإلغاء) خارج سياق الثقافة التي
تصدّر عنها أستاذتنا وتيارها العقلاني، و التي أسماها إدوارد سعيد"
ثقافة لوم الضحية". ذلك أن الاعتدال في مواجهة مشروع استعماري غربي
معلن يرمي إلى استرقاق شعوب المنطقة و من ضمنها الشعب الإيراني،
وتجري التهيئة لتنفيذه عبر مثل هذه الإساءات الاستفزازية، لا يعني
غير الرضوخ لمنطق العدوان من خلال السكوت على مقدماته التنظيرية. و
ذلك ما دللت عليه السياسة التي أفصح عنها هذا الرئيس المعتدل بعد
إصداره لفتواه العقلانية، بدعوته إلى إخراج إيران من خندق الصراع
مع الإمبريالية الأمريكية و مع القاعدة الصهيونية، متنكبا السبيل
الذي اختارته النظم العربية الخانعة والذي شقه أمامها الرئيس
المعتدل الآخر أنور السادات.
خامساً-
و إن اتهام الجانب العربي و الإسلامي بالتقصير في تعريف الآخر
بحقيقة هويته الحضارية والدينية عبر الحوار العقلاني مردود عليه،
ذلك أن ما أنجزه حزب الله من نصر على القاعدة الصهيونية و على
أمريكا و الغرب من خلفها في حرب تموز الأخيرة، كان له تأثير في
الوعي الغربي لجهة إعادة النظر بالصورة النمطية التي يحملها تجاه
شعوبنا، ما لن تبلغه آلاف الحوارات العقلانية، التي تتم من موقع
الشعور بالدونية من جانب محاورنا، و من موقع الشعور بالاستعلاء من
جانب المحاور الغربي إزاء كل تاريخنا، و تجاه كل ما أنجزته و ما
يمكن أن تنجزه ثقافتنا التي يشكل الإسلام مكوناً محورياً فيها.
في الختام نقول، بأننا مع العقلانية في الرد على حملة التشويه
الغربية لهويتنا الحضارية و الدينية والتي تشكل غطاء لحملة الإخضاع
التي يجردها الغرب ضد شعوبنا، لكن العقلانية التي نؤيدها، هي تلك
التي تمكننا من تحويل ردة فعلنا العفوية-و التي قد تنحرف عن هدفها
نتيجة ابتعادها عن تلك العقلانية- إلى فعل منظم يقود إلى دحر هذه
الهجمة الاستعمارية الشرسة، أما عقلانية القطيع السائر نحو الذبح،
فإننا نتركها لمنظري الاعتدال الذين عرفت أمثالهم الشعوب التي
تعرضت للعدوان والاستعباد، و كان مآلهم أن تحولوا إلى نفاية
التاريخ |