|
ما يلتقي
عليه أدعياء العقلانية
غطاس أبو عيطة
ما يلتقي عليه أدعياء العقلانية على ساحتنا
الفكرية والسياسية، هو أنه لا جدوى من التصدي للمشروع الأمريكي
الصهيوني في المنطقة، بل إنه لا مصلحة للشعوب العربية في التصدي
لهذا المشروع، لأن من يقودها إلى ذلك، هو إما النظم الدكتاتورية
القمعية التي ترفع الشعارات الوطنية والقومية لكي تحافظ على
مواقعها في السلطة، أو الجماعات الأصولية التي ترفع ذات الشعارات
الثورية بلغة دينية، في سعيها للوصول إلى السلطة والاستئثار
بها.
وقد وصل البعض من هؤلاء في تنظيرهم
لعدم ضرورة المواجهة، إلى حد القول بأن الإمبريالية ليست شراً كلها
كما درجنا على تصويرها، إذ أن لها-كما كان للاستعمار الكولونيالي-
مهمة تاريخية تقدمية لا ينكرها إلا من ليس له مصلحة في التغيير
والتقدُّم، فيما بلغ العهر الفكري بالبعض الآخر، إلى حد القول، بأن
عداء النظم التي تدعي التمسك بالثوابت القومية للدولة الصهيونية،
هو في جانب أساسي منه، عداء للديمقراطية الغربية التي تسود في تلك
الدولة.
وإنه فيما يعمد قسم من هؤلاء
الأدعياء، إلى شن حملة من السباب على قوى ومراكز الصمود والمقاومة
في المنطقة، في مسعىً للمس بهيبتها، وتشويه صورتها وحقيقة دوافعها
أمام الجماهير الشعبية، فإن قسماً آخر، يمضي نحو محاولة ضرب الأساس
الذي يقوم عليه نهج الصمود والمقاومة، معتمداً في ذلك خطاباً
يتظاهر بالموضوعية والتحليل العلمي، بإظهار أن هذا النهج لا يستند
إلى رؤية عقلانية لواقع ولحقيقة الصراع الدائر في المنطقة وفي
العالم، لذلك يعمد أصحابه إلى رؤية إرادوية في تسويقهم لنهجهم،
وإلى لغة شعاراتية عاطفية وديماغوجية. وإنه فيما يستجدي هؤلاء في
الخفاء رضى أمريكا، لا يتأخرون عن مغازلة الكيان الصهيوني حفاظاً
على مواقعهم، فهم يواصلون شن حربهم المقدسة على الإمبريالية
والصهيونية حتى آخر عربي، وذلك ما يفعله هؤلاء في العراق. وفي
فلسطين ولبنان.
ومن نماذج الخطاب الآخر الذي يتظاهر
بالعقلانية ويعمد إلى أساليب الإقناع، ما طلع علينا به مفكر من
لبنان في مقال بعنوان "المحور في الأصل وفي الطبعة الجديدة". والذي
يدعونا من خلاله، إلى عدم الاستهانة بما يثيره مصطلح "محور الشر"
الذي أطاقته الإدارة الأمريكية بعد حدث 11 أيلول، على الدول والقوى
المناهضة لسياساتها في المنطقة وفي العالم، لما يختزنه هذا المصطلح
من تداعيات فكرية وشعورية لدى المجتمعات الغربية بل لدى المجتمع
الدولي بشكل عام، كونه يعيد إلى الأذهان، ما جرَّه المحور السابق
النازي والفاشي من كارثة على البشرية، سيما وأن المحور الجديد-كما
يقول- والذي شمل كلاً من كوريا الشمالية وإيران، وسورية والعراق(في
عهد النظام السابق)، وكل الجماعات الأصولية المتطرفة في منطقتنا
العربية والإسلامية، يملك من السمات ما يذكِّر بالمحور الذي ضم
ألمانيا وايطاليا واليابان قبيل وخلال الحرب العالمية الثانية،
وذلك لجهة استهانة أطراف المحور الجديد بالإرادة الدولية، وكذلك
لجهة استناد هذا المحور إلى نظم شمولية تكبل إرادة شعوبها وتزجها
في مغامرات تهدد أمن واستقرار العالم.
وبشأن الدلائل التي يسوقها هذا
المفكِّر على فعالية المصطلح الأمريكي، فهو يتوقف عند نجاح أمريكا
في إقناع "المجتمع الدولي" بضرورة فرض العقوبات على كوريا الشمالية
وعلى إيران في مواجهة مشروعهما النووي، وذلك كما جرى بالنسبة
للعراق الذي مهدت العقوبات التي فرضت عليه إلى إسقاط نظامه السابق.
ونجاح أمريكا في ذات السياق، بإقناع الدول الفاعلة في النظام
الدولي، بمن في ذلك روسيا والصين، بأن يتم فرض العزلة على سورية
عبر قرار مجلس الأمن رقم 1559 وما تلاه من قرارات دولية، ونجاحها
بعد ذلك، في تطويق حزب الله بقوَّات اليونيفيل الموسعة من خلال
القرار 1701، ونجاحها في عزل الحكومة التي شكلتها حركة حماس على
الساحة الفلسطينية، وكل هذه الوقائع وغيرها، هي الدليل القاطع-كما
يرى مفكرنا- على فعالية هذا المصطلح، وبالتالي على حتمية المصير
المظلم الذي ينتظر أطراف المحور الجديد والذي لن يكون مغايراً عن
مصير قوى المحور السابق، وهو ما تحاول تلك الأطراف تجاهله، متعلقةً
بوقائع جانبية تحاول تضخيمها، لإظهار أن العالم لم يعد يسير وفق
المشيئة الأمريكية.
وواضح أن ما يستهدفه مفكرنا من
إطلاقه لهذه الرؤية القدرية، هو أن يدخل في روع الجماهير العربية
والإسلامية، بأن المنطقة ماضية نحو ما يرسم لها من خارطة جيوسياسية
يلتقي على تأييدها المجتمع الدولي، وأن ذلك هو ما أدركته مجموع
النظم والقوى العاقلة في عالمنا العربي والإسلامي والتي تحرص على
سلامة شعوبها، فيما لا تفعل النظم والقوى المغامرة واللامسؤولة غير
زيادة معاناة تلك الشعوب في مرحلة انتقالها إلى تاريخ جديد، أو
أنها وفق لغة الآنسة كونداليزا رايس، تضاعف من آلام المخاض التي
ترافق ولادة الشرق الأوسط الجديد(؟).
وإذ نرد على أطروحة مفكرنا التي
يسوِّق عن طريقها ما يروج له تياره من ثقافة الاستسلام، فإننا
نتوقف عند التالي:-
أولاً- إن نجاح الإدارة
الأمريكية في فرض مصطلحها حول "محور الشر" على ما يسمى بالمجتمع
الدولي لا يعود إلى قناعة هذا المجتمع بصحة المقاربة الأمريكية
إزاء أطراف هذا المحور، بقدر ما يعود إلى ما تملكه أمريكا من وسائل
الضغط على الدول الأخرى، فعبر ألوان الضغوط السياسية والاقتصادية
والنفسية المعلنة، استطاعت الإدارة الأمريكية أن تخضع تلك الدول
لرؤيتها بما يتعارض مع مصالح شعوبها. وما يفرضه منطق الأشياء، هو
أن تتخلى هذه الدول عن تلك الرؤية إذا ما شعرت بتراجع مقومات القوة
الأمريكية، وذلك ما أخذت تبرز بعض مظاهره نتيجة مأزق السياسة
الأمريكية في أفغانستان والعراق، وبتأثير تحولات أخذت تشق طريقها
في العالم، مدللة على أن القرن الحادي والعشرين لن يكون قرناً
أمريكياً كما توهم قادة أمريكا في غمرة نشوة الانتصار التي عاشوها
إثر انهيار النظام الدولي الثنائي القطبية. ويمكن أن نشير هنا، بأن
ما تواجهه الأحلام الإمبراطورية الأمريكية من تحديات وصعوبات، إنما
هو عائد لتحولات جذرية في خارطة القوى الدولية، وليس لأخطاء
تكتيكية ارتكبتها الإدارة الحالية عبر نهجها المغامر كما يزعم كاتب
المقال.
ثانياً- إن استهانة
مفكرنا ومجموع ممثلي تياره الفكري والسياسي، بالتحولات التي شهدها
الداخل الأمريكي والتي تتعدى نتيجة الانتخابات النصفية، وتقليله
بالتالي من شأن مأزق الحلف الأمريكي- الصهيوني في المنطقة،
واستخفافه بكل ما حفلت به الخارطة الدولية من تغيرات، لهو دليل على
ما أصيب به فرسان هذا التيار من انغلاق في الرؤية، سببه حقد هؤلاء
على النظم الوطنية المتصدية للمشروع الاستعماري باعتبارها نظماً
قمعية، وهم في غمرة حقدهم يقدمون التناقض الجانبي مع تلك النظم،
على التناقض التاريخي مع المشروع الاستعماري الذي برز وجهه الهمجي
في العراق وفي فلسطين ولبنان .. ثم نظرتهم التي تتسم بالجمود، تجاه
القوى ذات المرجعية الدينية، التي تحل النص في رأيهم محل العقل،
وتستمد شرعيتها من نص مقدس غير خاضع للمساءلة العقلانية. وهم في
ذلك لا يريدون رؤية أن العقل يمكنه أن يأخذ دوره أو أن يُغيَّب في
أية مرجعية مهما تغنى أصحابها بالشعارات العلمية والعصرية. ونود أن
نتوقف هنا عند حملة السباب التي أطلقها مثقف عقلاني على حزب الله،
والتي كشف من خلالها ودون قصد منه، حقيقة أن هذا الحزب، استطاع أن
يتقاطع مع جميع القوى والمراكز المتصدية للغطرسة الأمريكية على
مستوى المنطقة والعالم على تعدد مرجعياتها الفكرية، لتغدو جريمة
هذا الحزب في نظره، ليس ارتباطه بمرجعية فقهية مغلقة كما يدعي، بل
لكونه غدا محط آمال الجماهير العربية، بما يذكِّر مثقفنا بأيام
مراهقته الفكرية التي تمكن البرء منها، والتي دفعته في أيام شبابه
–كما يوضح لنا- إلى التعويل على المشروع الناصري، وعلى منطلقات
التجربة السوفيتية، وإلى تبنيه لموقف الانغلاق إزاء الدولة
الصهيونية وما استحضرته من ديمقراطية غربية إلى قلب المنطقة)؟)
ثالثاً- وإننا إذ نحاول
إدراج التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم -والتي تأتي متعاكسة
مع أحلام الهيمنة الأمريكية- في إطارها الموضوعي، فإننا نرى بكل
وضوح، بأن ما راهن عليه قادة أمريكا من استمرار تفوق دولتهم على
دول العالم، قد قام على أساس إغفال هؤلاء لمفاعيل الثورة
التكنولوجية التي ترافقت مع ثورة الاتصالات والتي هي منجزٌ إنساني
كوني. ذلك أنه، في ظل هذه الثورة المزدوجة، بات بإمكان أي مركز
إقليمي أو دولي، أن يمتلك من أسباب القوّة ما يمكنه من تحدي
الهيمنة الأمريكية. وإن نجاح مجموعة من الدول العالمثالثية في بناء
مفاعلات نووية، هو مجرد مؤشر على نتائج تلك الثورة، ويعني ذلك أن
العالم ماضِ نحو نمط العلاقات الدولية، يقوم احترام الشراكة في
النظام الدولي، وهو يعني أن منطق الإخضاع الذي مورس في السابق من
جانب المراكز الرأسمالية على البلدان الضعيفة، لم يعد قابلاً
للاستمرار. وهذه المعادلة الآخذة في التبلور، هي التي تشوَّفها
أمين عام حزب الله، حين أعلن أن زمن الهزائم العربية أمام الحلف
الامبريالي الصهيوني قد انتهى، وأنه قد بدأ زمن الانتصارات، وهي
التي دفعت رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى كسر الحرم الذي
أقيم حول التوظيفات الإمبريالية والصهيونية لموضوع المحرقة
النازية، وحفزت في هذا السياق، رئيس روسيا، لأن يشن هجمة غير
مسبوقة على السياسة الأمريكية في مؤتمر ميونيخ، وأوصلت رئيس
فنزويلا إلى تحدي هيبة سيد البيت الأبيض في واشنطن. ومثل هذه
المحاولة، لا يريد رؤيتها من أعمت عقولهم أحقادهم الصغيرة التي
تذكرنا بما قاله السيد لينين، من أن الفأر لا يرى عدواً أكثر قوة
من القط.
وما نخلص له في الختام، هو أن وقائع لا يمكن إغفالها، باتت تدلل
على أن المنطقة والعالم هما على أعتاب تاريخ آخر غير الذي ترسمه
مراكز الأبحاث ومصانع إنتاج القرار الأمريكي. ولا يعني ذلك، أن
أمريكا لن تواصل اختبار قدرتها على إخضاع هذه المنطقة وإخضاع
العالم حاملة من الآلام للبشرية ما لم تحمله النازية والفاشية، غير
أنه يعني في ذات الوقت، بأن الزمن لن يطول أمام هذه الإمبراطورية
المتوحشة قبل أن يدرك عقلاؤها من أن العالم هو أكبر من تحكمه، وأن
تتحكم بمقدراته قوة واحدة مهما بدت هذه القوة غير محدودة |