بشأن الرؤية الثقافوية " للهزيمة العربية" ؟
غطاس أبو عيطة

يحاول الباحث في"مركز الدراسات الإسلامية بجامعة الزيتونة-تونس" الأستاذ سهيل الحبيب، من خلال دراسته المنشورة في مجلة المستقبل العربي( عدد تموز 2006)، أن يعود لموجة النقد الثقافوية التي غمرت ساحتنا الفكرية عقب هزيمة حزيران عام 1967، و التي انطلقت من رؤية مفادها، بأن البنية العقلية العربية السائدة، هي التي أنتجت هذه الهزيمة التاريخية، و أنها المسئولة عن إعادة إنتاج الهزيمة في كل مواجهة تدور بين المجتمعات العربية و بين المجتمعات الغربية التي أرست بنية عقلية علمانية و ديناميكية منذ عصر النهضة بعكس مجتمعاتنا التي بقيت أسيرة فكر تقليدي.

و كانت هذه الموجة النقدية قد رأت في حينه، بأن تغيير البنية العقلية العربية، تسبق تغيير البنية الاقتصادية الاجتماعية و تقودها نحو التغيير، بعكس الأطروحة الماركسية، التي رأت في بنية الوعي انعكاسا للبنية الاقتصادية الاجتماعية، و أن التغيير لا بد و أن يبدأ من الفكر و عن طريق نقد بنية الوعي العربية الغيبية.

و ما يطرحه الباحث في إطار سعيه لتأصيل تلك الموجة من النقد، هو أن احتلال أفغانستان و العراق من جانب القوى الاستعمارية الغربية، قد دشَّن قرناً ثالثا من الصراع المهزوم الذي خاضته الشعوب العربية و الإسلامية في مواجهة حضارة الغرب التي بدأ هجومها على المنطقة منذ حملة نابليون على مصر، فمنذ تاريخ تلك الحملة، توالت الهجمات الاستعمارية الغربية على منطقتنا، و توالت الهزائم العربية، إلى أن دخلنا الحلقة الثالثة في مسار الهزيمة التي بدأت مع حرب الخليج الثانية ثم سقوط بغداد.

و انطلاقا من هذا المنظور الثقافوي، يردُّ الباحث مسلسل الهزائم العربية إلى عاملين مترابطين يقومان في صلب بنية العقل العربية:-
أولهما- إسقاط هذا العقل الذي ما زال يعيش في الماضي، لصورة الصراع الذي خاضه المسلمون الأوائل ضد جماعة الكفار و أهل الشرك، على صورة الصراع الذي تخوضه الأمة ضد القوى الاستعمارية الغربية، دون الالتفات إلى خصوصية و إلى وقائع هذا الصراع الجديد. حيث يؤكد الباحث، على أن قوى المواجهة العربية، قد انحكمت جميعها لهذا التصور الديني للصراع، و أنه لم يكن هناك فارقا، بين خطاب أسامة بن لادن الأصولي الإسلامي، و بين خطاب صدام حسين البعثي العلماني، فكلاهما استحضر ذات الرؤية التي رأت في المواجهة الدائرة، على أنها مواجهة بين فسطاط الهداية و الإيمان و بين فسطاط الكفر و الشرك، و كذلك فعلت حركات المقاومة في فلسطين و العراق و أفغانستان و لبنان.
ثانيهما- انطلاق هذا العقل، من الرؤية القدرية، التي تركن إلى أن النصر سيكون حليف المؤمنين، لأن الله سوف يمدهم بهذا النصر كما أمد المسلمين الأوائل على ضعفهم و قلة عددهم، و أنه لا حاجة للمؤمنين لأن يكلفوا أنفسهم عناء الإعداد للنصر، الأمر الذي يتعارض كما يقول الباحث، مع ما حض عليه الإسلام من ضرورة الإعداد المادي من جانب المؤمنين لكي يتحقق لهم النصر على أعدائهم.

ومن هنا فهو يستخلص، بأن ما يقوم به العقل العربي السائد، من تكفير لمعسكر الأعداء من جهة، و من انتظار النصر من عند الخالق من جهة ثانية دون بذل الجهد في توفير مقومات النصر، هو ما حكم على الشعوب العربية (والإسلامية) أن تظل في موقع الهزيمة، ليصل إلى التأكيد، بأن كل ما تفرزه المجتمعات العربية من أشكال المقاومة، لن يكون بمقدوره تغيير مسار الهزيمة ما دامت هذه المقاومة محكومة بالعقل السائد، و إنه يمكنها فقط و في أحسن الأحوال، إثارة القلق في صفوف المعسكر الغربي المعادي دون أن تمنعه من بلوغ أهدافه الاستعمارية مرة تلو الأخرى.

و إذ يمضي الباحث نحو تحليل بنية العقل العربي، فهو يذهب إلى أن هذا العقل، لم يغادر نمط التحليل الفقهي الذي ساد حضارتنا العربية الإسلامية، و الذي يعتمد مبدأ القياس بدل اعتماده أسلوب التحليل العقلاني الذي يحاكم كل واقعة انطلاقا من خصوصيتها، و هو الأسلوب الذي اعتمدته حضارة الغرب و كان في أساس تقدمها و تفوقها. و من هنا فقد عمد العقل العربي كما يلاحظ الباحث، إلى تهميش الدوافع الاقتصادية لعدوان القوى الاستعمارية الغربية على بلداننا مركزاً على دافع ديني موهوم، و أغفل من ثم، ما تستند له تلك القوى من تخطيط استراتجي، و من تقنيات عسكرية هي نتاج حضارتها المتقدمة، مكتفيا بردة فعل انفعالية على خطط الأعداء و على قدراتهم المادية، و التي لا تغني فيها الشجاعة، و العمليات الاستشهادية العبثية عن ضرورة التخطيط و الإعداد، بما قاد و سوف يقود حتمياً إلى إعادة إنتاج الهزيمة.

و بدون أن نغرق فيما يسوقه الباحث من شواهد انتقائية أرادها أن تدلل على صحة رؤيته الثقافوية، و التي تؤكد على أن البنية العقلية العربية السائدة، عاجزة عن التعامل مع منجزات العصر الفكرية و المادية، و هي عاجزة بالتالي عن الخروج من الحلقة المفرغة لمسلسل الهزائم، فإننا نتوقف عند ما يدحض هذه الرؤية، و عندما يفتح الأفق أمام الانتصار على المعسكر الامبريالي الذي تغلقه مثل هذه الرؤية القصدية، و في ذلك نطرح التالي:-

أولاً- لقد جاءت حرب تشرين بعد بضعة أعوام من هزيمة حزيران عام 1967، لكي تنسف ما ذهب إليه أصحاب الرؤية الثقافوية من أن العقل العربي ببنيته القائمة، عاجز عن امتلاك أسباب القوة المادية و المعنوية. ذلك أن هذا العقل، قد أظهر قدرة على امتلاك مقومات المواجهة العسكرية العصرية، و أن يبدع في توظيف تلك المقومات، فكان اقتحام خط بارليف من جانب الجندي المصري بمثابة معجزة عسكرية بكل المقاييس، و لا يقلل من أهمية هذا الانجاز التاريخي ما جرى من تبديد مفاعيله عبر مؤامرة سياسية قادتها أمريكا و رضخت لها القيادة الساداتية معولة على حسن نوايا السيد الأمريكي الذي يريد أن يقيم السلام في المنطقة.

ثانياً- إن تاريخ الصراع الذي خاضته الشعوب العربية في مواجهة الغزو الاستعماري الغربي، لم يكن سلسلة من الهزائم كما يصوره أصحاب هذه الرؤية الثقافوية. فقد شهد هذا التاريخ انتصارات مؤزرة تحققت على امتداد الساحات العربية و أدت إلى دحر الاستعمارالكولونيالي. و إن طمس هذه الانتصارات باسم المراجعة النقدية العقلانية، لا يخدم سوى تعميم الإحباط و التسليم بالهزيمة كقدر لا رد له. و ضمن رؤية مغايرة يمكننا القول، بأن استمرار الصراع في منطقتنا و امتداده على مدى قرنين من الزمن، إنما يعكس من ناحية، مدى تكالب الغرب الاستعماري على هذه المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية و الاقتصادية و الحضارية، و يعكس من ناحية ثانية، مدى استعداد الشعوب العربية لمواصلة هذا الصراع و تحمُّل أعبائه المؤلمة دون أن توصلها بنيتها العقلية المطعون بصلاحيتها إلى التسليم بالهزيمة، بما يدلل على أن هذه البنية ليست جسداً لا حياة فيه لكي نطرحها جانباً، و لكي نقيم بدلا عنها ببنية أخرى حداثية تهبط علينا من الفضاء الخارجي بمعزل عن معطيات الواقع الوثيقة الارتباط بمستوى تطور بنانا المجتمعية التي لا يمكن الحكم عليها بالركود برغم ما واجهته من عوامل كبح داخلية و خارجية على امتداد التاريخ المعاصر.

ثالثاً- إن استحضار شعوبنا العربية و الإسلامية، لمورثها التاريخي كأداة للتحشيد و استنهاض الهمم في مواجهة عدوها الخارجي، لا يشكل حالة فريدة و شاذة في تاريخ الشعوب التي واجهت غزواً خارجياً، كون هذا الموروث، يستطيع أن يشكل إطاراً لايدولوجيا مواجهة عصرية و علمية مصاغة بخطاب تستوعبه و ترضاه الجماهير الشعبية. و إننا لا نعتقد على هذا الصعيد، بأن خطابنا العربي هو الذي حال دون الاستعداد المادي للمواجهة، و أن نقص هذا الإعداد، إنما يعود لعوامل موضوعية ترتبط بشراسة الهجمة المعادية من جهة، و باستكانة النظم التابعة أمام تلك الهجمة من جهة ثانية، و إنه لمن المستهجن أن يروِ الباحث عدم وصول العراق إلى امتلاك القدرات العسكرية التي تخل بميزان القوة مع الحلف الاستعماري المعادي، إلى سيادة الوعي الثيولوجي لدى النظام العراقي، و ليس لما تعرض له هذا النظام بسبب جديته في بناء القدرات المادية من عدوان و من خذلان و تواطؤ و تآمر النظم التابعة التي رأت في قوة العراق خطراً على وجود نظمها.

رابعاً- إن ما تدعو له هذه الرؤية الثقافوية، من ضرورة تغيير بنيتنا العقلية قبل أن نبادر لرد العدوان و لخوض الصراع، إنما ينطلق من فرضية ساقطة، تتوهم بأن العدو بعد أن يحكم قبضته على المنطقة، سوف يوفر الفرصة لشعوبها لكي تحقق مثل هذا التغيير الذي يتم خارج معطيات الواقع. و في رأينا أن هذه الرؤية، تقوم على إغفال ما يرمي له المعسكر الاستعماري في حلقة عدوانه الثالثة، من تمزيق الأمة على أساس مكوناتها ما دون الوطنية و القومية، و على عدم رؤية أن استمرار الصراع بالإمكانات المتاحة، مع تطوير تلك الإمكانات في غمرة الصراع، هو الذي يعيق عملية التمزيق الجارية، فيما لن يقود الانصراف إلى بناء وعي ثقافي جديد بمعزل عن فعل المواجهة، إلا إلى تعميق الركود في وعينا القائم. بما يفتح الباب واسعاً أمام عملية التمزيق و التذرير. و غني عن القول، بأن هذه المعادلة الموضوعية يدركها الحلف المعادي تمام الإدراك، لذلك هو يعمد إلى تشويه صورة المقاومة أمام قواعدها الشعبية بأساليبه التآمرية المختلفة، و يعمد إلى تشويه دوافع مراكز الصمود في المنطقة باعتبارها صادرة عن أطماع إقليمية يعمل هذا الحلف على دحرها خدمة لحرية البلدان و الشعوب المستهدفة بتلك الأطماع.

خامساً- و ما يعمد له الباحث، من خلط متعمّد بين الخطاب التكفيري التمزيقي للقوى المتطرفة الأصولية، و بين خطاب قوى الصمود و المقاومة في العالم العربي و الإسلامي، إنما يصب في سياق حملة التضليل التي أشرنا لها، و التي تقودها أمريكا ضد قوى حركة التحرر العربية و الإسلامية. و ما يمكن رؤيته على هذا الصعيد، هو أنه لا خطاب حزب الله، و لا خطاب حركة حماس برغم منطلقهما الديني، يصدر عن نظرية الفسطاطين المتعادميْن الإيماني و الشركي حتى في مواجهة عدو عنصري كالعدو الصهيوني. ففي غمرة المواجهة التي اندلعت مع هذا العدو على الساحة اللبنانية، توجه سماحة السيد حسن نصر الله بخطابه إلى ما أسماه تجاوزاً الشعب الإسرائيلي، ليقول له بأن حكومته تكذب عليه و هي تزجه في أتون هذه المواجهة، فهي بحربها التي أعلنتها على لبنان، لم تستهدف تحرير الجنديين الأسيرين، و إنما استهدفت بلوغ أهداف أخرى على مستوى المنطقة أفصحت عنها مبعوثة الإدارة الأمريكية. و مثل هذا الخطاب الذي يجيء من موقع الاقتدار، يمكن أن يتطور في مخاطبة تجمع المستوطنين الصهاينة ليقول لهم، بأن مصيرهم كبشر غير مرتبط بالمشروع الإمبريالي الصهيوني في المنطقة كما تدعي قيادتهم، و إنما بهزيمة هذا المشروع الذي أدخل المنطقة في سلسلة من الحروب المدمرة التي لن تبقى الغلبة فيها لهذا الحلف العدواني.

و ختاما نقول لباحثنا و لتياره الثقافوي، بأن البنية الثقافية السائدة في مجتمعاتنا، قد شكلت برغم قصورها الحصن المنيع الذي يحمي إرادة الصمود و المقاومة لدى جماهيرنا العربية و الإسلامية، و أن هذه البنية لم تحل دون اندحار حملة نابليون، و لم تحل دون رحيل الاستعمار الكولونيالي عن بلداننا، و لم تحل دون اجتراح المعجزة العسكرية التي حققها الجندي العربي في حرب تشرين، و هي لم تحل من ثم دون اندحار قوات الغزو الأطلسية و الصهيونية عن أرض لبنان إثر عدوان عام 1982، و لم تحل بالتالي دون دخول القوات الغازية الأنجلوأمريكية في المأزق العراقي جراء انطلاق المقاومة البطولية لشعب العراق، ثم أنها لم تمنع في النهاية، أن تدك صواريخ حزب الله و لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإمبريالي الصهيوني، المدن و المستوطنات الصهيونية، و أن يرتد الجيش الذي لا يقهر عن أرض لبنان مثخنا بالخسائر المادية و المعنوية تحت ضربات المقاومين. وإن من يغفل كل هذه المنجزات لكي لا يبصر غير مسلسل الهزائم في تاريخنا المعاصر، إنما يصطف دون علم منه أو بعلم، في خندق النظم و القوى التي تعلن التسليم بالهزيمة انطلاقا من حسابات ذاتية انتهازية ضيقة جرى تصويرها على أنها العقلانية التي تقف في مواجهة النزعة المغامرة لدى قوى الصمود و المقاومة العربية و الإسلامية.

نعم نحن بحاجة إلى تغيير و تطوير بنيتنا الفكرية القائمة، لكن الذي يغيِّر و يطور، ليس من يختار التعالي على موروثه الثقافي و الحضاري، بل أولئك الذين يجسدون بفعلهم النضالي كل ما هو مضيء في هذا الموروث، مطرحين جوانبه السلبية التي تتضخم في مناخ الشعور بالعجز عن مجابهة القوى الاستعمارية. و من هنا نقول، بأن الماركسية كعقلانية ثورية، هي شأن أي عقلانية ثورية مقاومة، إنما تقيم رؤيتها على أساس ربط جدلي بين الفكر، و بين معطيات الواقع الاقتصادي الاجتماعي.
 

 
  رجـوع