|
"مربع أحزان"
أم مراكز صمود بوجه السياسات الأمريكية؟!
غطاس أبو عيطة
فيما تواصل الإمبريالية الأمريكية حملتها العدوانية على دول وشعوب
المنطقة والتي تستهدف إخضاعها للسيطرة الأمريكية و الصهيونية،
توالي الأقلام الخانعة و المشبوهة هجومها على مراكز و قوى الصمود
في هذه المنطقة، باعتبارها المسؤولة عما يعتمل فيها من فوضى، و ما
تواجهه شعوبها من أخطار مصيرية.
فما يطيح باستقرار المنطقة و يحوّلها إلى مسرح للحروب و لألوان
العنف - وفق رؤية أحد حملة تلك القلام- هو ليس السياسة الأمريكية
المعتمدة ضد دول و شعوب هذه المنطقة ، و التي تعمل على إثارة
الصراعات الجانبية فيها – حين لا تقوم بغزوها- لكي يتسنى لها فرض
سيطرتها عليها، و إنما هو تلك المراكز و القوى التي تتصدى لهذه
السياسة الإستعمارية، فهي التي تضع بلدانها في تصادم مع إرادة
المجتمع الدولي الذي تقوده أمريكا، و الذي يُظهر حرصه على إنقاذ
منطقتنا من ثقافة العنف و سفك الدماء التي يمتد خطرها إلى أرجاء
العالم(؟).
و ما يذهب له صاحب هذا القلم ضمن جوقة المتساوقين مع حملة التضليل
الأمريكية، هو أن قوى العنف و الإرهاب التي تركّزت فيما أسماه
بمربع الأحزان( الذي يشمل العراق وإيران و فلسطين و لبنان) هي من
يحرم شعوب هذا المربع من عيش حياتها المستقرة أسوة بشعوب العالم في
ظل رعاية أمريكية، ذلك أنها باسم محاربة الخطر الأمريكي الصهيوني،
تخلق الأجواء التي تدخل بلدان المنطقة في دوامة من الحروب و
الصراعات التي تؤدي إلى تعميم الخراب فيها(؟).
-"فالفعل الدموي الذي تنشره هذه القوى في العراق تحت ذريغة مقاومة
المحتلين، هو الذي يحول دون خروج هذا البلد من محنته الرهيبة على
يد حكومته التي جرى انتخابها وفق أحدث المعيير الديمقراطية(؟). و
هو الذي يمنع القوات المتعددة الجنسية التي قدمت لتحرير هذه البلد
من نظامه الدكتاتوري الذي بدد طاقاته و نشر الحروب في محيطه
الإقليمي، من مغادرة أرضه ، حرصاً منها على أمن و سلامة شعبه وفق
الإعلانات المتكررة لكل من بوش و بلير"(؟).
-"كما أن تمسّك الحكومة الإيرانية بمشروعها لامتلاك السلاح النووي،
و مواصلتها تصدير الإرهاب إلى دول الجوار، هو الذي يثير قلق حكومات
و شعوب تلك الدول، و هو الذي يفرض بالتالي على المجتمع الدولي أن
يتصدى لهذا المشروع و ملحقاته حرصاً منه على استقرار المنطقة و على
أمن شعوبها... بل يدفعه للتفكير بتوجيه ضربات وقائية ضد إيران، و
إلى نشر أنظمة صاروخية أكثر قدرة على لجم أطماعها التوسعية البادية
للعيان، بما ينذر بتحويل المنطقة إلى مسرح لحروب مدمّرة"(؟).
- "ثم إن طمع حركة حماس المتطرفة، بالإنفراد بالسلطة التي نجح في
بنائها التيار العقلاني على الأرض الفلسطينية، هو ما قاد إلى
الإنقسام الحاد الذي باتت تعيشه ساحة فلسطين، و هو الذي يهدد
بدفعها نحو اقتتال داخلي تطال ناره من لم تطلهم آلة الحرب
الإسرائيلية... بل هوما أفسح المجال للجماعات الإرهابية لكي تحوّل
غزة إلى مركز لنشاطها، الأمر الذي كشفت عنه التحقيقات بشأن التفجير
الذي تعرض له منتجع دهب في سيناء و التي أظهرت بأن أحد منفذي هذه
الجريمة كان قد تلقى تدريبه في غزة" (؟).
-"و ذلك هو حال لبنان الذي بات فريسة الخيالات التي يعلنها حزب
الله، من أن صواريخه البدائية المصوبة على شمال الكيان، باتت قادرة
على إنهاء مشروع إسرائيل العظمى، مثلما أنهى تحريره للشريط الحدودي
اللبناني مشروع إسرائيل الكبرى، و التي تهدد بإغراقه مجدداً في
صراعات داخلية، و تحويله من ثم إلى هدف لعدوان خارجي لا قبل للبنان
بمواجهته و حصر أضراره في ظل الأوضاع القائمة العربية و الإقليمية
و الدولية"(؟).
و في المحصلة، فإن هذه القوى مجتمعة التي تعيش خارج روح و معطيات
العصر، هي التي تتحكم بمصير مربع الأحزان هذا بل بمسار الأحداث في
المنطقة. و هي التي تحبط بالتالي ما تبذله الأوساط الواعية في هذه
المنطقة، مدعومة من المجتمع الدولي، من جهود خيّرة لتجنيب شعوبها
الدمار الذي تعيشه العديد من بلدان العالم بعد وقوعها في قبضة
الفوضى و الإرهاب(؟).
و إذا نتصدى لهذا العرض الذي يطالعنا به أحد مروجي ثقافة
الاستسلام، فإننا نؤكد من جانب، على أن ما تعيشه منطقتنا من صراعات
و ما يتهددها من الأخطار، هو وليد السياسة التي اتبعتها أمريكا في
المنطقة و في العالم منذ نهاية الحرب الباردة، بعد أن أطلقت العنان
لنزعتها في السيطرة على مقدرات العالم مدفوعة إلى ذلك بغطرسة
القوّة. كما نؤكد من الجانب الآخر، بأن السبيل المطروح لضمان تجاوز
المنطقة لما يتهدد وجود دولها و أمن و سلامة شعوبها، إنما يتمثل في
إلحاق الهزيمة بالنزعة الإمبراطورية الأمريكية. و ذلك هو الدور
الذي تضطلع به شعوب المنطقة و قواها الحيّة، في انسجام مع الحركة
التي باتت تعم العالم و التي تتصدى للسياسات الأمريكية التي باتت
تهدد مستقبل الكرة الأرضية وفق رؤية تيار آخذ في الاتساع على نطاق
العالم.
و دعما للرؤية التي ننطلق منها و التي تؤشر على حقيقة أن المجابهة
التي تدور في المنطقة و في العالم، هي مجابهة مع السياسة الخارجية
الأمريكية، فإننا نتوقف بداية عند نتيجة استطلاع الرأي الذي أجرته
"مؤسسة بيو للاتجاهات العالمية" في خمسين دولة من مختلف القارات.
حيث أجاب %70 ممن شملهم الاستطلاع، بأن السياسة الأمريكية ذات
النزعة العدوانية، هي التي تنشر الفوضى على امتداد خارطة العالم. و
أن الخروج من هذه الفوضى لا يتم إلا بظهور قطب دولي آخر، قادر على
لجم غطرسة القوّة التي باتت تتحكم بالسياسة الأمريكية.
كما نتوقف بعد ذلك، عند تحليل الباحثيْن الأمريكييْن أندرو كوهوت و
بروس ستوكس (عبر كتابهما الموسوم أمريكا ضد العالم)، و الذي رأيا
من خلاله، بأن موجة العداء التي باتت تعم العالم ضد أمريكا، ليس
سببها الرئيسي الحروب التي شنتها الإدارات الأمريكية ضد العديد من
دول العالم في الأعوام الأخيرة بما رافقها من دمار و من خرق
للقوانين الدولية، بل هو فشل تلك الحروب في تحقيق غايتها ممثلة في
استكمال بناء الإمبراطورية الأمريكية التي تهيمن على النظام
الدولي، فالنكسات التي منيت بها مغامرات أمريكا العسكرية وخاصة في
العراق- كما يقول الباحثان المذكوران- هو ما أطلق "حركة المشاغبة"
العالمية ضد السياسة الخارجية الأمريكية، والتي باتت تضم في
إطارها، نظما، وأحزابا سياسية، وقوى شعبية، شملت الدول التي كانت
صديقة لأمريكا.
أما ما يجعل الشعب الأمريكي "شريكاً في الجلوس إلى مائدة أكلة لحوم
البشر التي ينصبها رؤساؤه" كما يقول المؤرخ اليساري الأمريكي هوارد
زين، فهو جهل هذا الشعب، لحقيقة الدوافع التي تُملي على أولئك
الرؤساء، خوض حروبهم ضد البلدان الأخرى. ذلك أن ماكنة الإعلام
الرسمية الأمريكية، التي تسيطر على مراكز الإعلام، و على مؤسسات
التعليم، و على إنتاج الفنون، هي التي تزور تلك الدوافع، مصورة أن
الحروب التي يخوضها قادة أمريكا، إنما تاتي في إطار دفع الأخطار
المزعومة التي تتهدد النموذج الأمريكي الذي أقيم على أساس قيم
الحرية و الديموقراطية و الدفاع عن حقوق الإنسان.
و بالوقوف عند الحالات التي يعرضها كاتبنا فيما أسماه مربع
الأحزان، فإنه يمكن القول استناداً إلى منظور الباحثيْن
الأمريكييْن سالفي الذكر، هو أن ما جرى عرضه من قبل هذا الكاتب،
يمثل فعلاً مربع أو دائرة أحزان، لكن ليس من زاوية نظر شعوب
المنطقة، التي تدرك عبر تجاربها التاريخية بأن هناك ثمناً لا بد و
أن تدفعه الشعوب الحرّة لرد غائلة الغزاة عن أوطانها، و إنما
بالنسبة لإدارة بوش الإبن، و لحكومة تابعه السيد توني بلير، لما
تواجهانه من عزلة داخلية و إدانة دولية جراء مغامراتهما العسكرية
الفاشلة في هذه المنطقة من العالم، و جراء إشعالهما لصراع الحضارات
انسياقا وراء نظريات عنصرية طالما أفرزتهما الرأسمالية الغربية.
وإذ ندخل في تفاصيل الصورة التي يعرضها قلم كاتبنا بشأن"مربع
الأحزان" فإننا نقول: بأنه أمام بسالة المقاومة العراقية التي فشل
الغزاة و أتباعهم في تشويه وجهها و بالتالي عزلها عن قواعدها
الشعبية، مثلما فشلوا في تحويل العراق بفضل هذه المقاومة إلى منطلق
للعدوان على المنطقة، أُدخلت إدارة و حكومة بوش و بلير في مأزق لا
مخرج منه. ثم أنه إزاء صلابة و عقلانية الموقف الذي تمترست خلفه
الحكومة الإيرانية دفاعا عن حق شعبها في امتلاك أسباب المنعة بوجه
المشروع الأمريكي الصهيوني، اضطرت الإدارة الأمريكية إلى التراجع
حفظاً لماء وجهها بعد أن أثقلت كاهلها مغامراتها العسكريّة في
العراق و أفغانستان. و على الساحة الفلسطينية، فإنّه أمام وعي
الجماهير لحقيقة المخطط الذي يستهدف تصفية قضيتها الوطنية
بالاستناد إلى حرب الإبادة التي تشنها ضدها القوات الصهيونية بدعم
أمريكي، فإن التيار المهادن، سوف يضطر إلى الإنكفاء، برغم ما يلقاه
من مساندة من جانب قوى التآمر العربية الرسمية و الدولية
والصهيونية. و بالنسبة للبنان، فقد بات واضحاً، عجز قوى الفتنة عن
جرّ هذا البلد خارج خياره العروبي، حيث يتفاقم مأزق تلك القوى مع
تنامي الاصطفاف الوطني على الأرضية التي رسّخها نهج المقاومة
بقيادة حزب الله.
و ما يمكن أن نضيفه توضيحا للأوضاع التي تعيشها المنطقة، هو أن
السياسة الأمريكية التي أمكن لها إخراج مصر بكل ثقلها من خندق
المجابهة مع المشروع الأمريكي الصهيوني، هي ما أخلَّ بالتوازن الذي
كان قائماً في المنطقة، بما قاد إلى تداعي النظام الإقليمي الذي
استطاع حفظ استقرارها النسبي، لكي ينهار هذا النظام، مع تصعيد حملة
الإخضاع الأمريكية عقب انهيار النظام الدولي الثنائي القطبية.
و إذ نجمل رؤيتنا للمسار الذي تتخذه المنطقة في غمرة المخاض الذي
تعبره في ظروف المرحلة الهشة التي يجتازها النظام الدولي، فإننا
نعرب عن ثقتنا بإمكان انتصار النهج الذي تعبر عنه إرادة الصمود و
المقاومة في المربع المذكور، و التي تشكل رافعة لنهوض ثوري قادم في
المنطقة. و هو المسار الذي يسنده على المستوى الدولي، تعاظم حجم
القوى التي تناهض السياسة الأمريكية، بل تنامي وعي تلك القوى
لضرورة تكتلها، الأمر الذي برز مؤخراً في تجمُّع شنغهاي، الذي
سيشمل بالإضافة إلى الصين و روسيا و كازاخستان و أوزبكستان و
طاجيكستان و قيزغيزستان، كلاً من إيران و الهند و باكستان و
منغوليا، بما يفاقم من إرباك السياسة الأمريكية التي تلقت ضربات
موجعة في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية، ثم عبر نتيجة
الانتخابات التي أجريت في اسبانيا و ايطاليا و المرشحة لأن تمتد
إلى بلدان أوروبية أخرى.
و ما تمر به إدارة المحافظين الجدد في أمريكا من أزمات داخلية، لهو
الدليل الواضح على أن الرياح لا تمضي في الوجهة التي حلمت بها
عصابة المحافظين هذه، و ذلك ما بات يسلم به مَن تسَرَّع بإطلاق
نظريته بشأن نهاية التاريخ.
|