| |
أوباما يواصل
سياسة أسلافه تجاه قضية الشعب الفلسطيني
غطاس أبو عيطة
التحضيرات التي جرت في المنطقة لاستقبال
مبادرة الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما بشأن السلام في الشرق
الأوسط,لم تختلف عن التحضيرات التي مهَّدت لمبادرات أسلافه
المتأخرين من رؤساء أمريكا ,التي استهدفت تقوية معسكر الاستسلام في
هذه المنطقة الذي أعلن التحاقه بالسياسة الأمريكية,وضرْب أو إضعاف
معسكر الصمود والمواجهة إزاء تلك السياسة,بما يدلل على أن هذه
المبادرة ,لن تخرج عن سياق الإستراتيجية الأمريكية المعتمدة تجاه
هذه المنطقة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية,والتي قامت على
مبدأ,أن من يستحوذ على هذه المنطقة يمكنه أ ن يحكم العالم.
فما شهدته منطقتنا من تطورات وأحداث في
الآونة الأخيرة ,جاء مرتبطاً بما أشيع من أوهام حول سياسة جديدة
أكثر توازناً سوف تعتمدها الإدارة الأمريكية الجديدة إزاء قضايا
الصراع في المنطقة ,والتي سعى أوباما إلى تعزيزها من خلال خطابه
الذي ادعى فيه,بأن عهده سيكون نقيضاً لعهد سلفه الذي أورث أمريكا
أزمات داخلية ومآزق خارجية, غير أن ما جرى من التطورات والأحداث
,كشف حقيقة تلك الأوهام ,ودلل على أن أمريكا ليست في وارد أن تتخلى
عن حلمها بإخضاع هذه المنطقة والسيطرة على مقدراتها ,وأنها ليست في
وارد أن توقف كل أشكال دعمها للقاعدةالصهيونية,وللنظم والقوى
الخانعة والتابعة في سبيلها لإنجاز هذا الحلم.
ولرصد تلك التطورات والأحداث يمكن إبراز
التالي:
على المستوى
الفلسطيني,جرى العمل لترتيب أوضاع
الساحة الفلسطينية,بحيث يمسك بقرارها التيار الذي أذعن لمخطط
التصفية.وفي هذا السياق تم عقد مؤتمر فتح لتكون بتركيبتها
الجديدة,فرس الرهان في تمرير هذا المخطط,وتم عقد مجلس وطني فلسطيني
كيف ما اتفق,لتوضيب لجنة تنفيذية وفق المواصفات المطلوبة.وتواصلت
على ذات الصعيد حملة الاجتثاث ضد قوى وثقافة المقاومة والتحرير في
الضفة المحتلة,والتي أشرف على تنفيذها فريق من الخبراء الغربيين
تحت قيادة الجنرال الأمريكي دايتون.وتواصلت على ذات الصعيد,مساعي
النظام في مصر,الرامية إلى تدجين تيار المقاومة تحت دعوى الانسجام
مع الشرعية العربية والدولية,وذلك في ظروف الحصار الهمجي المفروض
على أبناء غزة التي دمرها العدوان الصهيوني,وظروف حملة القتل
والملاحقات للمقاومين من أبناء الضفة.
وعلى الصعيد
العربي,جرى تعطيل حركة السعودية باتجاه
سورية,التي انطلقت من الرؤية بأن الوقت قد حان لإقامة اصطفاف عربي
جديد على خلفية تراجع المشروع الأمريكي – الصهيوني,وجرى
بالمقابل,افتعال أزمة عراقية – سورية,بهدف إشغال سورية عن دورها في
التصدي للمؤامرة الاستعمارية.كما جرى في الوقت ذاته ,دفع الساحة
اللبنانية نحو أزمة حكومية تهدد باندلاع فتنة تستنزف القوى الوطنية
وعلى رأسها المقاومة اللبنانية,وعاد التلويح مجدداً بالمحكمة
الدولية بالنسبة لهذه الساحة ,لتكون أداة ابتزاز لسورية وللقوى
اللبنانية المناهضة للمشروع الاستعماري.
أما على الصعيد
الإقليمي,فقد واصلت أمريكا دعمها للتيار
الانقلابي في إيران الذي يسعى لإخراجها من ساحة المواجهة,وواصلت
إنطلاقاً من هذه السياسة ,ضغوطها على القيادة الثورية الإيرانية
سواء عن طريق تشديد العقوبات الاقتصادية أو عبر استمرار التهديدات
بالعدوان العسكري ,حيث أجريت مناورات أمريكية – صهيونية مشتركة في
صحراء نيفادا الأمريكية استعداداً لمثل هذا العدوان أو تلويحاً به.
وطالت الضغوط الحكومة القائمة في
تركيا,التي أدارت وجه هذا البلد الإسلامي نحو محيطه الإقليمي,في
استجابة لما شهده العالم من تكتُّلات لدول ذات مصالح متشابكة,بما
يمكنها من حماية تلك المصالح إزاء مفاعيل العولمة المتوحشة التي
أطلقت آلياتها المراكز الرأسمالية.
وعلى الصعيد
الدولي,عملت إدارة أوباما على كسب
الموقف الروسي إزاء سياستها في المنطقة,بإلغاء مشروع الدرع
الصاروخي على الحدود الروسية.
واتساقاً مع هذه السياسة,رأينا كيف نُحِّيت
إلى الوراء دعوة أوباما بشأن حل الدولتين بالنسبة للقضية
الفلسطينية ,بحيث غدت لعبة تجميد الاستيطان هي الشغل الشاغل
للإدارة الأمريكية الجديدة,ولتخرج علينا هذه الإدارة بأكذوبة فشلها
في إقناع الحكومة الصهيونية بتجميد الاستيطان لفترة محدودة,لكي
تبرر دعوتها للدول العربية بالسير خطوات على طريق التطبيع مع
القاعدة الصهيونية لإقناع حكومتها بالاستجابة لمبادرة السلام التي
سيتم طرحها.
وهكذا فإنه بدل المبادرة التي أراد أوباما
طرحها في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة,فقد اكتفى بعقد لقاء
إعلامي بين نتنياهو وعباس على هامش أعمال الدورة,معلناً من خلال
ذلك,تنصُّل أمريكا من دورها في وقف المشروع الصهيوني الرامي إلى
تهويد كل الأرض الفلسطينية,والذي وضع نتنياهو صيغته الجديدة بإقامة
دولة منزوعة السلاح للشعب الفلسطيني,لا تخرج عن إطار إدارة ذاتية
للسكان دون الأرض,وعن أوهام حول تنمية اقتصادية يتم تحقيقها في ظل
التبعية للدولة اليهودية التي يقضي نقاءَها بالتخلص من الكثافات
السكانية الفلسطينية عن طريق الترحيل أووضعها في منعزلات أقرب إلى
محميات الهنود الحمر في أمريكا.
وملخص القول,هو أن ما تمخضت عنه مبادرة
أوباما الموعودة في نهاية المطاف,هو أنها قد وضعت المنطقةعلى طريق
جولة جديدة من الصراع,ليكون السؤال,حول من سيتقدم ومن سيتراجع خلال
تلك الجولة,وليرتبط ذلك بمن هو الأقدر على مراكمة أسباب الغلبة في
معركة تتداخل فيها الدبلوماسية مع المواجهات العسكرية.
وبالنظر إلى موازين القوَّة القائمة على
الأرض ,فإنه يمكن التأكيد على تراجع قوة الحلف الاستعماري,وعلى
ترسُّخ قدرات القوى المتصدية لهذا الحلف,فمنذ غزو أمريكا
لأفغانستان وللعراق,وهذا الحلف يتعرض لخسائر متلاحقة توجت بهزيمة
القوات الصهيونية في حرب لبنان وفي العدوان على غزة.ومع اندلاع
الأزمة المالية والاقتصادية في مراكز هذا الحلف ,فإن قدرته على ضبط
وجهة التطورات في المنطقة,تغدو أضعف مما كانت عليه في السابق,بحيث
يمكن الاستخلاص,بأن ما لم يستطع تحقيقه هذا الحلف في المرحلة
السابقة فيما يتعلق بإخضاع المنطقة وإعادة رسم خريطتها الجيوسياسية
وهو في ذروة اندفاعته العدوانية,فإن حظه في ذلك ,سيكون أضعف بعد ما
مني به من إخفاقات في مجمل ساحات المواجهة الساخنة,بدءاً من العراق
وأفغانستان ,ووصولاً إلى الساحتين اللبنانية والفلسطينية.
ولا يعني ذلك بأي حال,أن خطر تصفية قضية
الشعب الفلسطيني قد انحسر تماماً,وإنما يعني بأن هذا الخطر,بات
بالإمكان إحباطه استناداً إلى قدرات هذا الشعب الذاتية مدعوماً من
مراكز وقوى الصمود والمقاومة العربية والإقليمية,وذلك بعد أن
اختبرت هذه القدرات في حرب غزة ,وفيما سبقها ولحقها من ألوان
التآمر والعدوان التي فشلت جميعها في كسر إرادة هذا الشعب
التحررية.
غير أن المطروح من أجل تعزيز هذه القدرات
,هو أن يواصل تيار المقاومة والتحرير جهوده نحو إنتاج مرجعية وطنية
تتولى تحشيد طاقات شعبنا داخل الوطن وفي الشتات على قاعدة هدف
التحرير واستراتيجية إلحاق الهزيمة النهائية بالمشروع
الصهيوني,وذلك على طريق إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير
الفلسطينية بمعزلٍ عن قوى التيار الضالع في مؤامرة التصفية.
ويقتضي ذلك كما طرحنا في موضع سابق,عقد
ملتقى دائم للحوار,تشارك فيه جميع الفصائل والفعاليات المتمسكة
بنهج المقاومة والتحرير,لكي يتولى هذا الملتقى وضع خطة للتحرك تأخذ
في اعتبارها معطيات الواقع من منظور ثوري,وذلك في تجاوزٍ لحالة
المراوحة التي تمر بها جبهة القوى الوطنية,تاركة زمام المبادرة بيد
تيار الردة والاستسلام.
وفي الختام يمكننا القول,بأن القوى
المتآمرة على قضية الشعب الفلسطيني وعلى مستقبل دول وشعوب المنطقة
العربية والإسلامية ,لن يكون بمقدورها تصفية قضية فلسطين كمدخل
لإخضاع المنطقة,وسوف تمر مبادرة أوباما كما مرَّت قبلها مبادرة
ريغان التآمرية التي دفنتها انتفاضة الجماهير الفلسطينية عام 1987
رغم إقرارها في قمة عمان العربية,وسوف تدخل هذه المبادرة في نفق
مسدود,كما دخلت قبلها خطة خارطة الطريق التي طرحها بوش الإبن
مستهدفاً اجتثاث المقاومة من الساحة الفلسطينية,التي طالما شكلت
العقبة بوجه مخطط التصفية على الرغم من مسيرة أوسلو الكارثية.
وإنه إذ يردد الصهاينة صباح مساء استناداً
إلى وقائعهم الاستيطانية,بأن مصير القدس قد جرى حسمه باعتبارها
العاصمة الموحدة الأبدية لدولتهم اليهودية,فإن ما يعبِّر عنه
قادتهم من قلق على مصير هذه الدولة ,يكشف أن مصير هذه العاصمة
العربية لم يحسم بالمنظور التاريخي,إذ ليس نتنياهو وحده ,من رأى
بأن علامة الاستفهام قد عادت إلى الارتسام فوق مستقبل المشروع
الاستعماري الاستيطاني الصهيوني بعد أن أزالت هذه العلامة
بالوهم,ما ألحقه الصهاينة في حرب حزيران عام 67 من ضربة لحركة
التحرر العربية,فقد سبقه إلى هذه الرؤية ,كل قادة الصهاينة
المتأخرين ,وكل باحثيهم الإستراتيجيين,الذين أدركوا بأن الخطر
الرئيس الذي يتهدد مصير الكيان ,هو فقده لقوَّة الدفع الذاتية,التي
لا يعوضها ما تحقن به هذه القاعدة العدوانية من مقويات تأتي من
دولٍ لا تواجه سؤال الوجود كما تواجهه الدولة الصهيونية وتجمُّعها
الاستيطاني.
|
|