لم أخطئ في قراءَة الصديق سلامة كيلة

 

                                                                                                       غطاس أبو عيطة

 

في ردي على ما طرحه الأستاذ سلامة كيلة في مقاله الذي نشر بعنوان )) الوهم الفلسطيني واليقين الصهيوني)),كنت في الواقع أواصل التصدي لحملة التشكيك بقوى الصمود والمقاومة في المنطقة,التي استطاعت أن تكشف حدود القوة لدى الحلف الاستعماري,فارضة التراجع على مشروع هذا الحلف الذي استهدف إعادة دول وشعوب المنطقة إلى السيطرة الكولنيالية وفق نموذج أشد وحشية وعنصرية.

وفي رده على الرد,اعتبر الأستاذ سلامة كيلة أولاً,بأنني أخطأت حين وضعته في صف المشاركين في هذه الحملة كوني لم أقرأ جميع مقالاته,ورأى ثانياً,بأني أكرر فيما أطرحه,الخطأ الذي وقع فيه اليسار الفلسطيني والعربي في المرحلة السابقة,حين لم يقم ربطاً جدلياً بين الوطني والطبقي في نظرته إلى القوى المنخرطة في حركة التحرر الوطني,بما دفعه إلى التذيُّل للقيادة البرجوازية التي برزت على رأس هذه الحركة والتي لم تلبث انسجاماً مع مصالحها الطبقية,أن انخرطت في مسار التسوية مع القاعدة الصهيونية وحلفها الاستعماري مجرجرة اليسار خلف نهجها الاستسلامي,وأن ما يفعله هو من موقعه الطبقي واستناداً إلى مرجعيته الماركسية العلمية,هو إبراز الأرضية الوطنية – الطبقية التي يجب أن يقف عليها اليسار لكي يحافظ على استقلاله في مرحلة تحالفه مع القوى البرجوازية,ليكون بمقدوره في اللحظة المناسبة,أن يتصدى لانحراف هذه القوى عن الخط الوطني التحرري,بحكم استعدادها للتحالف مع قوى الاستعمار ومع الصهيونية التي تشاركها في الدفاع عن النظام الرأسمالي بوجه اليسار والاشتراكية ,والتأسيس بالتالي لحركة ثورية جذرية.

وما يقوله الأستاذ كيلة في كشفه عن جذر انحراف القوى البرجوازية عن الخط الوطني ,(( هو أن الرأسمالية التي تتشَكَّل,معنية بالتكيُّف مع النظام الرأسمالي المهيمن,وهي معنية لذلك ,بإيجاد حلول للمشكلات القائمة مع هذا النظام,وعليه فإن كل مواقف الصمود والمقاومة التي تعبر عنها الفئات البرجوازية هي لحظية ومؤقتة وتخضع لمقتضيات التفاهم مع النظام الرأسمالي,وهكذا فإن على اليساري ألا يقنع بوجود توافق مع قوة ما في لحظة معينة,بل أن يدقق في حدود هذا التوافق وان يعرف الاختلاف أكثر وإلا وقع في مطبات كثيرة تقود إلى تهميشه .. أي أن رؤية تناقض ما بين قوة وطنية وبين الرأسمالية, لا يسوِّغ لقوى اليسار الاندلاق والقبول بموقع التبعية مع هذه القوَّة)).

وهنا يبين الأستاذ كيلة استناداً إلى تحليله الطبقي(( لماذا قبلت النظم الوطنية البرجوازية العربية,بفتات دول تقوم في ظل التبعية للمراكز الرأسمالية,ولماذا لهثت حركة فتح,ومن بعدها حركة حماس,وراء سلطة وهمية تقوم في ظل الاحتلال وعلى توافق مع القوى الاستعمارية)).

وانطلاقاً من هذه الرؤية النظرية,يشن الأستاذ كيلة حملته الضارية على حركة حماس"ابنة جماعة الإخوان المسلمين التي تحالفت حتى نهاية الثمانينات من القرن العشرين مع معسكر الإيمان (أمريكا والدولة الصهيونية)في مواجهة معسكر الكفر اليساري في المنطقة والعالم",ليصل إلى القول ))على الرغم من أن حركة حماس قد تغيَّرت وأصبحت قوة مقاومة,فهي تظل مشدودة إلى تاريخها,وإلى منطلقها الديني الأصولي وإلى ما تمثله من فئات اجتماعية,فهي من الناحية الطبقية ,متداخلة مع الفئات الرأسمالية في دول الخليج,كونها جزء من الرأسمال الإسلامي الذي تهيمن عليه تلك الدول,وذلك يفسر لماذا كانت ولفترة طويلة,ضد التحرير وضد المسألة الوطنية,ولماذا بقيت تخوض معركة الإيمان ضد الإلحاد في تلك الفترة..ولماذا اتجهت بعد فوزها في الانتخابات على قاعدة شعار التحرير,نحو التخلي عن هذا الشعار,طارحة هدف الدولة في حدود عام 67,وهدنة طويلة مع القاعدة الصهيونية)).وبعد كل ما يقوله الأستاذ كيلة في حماس,وما يقوله قبل ذلك في النظم التي تتعارض لحظياً مع الحلف الاستعماري,فإنه يريد أن يقنعنا ,بأنه لا يشارك في الحملة ضد قوى الصمود والمقاومة,وأن كل قصده,هو إظهار الحدود التي تقوم بين قوى تلتقي على المسألة الوطنية.كونها تتفارق بحكم منبتها الطبقي,لتصل إلى مرحلة من الفرز الوطني على قاعدة هذا المنبت.

وما نريد قوله تعقيباً على ما يطرحه الأستاذ سلامة كيلة من المنطلق الماركسي :-

أولاً – ما قاله لينين مؤكداً على مقولة الشاعر غوته, بأن شجرة الحياة أغنى من أي نظرية, وهذا القول نلمس صحته في الثورة الجزائرية والثورة المعاصرة الفلسطينية.فمن قاد ثورة الجزائر التي دحرت الاستعمار الكولنيالي والاستيطاني الفرنسي هو البرجوازية الصغيرة وفق التصنيف التقليدي للماركسية,ومن وقف ضد الثورة في حينه,هو اليسار المتسلِّح بنظرية جذرية ضد النظام الرأسمالي العالمي.وفي الثورة المعاصرة الفلسطينية ,قصَّرت القيادة البرجوازية الفتحاوية عن بلوغ هدف التحرير لأسباب ذاتية وموضوعية,لكن دور تيار وازن في قوى اليسار,تمحور حول تزيين التنازل عن هدف التحرير من جانب تلك القيادة,ثم تركز هذا الدور بعد ذلك,على التشكيك بمن رفع راية استمرار المقاومة بعد أن قصَّرت أو تخلت عن هذه الراية قوى اليمين واليسار في منظمة التحرير الفلسطينية والتي وأدت المنظمة بشطب ثوابتها التحررية.وسيقول الأستاذ كيلة,بأن جبهة التحرير الجزائرية لم تلبث بعد التحرير أن انقادت وراء مصالحها الطبقية معتبراً أن ذلك كان خيارها الحتمي,وأنه إنما يتحدث عن يسار حقيقي غير اليسار المزيَّف الذي عرفته الساحتان الفلسطينية والعربية.ونحن نقول له ,بأننا لن ننتظر معه ولادة هذا اليسار ,وأننا باسم اليسار أيضاً,أعلنا انحيازنا لخط استمرار الصراع في مواجهة المشروع النقيض الاستعماري – الصهيوني,منطلقين من الرؤية ,بأن استمرار الصراع هو الذي ينضج حركة التحرير في المنطقة.

ثانياً – وإذ يسأل الأستاذ كيلة :"لماذا أحلل لحماس ما حرمته على عرفات بشأن التنازل عن 80% من أراضي فلسطين؟",وجوابي هنا يأتي مما يؤكده هو,من أن الحركة الصهيونية تريد كل فلسطين,مع التأكيد من أنه لا عرفات ولا من بعده حركة حماس تشكَّلت لديهما أوهام بشأن ذلك.والفارق بين الحالتين ,هو أن عرفات قد اعتقد بأن مستوىً محدوداً من المقاومة,يمكنه أن يفرض تراجع الصهاينة خطوة عن ثوابت مشروعهم بما يشكل خطوة على طريق تقدم المشروع الوطني الفلسطيني البديل,وبالنسبة لحماس التي أخذت في اعتبارها تجربة أوسلو ,فقد سعت إلى إنتاج حركة مقاومة أكثر جديَّة برز نموذجها في حرب غزة وقبل ذلك في دحر المحتلين وكنس مستوطناتهم من قطاع غزة.ونتيجة المواجهة التي جرت في حرب لبنان وفي حرب غزة,رأى أولمرت بأن الوقت قد حان لكي تعيد الحركة الصهيونية النظر بثوابت مشروعها مؤكداً على أن الزمن لم يعد يعمل في صالح هذا المشروع,وأتت حكومة نتنياهو كمحاولة لمعاندة الزمن,أما المقاومة في لبنان وفلسطين فقد واصلت الإعداد لمواجهة قادمة تؤكد من خلالها ما فهمه أولمرت ومن قبله باراك وشارون.وإنه على هذه الأرضية تتواصل المواجهة مع المشروع الصهيوني بمعزل عن شعار التحرير الذي يتحقق من خلال ضربة قاضية توجه للكيان.

ومن هنا يمكن القول بأنني لا أحمل نظرة أحادية الجانب تجاه عرفات,إذ بدون الخبرات التي راكمتها حركة الشعب الفلسطيني التحررية تحت قيادة فتح ,فإنه لم يكن بالإمكان إنجاز ملحمة غزة,كما أنه بعد حرب تموز 2006 في لبنان ,وبعد الصمود الأسطوري لشعبنا الفلسطيني ولمقاومته في غزة,فإنه لم يعد من السهل ,تضليل الشعوب العربية,بالإدعاء من أن المقاومة هي من دون جدوى,وأنها لا تجلب غير المزيد من الكوارث والهزائم لهذه الشعوب.

ثالثاً – لقد تحدث ماركس ومعه إنجلز ,كيف أن بسمارك البرجوازي الرأسمالي قد وحَّد نضال الطبقة العاملة الألمانية بتوحيده لألمانيا,لكنه على أرضية الإنجاز الذي حققه بسمارك,لم تأخذ هذه الطبقة وحزبها العمالي دورها في قيادة ألمانيا نحو الاشتراكية كما أمَّل القائدان الماركسيان,فكما انساقت الجماهير الفرنسية وراء مشروع نابليون الإمبراطوري الاستعماري,استلبت الجماهير الألمانية أمام مشروع هتلر.ويعني ذلك أن استجابة الشعوب لحركة التاريخ لا تتم كما يكون الأمر في مختبر بمعزل عن تعقيدات الواقع.وهنا نريد القول,بأنه في أمريكا اللاتينية ,التقى لاهوت التحرير مع الفكر الثوري اليساري على مناهضة السيطرة الاستعمارية الأمريكية الداعمة للنظم التابعة,والسؤال هنا,لماذا يفترض يسارنا بأن التيار الإسلامي في المنطقة العربية والإسلامية,ليس بإمكانه إنتاج إيديولوجيا مناهضة للنظام الرأسمالي المهيمن في العالم؟.ولماذا يفترض هذا اليسار ,بأنه لا تقدم لمجتمعاتنا إلا من خلال فصل الدين عن السياسة,وهو أمر لم يتم إلا في وعي هذا اليسار المنفصل عن حركة التاريخ؟.

رابعاً – لقد قال شاعرٌ ما امتلك مثل عبقرية غوته  :((هنا الوردة,فلنرقص هنا)).والوردة في تاريخنا المعاصر,عبر عنها عبد الناصر القومي التحرري الذي استجابت له الشعوب العربية بل شعوب العالم النازعة للحرية,لكن يسارنا تردد في استجابته لهذا المشروع,ناظراً إلى الماركسية نظرة مثالية أو غيبية باعتبارها الوصفة الجاهزة التي تنهي كل مشكلاتنا.وبعد هزيمة حزيران عام 1967,غدت المقاومة الفلسطينية التي أطلقتها حركة فتح هي الدالَّة على مكان الوردة,وهنا أيضاً,وقف اليسار الشيوعي في مكان آخر.وغدت الوردة في مرحلة تالية عند المقاومة الإسلامية,واختار اليسار المتمسك بنقائه الإيديولوجي والطبقي موقف الغمز من قناة هذه المقاومة.

ونقول لهذا اليسار,بأن من يبحث عن موقع ثالث يقف فيه,يقوم بين المعسكر المجابه للمشروع الاستعماري – الصهيوني,وبين معسكر الصمود والمقاومة ,مدعياً الاستقلالية الطبقية والفكرية,فهو إنما يبرر التحاقه بالمعسكر الثاني,وذلك ما نلمسه بوضوح تام بالنسبة ليسارنا الفلسطيني.وسيقول الأستاذ كيلة بأنني لم أقرأ نقده لبرنامج وحدة هذا اليسار,وردِّي هنا,بأننا لسنا إزاء مسألة نظرية,بل نحن أمام فرزٍ يشمل الساحة العربية ,بين نهج الصمود والمقاومة,وبين نهج الالتحاق بالمشروع الاستعماري,وأنه لكي تكون لليسار مصداقية,عليه أن ينخرط أولاً في الصف المقاوم,وعليه أن يجعل مهمته الأساس,الدفاع عن ثقافة المقاومة بوجه ثقافة الهزيمة والاستسلام إذا تعذر عليه ممارسة فعل المقاومة في اللحظة الراهنة.

وهكذا نختم بالقول,بأن الربط الجدلي بين الوطني والطبقي,لا يعني حرق المراحل,ففي مرحلة التحرر الوطني علينا التحشيد على قاعدة الهدف الوطني,مدركين بوضوح تام,بأن هزيمة المشروع الاستعماري الذي يشكل المشروع الصهيوني أداته الأساسية,لن تتحقق إلا عبر مراحل,وعندما يكون الخطر على وحدة البلدان العربية ,فإنه يغدو من قبل إعفاء الذات ,أن نقول بأن البرجوازية هي سبب التجزئة,وهي التي تأخذ بلدانها نحو التفتيت.

 

 

 

 

 
رجـوع