ضد القومية المنغلقة

 

                                                                                     غطاس أبو عيطة

 

عُقدت في مقر اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين بدمشق,جلسة حوار تحت عنوان ((تجديد الفكر القومي)) ,حيث قدم الدكتور عبد القادر النيال موجزاً للورقة التي أعدَّها حول الموضوع كمدخلٍ للحوار.

وما لفت النظر في مداخلات أغلب الحضور,هو تأكيدهم على أن الفكر القومي ليس في حاجة إلى تجديد ,وأن أزمة القوى والأحزاب القومية وأزمة المشروع القومي بالتالي, هي وليدة الانحراف عن الفكرة القومية,أي أن الخلل جاء من الممارسة وليس نتيجة قصور في الفكرة والنظرية.

وفي هذا الصدد,رأى الدكتور النيال,بأن الفكرة القومية بالنسبة لعالمنا العربي هي فكرة فطرية,أتت معبرة عن تطلعات شعوبنا نحو الوحدة والحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية ..الخ,وأنه لا صلة بالتالي لهذه الفكرة,بالحركات القومية التي ظهرت في أوروبا,والتي كانت وليدة تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية خاصة بالمجتمعات الأوروبية,وأن هذه الفكرة قد استقطبت حال تبلورها في حركات وأحزاب سياسية أوسع الجماهير الشعبية وذلك ضمن حركة عفوية,حيث التفَّت الجماهير بسرعة ملتفةً حول تلك الحركات والأحزاب القومية,وأن ما أضيف بعد ذلك إلى هذه الفكرة من تنظيرات ماركسية ومن تحليلات فكرية متباينة,جعل الفكرة بعيدة عن فطرة الجماهير بما أدخل القوى والأحزاب القومية في الأزمة المتطاولة التي نشهد الآن آثارها في العزلة عن الحركة الشعبية.

غير أن أحد المداخلين بدا أكثر تشدداً حيال ما اعتبره تمييعاً وتعويماً وبالتالي تشويهاً وتخريباً للفكرة القومية,داعياً للعودة إلى نقاء تلك الفكرة الأصلي,وإلى التصدي لكل ما داخلها من تحريف عن طريق الانجذاب لكل موضة فكرية أو سياسية صدف أن برزت في محيطنا الإقليمي أو على النطاق الدولي,وذلك ضمن هجوم كاسح على من تأثر من القوميين العرب بالموجة الماركسية ثم بالموجة الإسلامية,ومن ركبوا موجة المقاومة الفلسطينية التي شكلت انحرافاً عن الفكر القومي باتجاه النزعة القطرية.

وما أردت قوله في هذه الجلسة,هو أن الفكرة القومية بمضمونها المعاصر هي ظاهرة تاريخية,وأنها تطورت واغتنت تحت تأثير عوامل موضوعية ما كان للفكرة أن تظل بمعزلٍ عنها باسم نقاءٍ من شأنه أن يقودها إلى الجمود,وأن ما شهدته الفكرة من تحولات ضمن المراحل التاريخية التي مر بها عالمنا العربي هو دليل حيويتها,ذلك أنها لم تحد رغم تحولاتها عن هدفها الأساس,المتعلق بدحر المشروع الاستعماري المتصهين لكي ينتصر المشروع النقيض التحرري والنهضوي للأمة العربية,وذلك في إطار تحرر شعوب العالم من السيطرة الاستعمارية ومن جشع رأس المال.

ويمكن القول ,بأن الحركة القومية التحررية والنهضوية العربية قد مرت في مراحل أساسيةٍ ثلاث نستطيع عرضها وفق التطور التالي :-

1-   مرحلة النشوء,حيث تأثرت الفكرة القومية العربية بنموذج الدولة القومية الأوروبية التي امتد تأثيرها إلى مجمل الأمم والشعوب التي لم تنجز وحدتها القومية,والتي بقيت تسودها علاقات داخلية تقوم خارج سياق الإطار القومي الذي عممه هذا النموذج,واستطاع فرضه على النظام الدولي كنظام قائم على العلاقة بين الدول القومية.

وفي هذه المرحلة,بدا تأثر رواد الحركة القومية العربية بحركات الوحدة القومية المتأخرة التي شهدتها الأمم الأوروبية ,كالوحدة الألمانية ومن ثم الوحدة الإيطالية.وفي هذه المرحلة أيضاً,لم يجرِ التركيز على البعد الاجتماعي من المسألة القومية,ولم يتم الانتباه لأثر غياب طبقة برجوازية عربية قوية تعي وظيفتها التاريخية على قصور هذه الحركة عن بلوغ غايتها كما كان دور البرجوازية الأوروبية,حيث جرى التعويل في سد هذا الغياب,على طاقات كتلة شعبية نمت وتعاظمت في معارك المواجهة مع السيطرة الكولنيالية داخل كل بلدٍ عربي وعلى امتداد الوطن العربي.

ونشير هنا ,إلى حقيقة أن النموذج الأوروبي للدولة القومية,بقدر ما كان حافزاً لنهوض حركات قومية وحدوية وتحررية في بلدان العالم الثالث ومن ضمنها عالمنا العربي وبلداننا العربية,بقدر ما كان هذا النموذج,عامل إعاقة لهذا المسار الوحدوي والتحرري والنهضوي,وذلك ضمن الآلية التي نشأت عن العلاقة بين المراكز الرأسمالية والأطراف,ومثل هذه العلاقة من عدم التكافؤ بين الدول وشبه الدول القومية,انعكست في بنية عصبة الأمم المتحدة التي قامت عقب الحرب العالمية الأولى,ومن ثم في بنية هيئة الأمم المتحدة التي أتت عقب الحرب العالمية الثانية,حيث هيمن على المنظمتين الدوليتين الدول المركزية الاستعمارية.

لكن ما أعاق مشروعنا القومي في هذه المرحلة,بالإضافة للعوامل الذاتية المتعلقة بتأخر الوعي القومي المعاصر وتأخر البنى المجتمعية,هو ما فرض على الوطن العربي من تجزئة,ومن إقامةٍ للكيان الاستعماري الصهيوني في قلب هذا الوطن من جانب الإمبراطوريات الاستعمارية ضمن مخطط يرمي في النهاية إلى صهينة المنطقة.

ونؤكد هنا,بأنه على الرغم من كل الكوابح والمعوقات الداخلية والخارجية,فإن الشعوب العربية وقواها التحررية,استطاعت أن تواصل نضالها محققة منجزات ضمن منظورٍ تاريخي,وإنه إذ بدا مشروعنا القومي التحرري والوحدوي بأنه بات بعيداً عن التحقيق,فإن كل مواجهة للسيطرة الاستعمارية,وكل مراكمة للوعي وللخبرات الكفاحية كانت تصب في خدمة هذا المشروع وتقرب زمن تحقيقه,الذي تأخر بسبب طبيعة الهجمة الاستعمارية على هذه المنطقة من العالم.

2-   المرحلة الثانية في مسار الحركة القومية العربية,أتت مع نهاية الحرب العالمية الثانية التي خرجت بنتيجتها الإمبراطوريات الاستعمارية الكولونيالية ضعيفة ومنهكة ,مما أطلق حركات التحرر للشعوب المستعمرة والتابعة كحركات قومية .غير أن الصراع على مستوى العالم لم يلبث أن تبلور في قيام معسكرين متواجهين,حيث قامت على قيادة المعسكر الرأسمالي الاستعماري الولايات المتحدة الأمريكية ,وقاد المعسكر الاشتراكي والتحرري الاتحاد السوفييتي.

وفي هذه المرحلة ,بات النموذج السوفييتي هو الملهم الأساس للحركات القومية التحررية,وهو النموذج الذي أقام ترابطاً بين التحرر القومي والمسألة الاجتماعية,وإنه كما سعت الحركات والأحزاب القومية العربية إلى تبيئة نموذج الدولة القومية الأوروبية الرأسمالية في واقعنا العربي,كذلك اتجهت هذه القوى والأحزاب والحركات وضمن مستوى وعيها ,إلى اشتقاق اشتراكية لا تتعارض مع معطيات هذا الواقع.وفي هذه المرحلة ,برز حضور المشروع القومي الناصري على امتداد العالم العربي,بل امتد إشعاعه إلى أرجاء ما يسمى بالعالم الثالث.

وعلينا أن نذكُر للتوضيح,بأن لينين في كل ما صدر عنه ,ظل يؤكد على المسألة القومية,متصدياً لمن أرادوا وضعها في تعارض مع الاشتراكية,لكنَّ من شوَّه هذا الإرث في محيطنا العربي,هم من خضعوا لابتزاز القيادة البيروقراطية الدولتية السوفيتية,التي أخذت ترى في النزوع القومي لدى الشعوب وحركاتها الثورية,بمثابة خروج على نقاء الاشتراكية ,في حين أن الأمر لم يكن في حقيقته غير خروج على نزعة الهيمنة التي سادت تلك القيادة وأوصلتها إلى خيانة ما ادعت حمايته من فكرٍ اشتراكي.

وفي هذه المرحلة أيضاً  وتحت تأثير العوامل الذاتية,ومن ثم بسبب ضراوة الهجمة الاستعمارية وما مثلته حرب حزيران من ضربة مدوية للمشروع القومي العربي,دخل هذا المشروع في انتكاسة تاريخية حاول النهوض منها في حرب تشرين عام 73,لكن انضمام السادات إلى معسكر النظم الخليجية التابعة والمناهضة للمشروع القومي,أحدث خللاً فادحاً في ميزان القوَّة لصالح الحلف الاستعماري ومشروعه,وعانت حركة التحرر العربية بمضمونها القومي من عملية تراجع خلقت مناخات من الإحباط وسط الجماهير الشعبية,فاقمها ما أطلقته الفورة النفطية من ثقافة استهلاكية وابتعاد عن المبادئ والقيم الثورية,وهكذا أخذت تسود النزعات الانعزالية ما دون القومية والوطنية والنزعة الفردية.

3-   وإذ بدا أن هذا المشروع قد أُخرج من التاريخ,بحيث وجد من ينظِّر بأن هذا المشروع في أساسه كان مشروعاً وهمياً,فقد برز من مناخ الإحباط ,تيار مقاوم بمرجعية ثقافية دينية إسلامية,ارتبط صعوده بمعطيات محلية ودولية,ونريد أن نرى هنا مع برتران بادي,بأن هذا التيار قد شكل صاروخ الدفع الثالث للحركة القومية التحررية والنهضوية العربية,وأنه لم يأت تعبيراً عن أزمة الواقع العربي كما رأى البعض,ولم يشكِّل تكريساً وتعميقاً للأزمة.

وقد يطول الشرح هنا بشأن الظروف الموضوعية التي أدت إلى صعود هذا التيار في المرحلة التاريخية الراهنة,لكنه يمكن القول,بأنه مع ضعف وانهيار المعسكر الاشتراكي,وانحسار موجة الحركات التحررية ذات التوجه القومي الاشتراكي,فإن المراكز الرأسمالية الاستعمارية وعلى رأسها الإمبريالية الأمريكية,أخذت تتطلع للعودة إلى كولونيالية جديدة أشد وحشية من سابقتها,عنوانها تعميم ثقافة الغرب في العالم,على اعتبار أن حضارة وثقافة الغرب قد أثبتت تفوقها على غيرها من الحضارات والثقافات ,ومن نظم الاقتصاد والسياسة,وإنه في هذا السياق,أتت نظرية فوكوياما عن بلوغ التاريخ نهاية تطوره مع سيادة نموذج الحضارة الغربية الرأسمالية,وطرح هنتنجتون نظريته بشأن صراع الحضارات,وضرورة أن تتولى قوى الحضارة الغربية تخليص الاجتماع الإنساني من الحضارات المنحطة التي لا تحترم القيم الإنسانية,ولو عن طريق الغزو,وجرى تركيز العداء هنا من جانب الليبراليين الجدد في إدارة بوش الابن على الحضارة وعلى المجتمعات الإسلامية,معتبرة بأن الإسلام بعد زوال خطر الشيوعية,بات يشكل الخطر الرئيس على قيم الحضارة الغربية,وذلك ضمن عودة لنزعة صليبية عبر عنها بوش في العديد من تصريحاته,وما يعنيه ذلك,هو أن التركيز على المسألة الثقافية كان ظاهرة عامة, ولم يكن حكراً على المحيط العربي الإسلامي كما يرتأي البعض.

وإزاء تجدد الهجمة الاستعمارية على الأمة العربية وعلى الشعوب العربية والإسلامية واتخاذها شكل الغزو الهمجي بغطاء ثقافي يدور حول نشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان,برز على ساحة المواجهة,تيارٌ مهادن,دعا باسم الإسلام إلى حوار الثقافات أو الحضارات,مزوراً حقيقة الهجمة الاستعمارية وطبيعة أهدافها والتي لا صلة لها بالثقافة إلا من باب الخداع ,وبرزت بالمقابل قوى أخضعت المواجهة إلى ردة فعلٍ ثقافية من نفس النوع,معتبرة أن الصراع الدائر هو بين دار الإسلام ودار الكفر,لكن قوى المقاومة الفاعلة في التيار الإسلامي الصاعد,لم تغب عنها حقيقة المواجهة الجارية,باعتبارها استمراراً للصراع مع ذات المشروع الاستعماري الذي يسعى إلى استكمال أهدافه بتمزيق المنطقة وإعادة رسم خريطتها الجيوسياسية وصهينتها.وقد رأت هذه القوى,بأن الإسلام بما يختزنه من موروث حضاري,وما يعبئ به المجاهدين من يقين بالنصر على أعداء الإنسان,يمكنه أن ينجز المهمة التاريخية في دحر المشروع الاستعماري الصهيوني,وان ينتزع حرية وكرامة الشعوب العربية والإسلامية من براثن الحلف الاستعماري العنصري والعدواني, وهكذا أخذنا نرى,بأن هذا التيار المستند إلى مبادئ الإسلام السمحة,لم يعمد إلى إقامة قطيعة باسم الرابطة الإسلامية,مع الرابطة الوطنية والقومية برغم تأكيده على الهوية الإسلامية الجامعة,وأنه لم ينطلق عبر ردة فعل عنصرية من موقع العداء للثقافات وللحضارات وللديانات السماوية الأخرى وإنما من العداء الذي لا تسوية فيه مع المشروع الاستعماري الصهيوني.وغنيٌ عن القول هنا,بأن الوعي الديني لم يكن غائباً في مراحل الصراع السابقة دفاعاً عن مشروع التحرر القومي لأمتنا ولشعوبنا العربية.

ويقودنا ذلك إلى الاستخلاص:-

1-أن الفكرة القومية ليست فكرة أزلية,وهي ليست ذات ثوابت لا يمكن تكيفها مع معطيات الواقع المستجدة,أو هي ليست صنماً لا يجوز المس بقدسيته كما يرى البعض من أدعياء القومية.

2- وأن القومية العربية, تملك من المقومات الواقعية والموضوعية, ما يجعلها قادرة على البقاء, وأنه لا خطر على وجودها من مفاهيم يعتبرها تيار الانغلاق على أنها نقيض للفكرة القومية.

3-وإنه رغم بروز التجمعات والتكتلات المتعدية للأطر القومية كاتحاد الدول الأوروبية وغيرها,ثم رغم ما يراد تعميمه من مفاهيم عن العولمة تلغي الهويات القومية والثقافية في الأطراف,فإن الدولة,والهوية القومية,ماتزال تشكل لاعباً هاماً في النظام الدولي وفي العلاقات الدولية الأمر الذي لا يمكن إغفاله من جانب القوى التي تُغلب الرابطة الدينية.

      4- ثم إن القوى والأوساط الثقافية المعزولة عن نبض الشارع,هي وحدها من يرى في بروز التيار الإسلامي الفاعل المقاوم بمثابة مظهرٍ للأزمة,وبأن المخرج الحقيقي لأزمة المشروع القومي العربي,يتم عن طريق العودة إلى العلمانية, عن طريق فصل السياسة عن الدين,وفصل الدين عن الدولة,فيما لا يفعل ذلك تيار مسيحي هام يبرز على الساحة اللبنانية,ويرى بأن معيار عروبة ووطنية وقومية وشرقية أي حركة سياسية,هو في دعمها لنهج المقاومة الذي أثبت قدرته على إلحاق هزائم تاريخية بالمشروع الاستعماري الصهيوني.

     5- ولعل ابرز المفارقات التي نشهدها الآن ,هو أن النظم والقوى والأوساط التي طالما أظهرت عداءَها للمشروع القومي التحرري,هي من ينصِّب نفسه في هذه الأيام,مدافعاً عن عروبة وعن قومية يجري وضعهما في تعارض وصدام مع مراكز وقوى الصمود والمقاومة في المنطقة,وما يدعو للأسف ,هو ظهور أصوات تحمل لواء المنافحة عن القومية العربية,لا تريد أن ترى التحاقها الضمني بهذا التيار,الذي طالما ارتبط بالمشروع الاستعماري وذلك من خلال تشكيكها بقوى المقاومة الإسلامية.

وقد نضمُّ صوتنا هنا – ريثما نصل إلى رؤية أكثر وضوحاً – إلى صوت الدكتور عزمي بشارة,الذي دعا إلى ((قومية ثقافية))تعالج ما ساد واقعنا العربي من تمزقات انعزالية,وتؤسس لوحدة قومية لا تخضع لنظريات مسبقة تأتي من خارج الواقع,وتصوِّب وعي وخطاب كل من يريد تجاوز الرابطة القومية بالوهم, وإظهار أن من يفعل ذلك ولو عن حسن نيَّة لا يخدم  غير المشروع النقيض الاستعماري.

 

 

 
رجـوع