خالد الحروب يواصل حربه ضد التيار المقاوم

 

                                                                                                     غطاس أبو عيطة

 

في مقال آخر له وعبر صحيفة الحياة أيضاً,يواصل"الباحث والأكاديمي"السيد خالد الحروب,تشكيكه بمنطلقات التيار الإسلامي,(( الذي تراجع حضوره في البلاد العربية - كما يقول - , بعد أن اكتشفت الجماهير قصور الشعارات العاطفية التي استند لها عن حل مشاكل تلك الجماهير)) , حيث تأتي أطروحته على النحو التالي:-

1-   أن التيار الإسلامي الذي صعد خلال العقدين الماضيين في البلاد العربية,بات يسجل تراجعاً عاماً في الأعوام الأخيرة ,حيث برز تراجع "الجناح المعتدل"من هذا التيار,في الانتخابات التي أجريت في الأردن والمغرب والكويت ولبنان,فيما تراجع((الجناح القاعدي والتحريري شعبياً وعسكرياً في أكثر من بلدٍ عربي,بدءاً من الجزائر وانتهاءً بفلسطين)).

2-   وسبب تراجع هذا التيار ,أنه لم يطرح من الأساس رؤية برنامجية تلامس الأوضاع القائمة في البلاد العربية,مكتفياً بشعار يوتوبي بأن "الإسلام هو الحل",وفي حين استطاع هذا الشعار أن يجتذب الجماهير المحبطة جراء الحروب التي شنها الغرب على المنطقة,ونتيجة انحسار التيار العلماني القومي واليساري,فإن هذه الجماهير,أخذت تعيد النظر في جدوى شعارٍ ثبت قصوره عن إخراجها من واقعها المأزوم.

3-   ويذهب الباحث إلى القول,بأن تراجع هذا التيار هو في مصلحته,لأن هذا التراجع قد يدفعه إلى النضج بحثاً عن رؤية برنامجية بعيدة عن الشعارات العاطفية,مثلما هو في مصلحة الشعوب العربية,التي قد تتحوَّل بدورها نحو رؤية واقعية تعالج أوضاعها بدل الهروب من معطيات واقعها نحو شعارات لا جدوى منها.

4-   وفي حين يُصدر الباحث حكمه القاطع على مآل ((الحركات القاعدية)) – والتي يدرج في إطارها قوى المقاومة – التي انتهت في رأيه إلى الفشل التام,((بعد أن عجزت في المرحلة الأولى من عنفها عن إطاحة الحكومات القائمة لإقامة دول إسلامية,والتي وصل عنفها في المرحلة الثانية الذي وجهته نحو الخارج الكافر إلى الطريق المسدود)),فهو يرى بأن هناك فرصة للحركات المعتدلة الانتخابية ,لأن تخرج من مأزقها ,"بنشوء شرائح قيادية من داخل صفوفها تقوم بمراجعة تجربتها ,متجهة نحو رؤية برنامجية واقعية",مؤكداً أن مثل هذه الظاهرة أخذت في البروز في عدد من البلدان العربية.  

وما سنعمد له في الرد على باحثنا,هو أن نكشف المغالطات التي يسوقها ترويجاً لأطروحته عن التراجع,مؤكدين بأن من تراجع في الأعوام الأخيرة هو المشروع الاستعماري وليس القوى التي جابهت هذا المشروع,وأن من تراجع كذلك ,هو موقع النظم والقوى التي راهنت على انتصار المشروع الاستعماري فأخذت تروج بأن الواقعية والعقلانية تقتضي التكيف مع هذا المشروع الذي لا يمكن هزيمته,وأن نبين بعد ذلك,كيف يعمد الباحث إلى الإبهام,لكي يخفي أن ما يوجه له حملته هو قوى المقاومة التي تجابه الغزاة والمحتلين ,مدرجاً هذه الحملة ضمن رؤية عامة تتظاهر بالموضوعية.

وبداية نقول ,بأنه مع إدراك الباحث لهشاشة الدليل الذي يسوقه لكي يبرهن على تراجع ما يسميه بالحركات الانتخابية المعتدلة في التيار الإسلامي,فهو يستدرك قائلاً: ((بأن تراجع هذه الحركات لا يعني خروجها من الساحة السياسية العربية,بل هو يعني,إن حجمها وتأثيرها سوف يتقلص في الغالب ,بما يتناسب مع افتقادها لبرامج عملية,وبما ينسجم مع غياب ما تقدمه من حلول لمشكلات الواقع العربي)),لتغدو عملية التراجع التي يتحدث عنها ,بمثابة تقدير من جانبه أكثر من كونها حقيقة ثابتة كما يحاول إظهارها.

ذلك أن ما يدركه الباحث أولاً,هو أن نتائج الانتخابات في البلاد العربية,لا يمكنها أن تشكل معياراً لقوة أو ضعف أي حركة سياسية,ثم أنه يدرك بعد ذلك,حقيقة أن حزب الله على سبيل المثال,لم تتراجع مواقعه في الانتخابات الأخيرة التي جرت في لبنان,ولا تغيب عنه بالتالي,واقعة أن القوى التي فازت بالأكثرية على هذه الساحة نتيجة عملية واسعة من شد العصب المذهبي وشراء الذمم,قد تضعضعت صفوفها تحت تأثير تراجع المشروع الاستعماري وتقدم المشروع النقيض على مستوى المنطقة.

أي أن الباحث لا يتوخى الدقة حين يدرج لبنان ضمن البلدان التي تراجع فيها التيار الإسلامي الانتخابي (علماً أن التيار المعني هنا هو انتخابي ومقاوم في آن) ,ثم هو يغفل مصر التي لم يتراجع فيها هذا التيار رغم التضييقات التي فرضت عليه,وهو يغفل من ثم,حجم التدخُّل الأمريكي والغربي في سير الانتخابات,مستبعداً التهديدات الصهيونية التي تواصلت عقب انتخابات لبنان بشأن مشاركة حزب الله في الحكومة,ولا يذكر موقف الحلف الاستعماري وأتباعه من نتائج الانتخابات الفلسطينية وما فرض من حصار على حكومة حماس ثم على حكومة الوحدة الوطنية التي نتجت عن اتفاق مكة.

وبالانتقال إلى الشق الثاني من أطروحة الباحث,والذي يتناول فيه بطريقة ملتوية موضوع حركات المقاومة على الساحة العربية بإدخالها في إطار واحد مع الجماعات المتطرفة والتكفيرية,فإننا نلاحظ تهربه من الإفصاح عن عدائه لتلك الحركات متجنباً التصادم مع الوعي الشعبي السائد. فهو يتجنب من ناحية ,إظهار موقفه السلبي تجاه نتائج حرب تموز 2006 على الساحة اللبنانية ,كي لا يضعف الأطروحة التي يريد تمريرها حول تراجع التيار الإسلامي بكل مكوناته,ثم أنه يكتفي من ناحية أخرى,بعبارة عارضة فيما يتعلق بالساحة الفلسطينية ,لكي لا يقع في الحرج حين يعلن موقفه إزاء حرب غزة,التي تجمع الشعوب العربية بمعزل عن مروجي ثقافة الاستسلام,على أنها ملحمة بطولية سطَّرها الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة في التصدي لآلة البطش والإرهاب الصهيونية.

وهكذا فإنه في سياق مقاله,يعتمد الباحث بأسلوبه الملتوي الذي يتجنب الإفصاح,الخطاب الاستعماري بشأن القوى والحركات العربية والإسلامية التي تحمل السلاح,موحياً لنا ,بأن العنف الذي يوجَّه ضد الغزاة والمحتلين على أرض العراق ولبنان وفلسطين,هو مجرد تحوُّلٍ لهذا العنف من ساحة إلى أخرى ,والتضليل الذي يقوم عليه خطاب باحثنا,يستند إلى التداخل القائم في البلاد العربية والإسلامية بين الداخل والخارج,الأمر الذي فرض على قوى المقاومة أن تدافع عن نهجها,وأن تعمل حين يفرض عليها ذلك,على وأد الفتن التي يحركها المستعمر تنفيذاً لمخططه الرامي على تمزيق المنطقة بإدخال مكوناتها في صراعات مدمِّرة ,معتمداً في ذلك على الأتباع ممن خضعوا لمشروع المستعمر منساقين إلى ذلك بمكاسب آنية وبحسابات قصيرة النظر.

وما نريد التأكيد عليه رداً على الخلط المتعمَّد الذي يسوقه الباحث,هو أن تعاظم دور قوى المقاومة التي تجابه المشروع الاستعماري,من شأنه أن يضعف تلك الجماعات التي دفعها الإحباط نحو عنف يستجيب لمخططات الأعداء في تفجير الساحات العربية بحيث تغدو شعوبها عاجزة عن مواجهة المستعمر,بل من شأنه كذلك,أن يكشف وظيفة جماعات مشبوهة ,تم تجنيدها لإثارة الفتن المذهبية والفئوية كما يشهد العراق في اللحظة الراهنة.

وقد نضيف على ذات الصعيد ,بأن ما يسجله الباحث بشأن اندحار الحركات الإسلامية التي يسميها بالقاعدية,هو أن هذه الحركات التي تنطلق في إيديولوجيا تكفيرية تجاه المستعمر كشأن حركة طالبان في أفغانستان ,باتت تهدد الحلف الاستعماري بهزيمة مدوية تضاف إلى الهزائم التي حلت به في لبنان وفلسطين والعراق,وما لفت الانتباه ,هو أن سيد المقاومة اللبنانية انطلاقاً من تركيزه على التعارض الرئيسي مع المشروع الاستعماري,لم يغفل ما تتلقاه قوى الغزو الاستعماري من ضربات على أرض أفغانستان متجاوزاً أية تعارضات جانبية بين القوى التي تجابه الغزاة.

وما استوقفنا في مقال الباحث بالإضافة لما ذكرناه,هو تراجعه عن الأطروحة التي دافع عنها في مقال سابق,ومفادها أن التيار الإسلامي على اختلاف مكوناته ,غير قادر بحكم طبيعة فكره الديني,أن ينتج وعياً عقلانياً برنامجياً ومعتدلاً"كما يأمل واهماً الدكتور محمد جابر الأنصاري",ذلك أنه في هذا المقال,لا يلغي فقط احتمال قيام مثل هذا الوعي في صفوف هذا التيار,بل هو يسجل بعض الظواهر التي تؤشِّر على قيامه.ولو وقفنا على خلفية هذا التناقض,لرأينا أن دافع الباحث,هو تشجيع حركات وقيادات من داخل التيار الإسلامي تنسجم مع نهج التكيُّف مع المشروع الاستعماري,ذلك أن معيار البرنامجية والعقلانية بالنسبة له,هو التسليم بعدم جدوى مجابهة هذا المشروع.

ونذكِّر هنا,بأن الباحث كان قبل بضعة أعوام,قد دعا حركة حماس لأن تعلن تخليها عن نهج المقاومة المسلحة,وما يريد الإيحاء به عبر هذا المقال,هو أن هذه الحركة قد نضج وعيها إثر الضربة القاصمة التي تلقتها في حرب غزة,فهي قد استوعبت الدرس,فلم تعد تعمد إلى إعطاء الذرائع للجانب الصهيوني لكي يقدم على عدوان جديد,ورأينا هو أن أي مقاومة جادة ,لا بد وأن تبتعد عن الاستعراض في صراعها مع عدوها,متجاوزة أساليب الاستعراض التي سادت العمل المقاوم الفلسطيني في مرحلة سابقة,والتي انطلقت من الرؤية القائلة بأنه لا يمكن إلحاق أية هزيمة بالجيش الذي لا يقهر,وأن كل المطلوب هو إقناع المجتمع الدولي (قوى الاستعمار) بضرورة إيجاد تسوية للقضية الفلسطينية ,وقد شهدنا ما قادت له مثل تلك الأوهام من خلال أوسلو.

ويمكننا أن نؤكد في الختام,بأن نهج المقاومة للمشروع الاستعماري – الصهيوني سوف يستمر بحكم طبيعة الصراع مع هذا المشروع ,وان تصدُّر التيار الإسلامي لخط المقاومة قد لا يكون الحلقة الأخيرة في مجرى الصراع,إذ ستبقى المقاومة التي تعبر عن إرادة شعوبنا بغض النظر عن المرجعية التي تعتمدها وعن طبيعة القوى التي ترفع لواء المقاومة.وسيبقى بالمقابل ,من يناهضون الفعل المقاوم متلطين خلف دعاوي الواقعية والموضوعية,غير أن ما تحقق في الأعوام الأخيرة على يد قوى المقاومة والممانعة من إنجازات ,من شأنه أن يضعف تيار الاستسلام,بما يدفع المروجين لنهج هذا التيار إلى هذا النمط من التلفيق الذي لا يجد صدىً لدى الجماهير العربية.

 

 

 

 

 

 

 
رجـوع