أحداث قلقيلية ,وسبيل مواجهة ما يحاك للقضية الفلسطينية

 

                                                                                                            غطاس أبو عيطة 

 

ما شهدته مدينة قلقيلية في الآونة الأخيرة من تصفية عدد من قادة وكوادر المقاومة على يد جهاز الأمن الذي أنشأه الجنرال الأمريكي دايتون,شكَّل نقلة خطيرة في مسار الحملة التي يشنها هذا الجهاز ضد تيار المقاومة في أرجاء الضفة المحتلة وضد الجماهير الفلسطينية ,والتي تستهدف كما بات واضحاً ,إنجاز ما فشل فيه الصهاينة وأدواتهم المحلية في إنجازه من ضرب البنية التحتية للمقاومة,ليكون بمقدورهم فرض مخطط التصفية على قضية الشعب الفلسطيني.

ولا بد من التوضيح هنا,أن هذه المهمة الموكلة لمرتزقة دايتون,ما كان لها أن تحمل كل هذه الخطورة ,دون الانقسام الذي جرى إطلاقه على الساحة الفلسطينية,والتغطية التي يقدمها سلام فياض وحكومته لهذه المهمة,وهو الذي فرضته أمريكا على الوضع الفلسطيني,ثم ذلك الموقف الذي عبرت عنه الفصائل الملتحقة بنهج السلطة,والتي لا تريد أن تعي بأن ما شهدته قلقيلية,هو إعلان من جانب دايتون,بإهدار دم كل مقاوم فلسطيني,بل كل مواطن يعلن تمسكه بالحقوق الوطنية الفلسطينية ويناهض مخطط التصفية,الأمر الذي يفرض اصطفافاً جديداً على الساحة الفلسطينية,يَخرج عن الرؤية بأن ما يدور على الساحة هو مجرد صراع على النفوذ بين فتح وحماس,وليس مؤامرة خارجية يجري تنفيذها على قضية شعبنا,وتشارك فيها مجموع النظم والقوى الفلسطينية والعربية التي أعلنت التحاقها بالمشروع الأمريكي الصهيوني الذي يرمي إلى إعادة رسم خريطة المنطقة بمعزل عن أي حضور سياسي للشعب الفلسطيني.

وتتكامل حلقات المؤامرة على قضية شعبنا,من خلال الحصار المجرم الذي يتم فرضه على قطاع غزة استكمالاً للعدوان الهمجي الذي شنه الصهاينة على أبناء القطاع,ومن خلال الابتزاز الذي يمارس على قوى المقاومة تحت ضغط الحصار وألوان الملاحقة,لكي تنضوي في إطار نهج السلطة المتوافق مع مخطط التصفية.وتأتي وعود الرئيس الأمريكي الجديد المخادعة بشأن تسوية مقبولة للصراع الفلسطيني والعربي – الصهيوني,لتشكل بدورها حلقة من حلقات التآمر ,كون ما تستهدفه تلك الوعود,هو استدراج الوضع الفلسطيني والعربي نحو القبول بالشروط الصهيونية للتسوية,والتي لا تخرج عن إطار المشروع الأمريكي الرامي إلى إلحاق النظم العربية بحلف إقليمي يقوده الكيان الغاصب تحت دعاوي مواجهة الخطر الإيراني المزعوم على دول وشعوب المنطقة.

ومن هنا نرى,بأنه على الرغم من الضربات التي وجهتها قوى المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق لمشروع السيطرة الأمريكية ومن ثم الصهيونية على المنطقة,فإن السياسة الأمريكية ما زالت تنطلق من إمكانية النجاح في فرض هذا المشروع,مستغلة الواقع العربي المتردي,وإن الشواهد على استمرار هذه السياسة لا يمكن حصرها,وهي تقوم في الأساس على دعم النظم والقوى السائرة على خط الاستسلام,في مواجهة مراكز وقوى الصمود والمقاومة المتصدية والمناهضة لمشاريع السيطرة الاستعمارية.ولعل أخطر ما تواجهه قضية شعبنا ,هو استمرار وقوف قوى المقاومة فلسطينياً عند حدود ردات الفعل على السياسة العدوانية التي تقودها أمريكا ضد قضية هذا الشعب وضد قضايا الأمة,واستمرار انشغال هذه القوى بتفكيك حلقات التآمر المتتالية والمتشابكة عبر أساليب الدفاع دون الانتقال إلى موقع الهجوم الذي هو وسيلة الدفاع الأكثر جدوى والأكثر فاعلية.وبالتالي عدم تهيئة الساحة الوطنية للانتقال إلى حالة الهجوم,وهي المهمة الراهنة التي باتت مطرحة على قوى المقاومة والتحرير في مواجهة ما يحاك للقضية الفلسطينية.

ومن المقترحات التي يمكن طرحها على هذا الصعيد إنجازاً للمهمة المشار لها:-

أولاً – أن يجري العمل,عبر حوار جاد ومسؤول تشارك فيه مجموع القوى والفعاليات الفلسطينية المعنية بدحر خطر التصفية على بلورة خطة متكاملة ومتدرجة لمواجهة وتعطيل وضرب وظيفة قوات المرتزقة على ساحة الضفة المحتلة.وهنا يمكن القول,أنه من دون خلق إجماع وطني وشعبي حول حقيقة الدور الذي تضطلع به هذه القوات,فإنه سيكون من الصعب عزلها تهيئة لضربها,إذ لا بد على هذا الصعيد ,من شن حملة مكثَّفة ضد وظيفة هذه القوات,تطال حكومة سلام فياض بوصفها أداة من أدوات التآمر على صمود شعبنا بوجه مؤامرة التصفية,وأن توضع الفصائل الوطنية الملتبسة الرؤية بالتالي أمام مسؤوليتها في التصدي لدور هذه القوات ولوظيفة سلام فياض التآمرية,حيث لم يعد مقبولاً من هذه الفصائل,أن تتخذ موقف الحياد إزاء ما يجري من تنسيق أمني بين أجهزة السلطة الأمنية والأجهزة الصهيونية,ولم يعد مفهوماً بالتالي تبريرها لما ينفذه جهاز دايتون من اجتثاث للبنى التحتية للمقاومة الفلسطينية ومن إرهاب لجماهير شعبنا معلقة ذلك على مشجب الانقسام الفلسطيني الذي يتم رده إلى نزاع على سلطة وهمية .

ونود القول هنا,بأن أية قوَّة من المرتزقة بالإمكان هزيمتها مهما توفر لها من أدوات البطش والإرهاب,فقد انهارت قبل ذلك قوات المرتزقة التي أنشأها الغزاة الأمريكيون في جنوب فيتنام والتي بلغ عديدها مئات الآلاف,وانهارت قوات لحد التي أقامها الصهاينة في الشريط الحدودي اللبناني,وتم ذلك حين جوبهت تلك القوات بإرادة صلبة من جانب قوى المقاومة المستندة إلى دعم حاسم من أوسع الجماهير الشعبية,وإن إنزال ضربات منتقاة وموجعة موجهة لصفوف مرتزقة دايتون,من شانه أن يطلق انتفاضة شعبية جديدة ضد دورها,ذلك أن الجماهير الفلسطينية برغم معاناتها,وبرغم كل ما يحاك من مؤامرات من أجل إخضاعها,فهي تملك من الوعي ومن الإرادة الكفاحية,ما يمكنها من الوقوف دفاعاً عن وجودها ,وقد طالما استجابت هذه الجماهير لنداء الواجب الوطني مقدمة كل ما يفرضه عليها ذلك من التضحيات الجسيمة.

ولا بد أن نلاحظ هنا,بأن جماهير شعبنا لا تغفل الربط,بين الموقف المشين الذي اتخذته سلطة محمود عباس إبان العدوان الصهيوني الهمجي على غزة,وبين الموقف الذي عبرت عنه تلك السلطة إزاء أحداث قلقيلية كعدوان من ذات النوع تنفذه قوات دايتون على الشعب الفلسطيني وعلى قواه المناضلة,أي أن هذه الجماهير ,لا يمكن أن تنخدع بدعاوي عباس,بأن قوات دايتون إنما تتولى حماية أمنها واستقرارها إزاء الخارجين على الشرعية المزعومة ,والذين يريدون زج شعبنا في مغامرات غير محمودة العواقب,والتي لا تعمل غير تقديم الذرائع للاعتداءات الصهيونية وفق منطق السيد عباس ,ولتهرُّب الصهاينة من استحقاق الدولة الفلسطينية العتيدة التي يلوح بها السيد الأمريكي وفق المواصفات التي وضعها نتنياهو نيابة عن الإجماع الصهيوني.

ثانياً- إن الوحدة الوطنية الشاملة لشعبنا هي السبيل المضمون لدرء خطر التصفية,وإن منظمة التحرير الفلسطينية تبقى الإطار الذي يمكنه إعادة إنتاج تلك الوحدة,بوصفه الإطار والعنوان الذي تتجه نحوه أنظار مجموع الجماهير والقوى والفعاليات السياسية الفلسطينية.ومن هنا لا بد أن تنصب الجهود لكل من يحرصون على قضية شعبنا,على تحقيق تلك المهمة المركزية الممثلة في إعادة بناء منظمة التحرير, وأن يتم ذلك,على أساس البرنامج المرحلي الذي توافقت عليه جميع القوى والفعاليات الفلسطينية,وهو البرنامج المستند إلى الرؤية الإستراتيجية الواضحة لطبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني بوصفه النقيض التاريخي للمشروع الوطني الفلسطيني وللمشروع القومي التحرري للأمة العربية.

وغني عن القول, بأن القوى المتمسكة بنهج المقاومة سبيلاً لانتزاع حقوق شعبنا من براثن الحلف المعادي, هي المعنية قبل غيرها من القوى في إعادة بناء المنظمة, ومن الخطوات التي يمكن الوقوف عندها وصولاً إلى إنجاز هذه المهمة:-

1 – النهوض بدور لجنة المتابعة العليا المنبثقة عن المؤتمر الوطني الذي انعقد في دمشق,عبر توسيع وتفعيل ومأسسة هذه اللجنة ,وعبر استكمال أطرها الإقليمية وتفعيل دورها.ذلك أن ترسيخ حضور هذا الإطار وسط جماهير شعبنا,والتأكيد عبر خطاب واضح وحاسم بأن هذا الإطار لا يشكل بديلاً عن منظمة التحرير بقدر ما يشكل لبنة من لبنات بناء المنظمة,من شأنه أن يخرج هذه الجماهير من حالة عدم وضوح الرؤية التي تمر بها ساحتنا الوطنية,نتيجة التشرذم والانقسام التي يراد لها أن تستمر في هذه الساحة كوصفة ناجعة لتمرير التصفية.

2 – الحرص على بناء ملتقى دائم للحوار يضم أطياف العمل الوطني في الساحة الفلسطينية.وأن تنصب مهمة هذا الملتقى الحواري,على إزالة العقبات التي يقيمها الحلف المعادي أمام الوحدة الوطنية وأمام إعادة بناء منظمة التحرير .وإن هذا الجهد الذي تضطلع به القوى والفعاليات المخلصة للوحدة الوطنية التي تقوم على أساس هدف التحرير,من شأنه أن يشكِّل عامل ضغط على النظم والقوى التابعة التي تسعى إلى عقد مصالحة فلسطينية تسهِّل عملية الالتحاق بالمشروع الأمريكي – الصهيوني الذي يقوم على التصفية.

3 – عقب الإجراءات التي عمدت لها حكومة سلام فياض على مدى الأعوام الماضية والتي استهدفت تجويف حركة فتح وإفراغها من الكوادر المرتبطة بتاريخ الحركة والمتمسكة بدورها الوطني,فإنه يجري الإعداد الآن لعقد مؤتمر للحركة يتم في أحضان الاحتلال ,وتتولى تخريجه تلك الرموز المدعومة من جانب قوى الاستعمار الغربي ومن نظم الاعتدال الدائرة في فلك تلك القوى.وقد تنجح القوى المعادية في هذه المهمة,لكنها بنجاحها تكشف عن الدور الذي تريد إلصاقه بهذه الحركة بعد فصلها عن تاريخها الكفاحي,بما يفتح المجال أمام مسعى جاد هادئ وهادف تضطلع به القوى المتمسكة بنهج التحرير,لبناء أرضية من اللقاء مع المناضلين المخلصين لمنطلقات فتح,والذين يقدمون المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية والذاتية متجاوزين النزعات العصبوية المدمرة,وغني عن القول,بأن كسب المخلصين من كوادر وقواعد فتح للخط الوطني,يسهل عملية كسب الفصائل المتلطية خلف الذرائع عن الانقسام الفلسطيني.

 وختاماً نود القول,بأن ما تظهره القاعدة الصهيونية من إجرام غير مسبوق في استهدافها للمدنيين على الساحة الفلسطينية والعربية والذي قد يمتد إلى المحيط الإقليمي,إنما يعبر عن مظهر ضعف لهذه القاعدة وليس عن مظهر قوَّة كما يروِّج دعاة الاستسلام,إذعلينا أن نذكِّر هنا,بأن القوى الاستعمارية جميعها,كانت تغدو أكثر عدوانية وأشد استهانة بالقوانين الإنسانية وهي تخوض آخر معاركها في مواجهة إرادة الشعوب المصممة على انتزاع حريتها.وإن مثل هذا الفهم لطبيعة المرحلة التي يمر بها الصراع مع القاعدة العنصرية الصهيونية,من شأنه أن يسهم في تحشيد طاقات شعبنا وامتنا,وأن يعجل في عزل نهج الاستلام الذي يشكل الرهان الأخير للحلف الاستعماري الذي يعول فيه على دور قوى هذا النهج في هزيمة مراكز وقوى الصمود والمقاومة على الساحة الفلسطينية والعربية والإقليمية.

ويمكن التأكيد بعد ذلك ,بأن تيار المقاومة الفلسطينية هو ليس في موقع الضعف,وقد استطاع بصلابة مواقفه أن يفرض التراجع على النظام المصري المكلَّف بتدجين هذا التيار وإدخاله في صفوف الملتحقين بالمشروع الأمريكي,لكن ضمانة استمرار صمود هذا التيار ,هو في تسلُّحه باصطفاف وطني واسع,ينطلق من الرؤية بأن كل حركات التحرر الوطني التي حققت النصر على المستعمرين والغزاة,قد أنجزت ذلك حين نجحت في تحقيق الوحدة الوطنية على قاعدة برنامج واضح,وعلى أرضية خطة واضحة تقود إلى انتصار هذا البرنامج,وهو الأمر الذي ما زال قيد الانجاز بالنسبة لقوى الصمود والمقاومة الفلسطينية,التي تخوض معركة تحشيد الطاقات خلف رؤيتها التي تنطلق ,من أنه لا مجال للتصالح مع المشروع العنصري الصهيوني الذي يشكل الخطر الأكبر على استقرار وسلام المنطقة والعالم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 
رجـوع