النضال التحرري بين الشعارات وإرادة التغيير

 

                                                                                                             غطاس أبو عيطة

 

في مقاله المنشور بعنوان((الوهم الفلسطيني واليقين الصهيوني)),يرى الأستاذ سلامة كيلة شأن تيارٍ وسَطََ مثقفينا,بأن ما يدور عليه الصراع بين فتح وحماس عبر حوارات القاهرة ,هو من يستحوذ منهما على السلطة الوهمية التي أنتجتها أوسلو.وأنه فيما باتت هذه الحوارات العبثية تستقطب جل اهتمامنا,فإن العدو الصهيوني يواصل تقدمه على طريق إنجاز مشروعه,وهو يتمسك بثوابت هذا المشروع الذي استهدف من الأساس تهويد كل فلسطين وتصفية قضية شعبها الوطنية,وإخضاع الوطن العربي للسيطرة المشتركة الاستعمارية-الصهيونية.

وحيث ينطلق الأستاذ كيلة,من فكرة أن عزل القضية الفلسطينية عن إطارها القومي,هو ما أوصل الحركة الوطنية الفلسطينية إلى هذه الملهاة التي نشهد فصولها في حوارات القاهرة,فإنه لا يكشف لنا رؤيته,كيف يتم الربط بين النضال التحرري الذي يخوضه الشعب الفلسطيني,والنضال التحرري الذي تخوضه الأمة,ذلك أنه ينطلق فيما يطرحه ,من نفض اليد مما هو قائم من قوى تحرر على الساحتين الفلسطينية والعربية,معتبراً ولدواعي المس بصدقية هذه القوى,بأنها عندما لا تتمسك بموقف جذري على مستوى الخطاب والشعارات إزاء طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني,فهي إنما تمضي على طريق الخضوع لهذا المشروع,متجاهلاً على هذا الصعيد ,ما حققته القوى المعنية من تعديل لميزان القوَّة مع القاعدة الصهيونية وحلفها الاستعماري,لأن ذلك كله هو من دون جدوى حسب رأيه,كون هذه القوى معنية في الأساس يتحسين مواقعها في المشروع الاستعماري(؟).

ومن هنا تأتي نظرة صاحبنا,بأنه ما دامت حركة حماس قد قبلت التنافس على سلطة أوسلو الوهمية,وما دامت قد رضيت بحل الدولة في حدود عام 1967,فهي لم تعد تقف خارج الأرضية التي أوصلت قيادة منظمة التحرير برئاسة فتح إلى مستنقع التفريط بالحقوق الوطنية الفلسطينية,وما دامت قوى الصمود العربية وتحديداً سورية,قد قبلت الانخراط في "عملية السلام"مع العدو الصهيوني برعاية أمريكية,فإن موقفها ما عاد مختلفاً عن مواقف نظم التبعية التي أوصلت الواقع والوعي العربيين إلى موقع التسليم بالمشروع الصهيوني.أي أن عدول هذه القوى عن طرح هدف إنهاء القاعدة الصهيونية ودحر وظيفتها العدوانية تجاه الوطن العربي,هو الدليل الدامغ على تخليها عن الثوابت القومية,في الوقت الذي لا يتردد فيه العدو عن التمسك بثوابت مشروعه ,ضارباً عرض الحائط بما يقدمه الجانب الفلسطيني والعربي من تنازلات.

وغني عن القول,أن ما يضمره هذا الخطاب ,هو التشكيك بقوى الصمود والمقاومة العربية,وذلك من خلال تبخيس ما حققته هذه القوى من انتصارات على الحلف الاستعماري,ومن خلال القول ,بأن ما خاضته تلك القوى من مواجهات مع هذا الحلف بما حمل الدمار والموت للشعوب العربية,كان هدفه إقناع الحلف الاستعماري بضرورة اعتمادها أي تلك القوى في مشروعه,وأن ذلك هو ما يفسر تعاطيها مع الحلول الجزئية والتسووية للصراع العربي – الاستعماري الصهيوني.ويبدو واضحاً,أن هذا الموقف تجاه قوى الصمود والمقاومة من جانب هذا التيار من مثقفينا,إنما يأتي متقاطعاً ولو من موقع آخر,مع مواقف نظم وقوى الاستسلام العربية,ومن مظاهر ذلك التقاطع هو مشاركة هذا التيار في حملة التهويل من خطر الأطماع الإيرانية في المنطقة مغطيا من موقعه,توجُّه نظم وقوى الاستسلام نحو التحالف مع القاعدة الصهيونية بذريعة مواجهة خطر التمدد الإيراني (؟).

وما نود التأكيد عليه,هو أن أي مواطن فلسطيني أو عربي بوجهٍ عام,لا يجهل طبيعة الصراع مع المشروع الاستعماري المنطلق منذ حملة نابليون على المنطقة,لكن كل مواطن فلسطيني وعربي,يملأه الشعور الآن,بأن مواجهة هذا المشروع قد انتقلت في الأعوام الأخيرة وبفعل عملية تراكمية, إلى مرحلة الفعل الجاد,وذلك ما يفسر احتضان هذا المواطن لقوى الصمود والمقاومة العربية برغم حملات التشكيك والتشوية التي تشن ضدها وبرغم الثغرات كذلك.

وإننا إذ نتجاوز القراءَة التي يعتمدها كاتبنا بشأن الواقع الفلسطيني والعربي,ومن ثم الواقع الصهيوني والإمبريالي فإننا نريد القول:-

1-   لقد أتت انتفاضة الأقصى عام 2000 بمثابة ردٍ شعبي على مسار أوسلو الذي كشف عن نتائجه الكارثية.وحيث أدرك الصهاينة خطورة هذه الانتفاضة بما تشكله من تجديدٍ لحركة التحرر الفلسطيني,فقد سعوا إلى سحقها مستخدمين كل ما في ترسانتهم العسكرية والأمنية من أساليب البطش,وانضمت أمريكا إلى هذا الجهد مجردة كل ما في حوزتها من تآمر.وعلى الأرضية التي خلقتها الانتفاضة وما تخللها من مقاومة فشل الأعداء في وقفها وتعاظم فعلها, خطت حركة حماس باتجاه تغيير وظيفة السلطة التي تم إلحاقها نهائياً بالمشروع الاستعماري على يد من نصَّبهم الحلف المعادي ورثة لعرفات.ومن على هذه الأرضية جرى تحويل قطاع غزة برغم الحصار المضروب عليه وفي تعارضٍ مع ما خطط له العدو الصهيوني,إلى قاعدة مواجهة صلبة مع المحتلين الغزاة.وأتت حرب غزة لكي تحسم الجدل حول صوابية الخطوة السياسية التي أقدمت عليها قيادة حماس,والتي رأت بأن أي خطوة تحقق التعديل في ميزان القوَّة مع العدو الغاصب هي أكثر أهمية من أية شعارات تطلق في الفراغ.

2-   وبشأن حوارات القاهرة التي استؤنفت بعد حرب غزة,فقد كان واضحاً أن الهدف منها هو إعادة السلطة إلى سابق وظيفتها,وبعيداً عن الشعارات كذلك,أمكن لقيادة حماس مدعومة من قوى المقاومة ومستندة إلى الالتفاف الشعبي حول خيار المقاومة,أن تمنع راعي الحوار من الوصول إلى هدفه ,ولم يكن بمقدور هذا الراعي تجاوز ما تم إرساءَه على أرض الصراع,وهكذا بقيت ضغوطه وتهديداته ومناوراته واقفة عند حدود يصعب خرقها.ومع أن هذا الراعي لم يسلِّم بانهيار المهمة التي أوكلت له,إلا أنه وبعد مرور خمسة شهور من المراوحة ,بات يدرك صعوبة مهمته,خاصة في ظل تراجع المشروع الذي استند له على مستوى المنطقة.

3-   فما تحقق من تحصينٍ لجبهة القوى المناهضة للمشروع الاستعماري, متمثلاً بفشل الحلف المعادي في إخراج المقاومة اللبنانية من ساحة المواجهة والتي غدت أكثر قوَّة من السابق.ومن ثم في توطد مكانة سورية العربية والإقليمية والدولية وتعزز قدراتها الردعية,ومن ثمَّ تنامي حضور إيران على جبهة الصراع,وفيما جرى من تحوُّل في وجهة السياسة التركية لغير صالح المشروع,إضافة لتعثر المشروع الأمريكي- الصهيوني,قد عزز من صمود قوى المقاومة الفلسطينيَّة بوجه الضغوط والتهديدات التي تستهدف إلحاقها بالمشروع الاستعماري. 

4-   وفي ضوء ما جرى ذكره,فإننا نطرح السؤال حول حقيقة تمسك الصهاينة بيقينهم مقابل إمعان الطرف الفلسطيني والعربي الصامد والمقاوم في المضي على طريق الأوهام؟.ليكون جوابنا وضمن رؤية تاريخية,بأن ما يعبِّر عنه الصهاينة من تشدد ومن مغالاة في التشبث بثوابت مشروعهم,لا يصدر عن يقين لديهم,الأمر الذي كشفه أولمرت حين دعا أقرانه في القيادة الصهيونية إثر هزيمة كيانه في حرب لبنان وغزة,لأن يحتكموا لمنطق العقل,وأن يسلِّموا بأن حلم إسرائيل الكبرى والعظمى بات من الماضي,لكن منطق الشعارات هو الذي انتصر في انتخابات الكيان.وإذ يشرع الصهاينة الآن في إجراء أضخم مناورات عسكرية ومدنية في تاريخ كيانهم,فإنهم إنما يقرون من خلال ذلك,بأن عمق هذا الكيان لم يعد بمنأى عن أي مواجهة عسكرية مع محيطه الإقليمي بعكس ما كان عليه الوضع طيلة تاريخ الصراع منذ نشأة الكيان.

5-   وفي ظل المعطيات التي سعينا إلى إبرازها,لا يمكننا الوقوع في الوهم بأن القوى الاستعمارية قد سلَّمت بفشل مشروعها الذي يستهدف تصفية قضية فلسطين كمدخلٍ لإعادة رسم خريطة المنطقة,ذلك أن هذه القوى,ما زالت تضع كل ثقلها لوقف مسار التحولات في المنطقة عبر أساليب جديدة تأخذ في اعتبارها مأزق هذا المشروع .ومن هنا نرى بأن المهمة الصعبة التي باتت تواجه أمريكا وحلفها الاستعماري ,هي وقف تداعي معسكر نظم وقوى التبعية في المحيط العربي,وكذلك إنقاذ الصهاينة من "يقينهم"الذي ما عاد قائماً على أرضية صلبة.وإنه في ظل لحظة تاريخية حرجة تعيشها المنطقة والعالم,فإن حلم الفلسطينيين بدفع المشروع الصهيوني خطوة إلى الوراء ما عاد يقوم في فراغ برغم كل التعقيدات التي ما زالت تعترض بلوغ هذا الحلم.

6-   ولعلنا نذكِّر هنا, بأن ما جابهته قوى التحرر العربية في هذه المرحلة, هو خطر استكمال السيطرة الاستعمارية – الصهيونية على المنطقة وفي قلبها الوطن العربي.وأن هذه القوى ,قد صمدت بصورة عامة بوجه الهجمة العاتية للحلف الاستعماري,وأنها تعمل الآن على تحصين خطوط دفاعها أمام تلك الهجمة.وأنها حين تمنع هذا الحلف من التقدم فهي من الناحية العملية تفرض عليه التراجع ليس عن خطته في إعادة رسم خريطة المنطقة وحسب, بل عن مشروعه الأساس الذي انطلق قبل أكثر من قرنين من الزمن.

وما يمكن أن نقوله في الختام,بأنه من المؤسف أن نرى أطرافاً دولية معادية,قد اتجهت نحو مراجعة حساباتها إزاء ما تشهده الساحة الفلسطينية والعربية من اصطفاف ومن تحولات إيجابية,وألا يفعل ذلك تيار من مثقفينا يصر على الحلم بحركة ثورية تأتي على مقاس مفاهيمه المسبقة.فمن المفارقة أن يقرر وزير خارجية بريطانيا على سبيل المثال ,بأن الغرب قد اخطأ حين لم ير في حركتي حماس والجهاد ومن ثم حزب الله على أنها حركات تحرر وطني,وأن يتمسك مثقف فلسطيني برؤيته وحتى بعد حرب غزة,بأن ما تخوضه حركة حماس وقوى المقاومة الفلسطينية من تصدٍ لمؤامرة التصفية لا يخرج عن كونه صراعاً على سلطة وهمية.