رداً على المنبهرين بالديمقراطية الأمريكية

 

                                                                                 غطاس أبو عيطة

 

ما أن انتُخب أُوباما كأول رئيس أمريكي من أصول إفريقية,حتى انبرى تيار من الكتاب والمحللين العرب للترويج بأن عصراً جديداً قد دخلته السياسة الأمريكية,وأن قضية الشرق الأوسط التي عطلت أمريكا أي حلٍ لها يمكن أن يوقف تقدم المشروع الاستعماري الصهيوني على حساب الشعوب العربية,باتت الآن قابلة للوصول إلى حلٍ مقبول,وأن المطلوب,هو أن تعرف النظم والقوى السياسية العربية كيف تستثمر هذه الفرصة التاريخية بتسليم أمرها لسيد البيت الأبيض الأمريكي الجديد(؟).

وإذا كان من غير المستغرب,أن ينخرط التيار المعني في هذه الحملة من إثارة الأوهام بشأن تحوُّل جدي أو استراتيجي في السياسة الأمريكية ,فقد بدا مستغرباً ومستهجناً,أن تستقبل مجلة"المستقبل العربي"في مستهل عددها الصادر في آذار المنصرم,دراسة تشيد بالديمقراطية الأمريكية((التي شكَّلت على مدى أكثر من مئتي عام,مصدر إلهام للثورات الديمقراطية,ولحركات التحرر في العالم...والتي تقدِّم الآن مع إيصالها أوباما إلى سدة الرئاسة ,درسا جديداً في الديمقراطية,مؤذنةً ببدء مرحلة جديدة في العلاقات المضطربة بين الأجناس وبين شعوب العالم))(؟).

((فهذا الحدث التاريخي – كما توضِّح لنا الدراسة – لم يأت من قبيل المصادفة بالنسبة للتاريخ الأمريكي.ذلك أنه قد استند إلى الدستور الذي صاغه الآباء المؤسسون العظام للنظام السياسي في أمريكا عقب انتصار ثورة شعبها التحررية ضد نظام الاستغلال والاستعباد الذي أقامه الاستعمار الإنجليزي .. حيث لعب هذا الدستور وعلى مدى أكثر من مئتي عام ,دور المرشد لتطور النظام الأمريكي بشكل يضمن الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحرية الفردية.واستند من ثم ,إلى حرية واستقلال وسائل الإعلام التي لعبت دوراً بارزاً في الحياة السياسية.كما استند إلى الأحزاب السياسية التي تبلورت في حزبين رئيسيين يتداولان السلطة,عبر نمطٍ مبتكرٍ من الانتخابات الرئاسية.واستند أخيراً وذلك هو الأهم,إلى الرأسمالية التي تشكل الضمانة للحرية الاقتصادية والسوق الحرَّة,كعنصر هام في بناء أي مجتمعٍ ديمقراطي.وقدأتت حركة الحقوق المدنية لكي تستكمل هذا البناء الديمقراطي الشامخ,والتي ما كان لها أن تلعب هذا الدور ممثلاً في تعميم الديمقراطية وإنهاء كل مظاهر التمييز العنصري ,لو لم تستظل بذلك الدستور الذي تأسس على خلاصة القيم الإنسانية))(؟).

أما الانقلاب الذي مثَّله هذا الحدث بالنسبة لتاريخ أمريكا(والعالم),فهو يتجلَّى كما تُفهمنا الدراسة,في كونه ((لم يضع نهاية لحقبة من مظاهر التمييز العنصري التي عاشتها أمريكا وحسب ,بل قدَّم الوعد,بانتهاء فقر السود والملونين,الذي جعل حظَّهم في الالتحاق بالجامعات في السابق,أدنى من حظهم في دخول السجون..ومن ثم إنهاء إهمال الدولة  في أمريكا لأوضاع السود والملونين ,الذي جعلهم الضحية الرئيسية لإعصار كترينا في عهد بوش الغابر))(؟).

كما يتجلى أيضاً وفق ما وعد أوباما العالم في خطاب التنصيب للرئاسة,((ليس في توقف أمريكا عن شن الحروب الاستعمارية ضد البلدان والشعوب الأخرى استناداً إلى مبررات كاذبة كما جرى في غزو واحتلال العراق فقط,بل في توقفها كذلك,عن انتهاك حقوق الإنسان في تلك البلدان وبحق تلك الشعوب,كما شهد العالم في قاعدة باغرام وسجن أبي غريب,وفي معتقل غوانتينامو,وفي السجون السرية في بلدان أوروبا وغيرها..ومن ثم توقفها ,عن تصدير الديمقراطية على ظهر الدبابات,وذلك بعد أن أعلن أوباما في خطابه المذكور,بأنه سيلجأ إلى أساليب الإقناع في تعميم الديمقراطية وفق النموذج الأمريكي,داعياً الأنظمة الدكتاتورية,لأن تتخلى عن سلطاتها التي بنيت على الفساد,وعلى أساليب الخداع والتضليل والقمع))(؟).

وإزاء هذه الصورة الزاهية بل المختلقة حول طبيعة الديمقراطية الأمريكية ,التي تعجز عن إنتاج ما يضاهيها في التزوير ماكنة قلب الحقائق في أمريكا,فإن عشرات الأسئلة الساذجة تقفز إلى ذهن القارئ,من بينها :-

1-  أنه إذا كانت الديمقراطية الأمريكية قد تأسست على قيم الحرية الفردية وأعلت من مكانة الإنسان,فلماذا انتظرت 233 عاماً ,لكي تضع نهاية يتخيَّلها الكاتب,لأشكال التمييز العنصري ضد السود والملونين وسائر المهمَّشين في أمريكا, ذلك إذا افترضنا جدلاً,بأن المسؤول عن إبادة سكان البلاد الأصليين من الهنود الحمر,هو نظام الاستغلال والاستعباد الإنجليزي وليس المهاجرون الأنجلوسكسون الذين أقاموا فيما بعد النظام السياسي الأمريكي على أنقاض هؤلاء السكان(؟).

2-  وإذا كانت هذه الديمقراطية,هي نتاج ثورة تحرر وطني ضد السيطرة الاستعمارية,فلماذا مورست في ظلها كل ألوان الاستغلال والاستعباد بما في ذلك المجازر الهمجية ضد بلدان وشعوب أخرى,وأقامت وساندت عشرات ومئات النظم الدكتاتورية في أرجاء العالم,كاشفة بذلك عن حقيقة الثورة التحررية الأمريكية,التي لم تعدُ كونها انفصالاً عن دولة الاستعمار الأم,كما هو حال كل النظم الاستعمارية الاستيطانية التي انفصلت عن الدول الراعية لها والتي كانت سبب وجودها(؟).

3-  وإذ كانت هذه الديمقراطية,قد أنتجت أفضل نموذج للانتخابات الرئاسية في العالم,فلمَ أتى جميع رؤساء أمريكا من وسط واحد هو وسط الواسب(كما تذكر الدراسة),عدا الرئيس الذي جرى التخلص منه في ظروف غامضة وهو الرئيس كندي.. ثم كيف سمحت هذه الديمقراطية,بوصول عصبة من الأفَّاقين إلى مركز التحكم بالسلطة في عهد بوش الإبن,ليكون هذا البوش,وبعد إتمامه لفترتين في موقع الرئاسة,بمثابة كبش المحرقة,الذي يراد تحميله كل الأوزار التي حفل بها التاريخ الأمريكي,والتي لم تبدأ ولن تنتهي في العراق كما يوحي لنا الكاتب(؟).

4-  وإذا كان السيد أوباما قد أقر الأمريكيين – كما تذكر الدراسة- على خوفهم من أن الأوضاع في بلدهم لن تسير إلى الأحسن,فمن أين أتى الكاتب بفكرته عن نهاية فقر وإهمال السود والملونين في أمريكا,وهو الذي يشير في متن دراسته,بأن ديون أمريكا قد تجاوزت ال 11 ترليون دولاراً,وأن عجز موازنتها قد ضرب رقماً قياسياً,وأن عدد العاطلين عن العمل قد بلغ الثمانية ملايين عامل,ثم أن أزمتها المالية والاقتصادية لم يظهر لها قعر حتى اللحظة الراهنة(؟).

5-   ثم إذا كان أوباما- الذي فرض وصوله إلى سدة الرئاسة,خداع المواطن الأمريكي وخداع العالم بأن أمريكا هي إزاء عهد جديد -,قد عجز عن فرض مرشحه في رئاسة مجلس الأمن القومي,خاضعاً لضغوط اللوبي الصهيوني وحلفائه في الكونغرس الأمريكي,ولحملة الصحافة"الحرة والمستقلِّة"على هذا المرشح,كونه أظهر ميلاً إلى تغيير السياسة الأمريكية تجاه قضايا الشرق الأوسط,فلماذا يصدع الكاتب رأسنا حول دينامية الديمقراطية الأمريكية,ولماذا لم تنطلِِ كذبة التغيُّر الجذري في سياسة أمريكا تجاه المنطقة,إلَّا على نظم التبعية العربية,التي علَّمها الراحل السادات,بأن 99 % من أوراق المنطقة هي في يد أمريكا,وأن الباقي بعد ذلك هو في يد القاعدة الصهيونية(؟).

وفي تعارض مع ما جهد كاتب الدراسة لأن يسوِّقه بشأن فرادة الديمقراطية الأمريكية,فإننا نمضي إلى القول من وحي الدراسة المقارنة التي وضعها الدكتور مجدي حماد حول طبيعة النظم الاستعمارية الاستيطانية : -

أولاً – أن هذه النظم ,تظل تحمل سمات جينية تقوم على الروح العنصرية,التي بمقدورها أن تبرر,إبادة أو تهجير أو استعباد سكان البلاد الأصليين,والتي لا تعجز عن صياغة الأساطير التي تموه حقيقة توجهاتها العنصرية مثل أسطورة المعجزة الأمريكية التي بنيت على دماء وعلى عرق الآخرين.

ثانياً – وأن هذه النظم, تقيم كما يذكر كاتبنا نموذجاً متقدماً للديمقراطية ,غير أن هذا النموذج لا يشمل في مراحل التأسيس غير المهاجرين البيض من أصحاب المشروع الاستعماري,والذين تنحكم تعارضاتهم الداخلية لصراع الوجود الذي تخوضه مع سكان البلاد الأصليين,ثم مع الدولة الاستعمارية الأم التي تريد هذه الأنظمة الانفصال عنها بعد أن تستكمل شروط قيامها كدولة.

ثالثاً – وإنه مع توطد هذه الأنظمة واستتباب الهيمنة فيها للمهاجرين البيض,فهي لا ترى خطراً على طبيعتها العنصرية,حين تمنح حقوق مواطنة من الدرجة الثانية للملونين والمهمشين,بسبب حاجتها لهؤلاء في حروبها الاستعمارية وفي العمل الأسود,وهي لا تفعل ذلك قبل استكمال ترسانتها من مؤسسات الهيمنة ,السياسية والاقتصادية والأكاديمية والإعلامية والثقافية..الخ.

رابعاً – ويظل يحرس طبيعة تلك النظم,جهاز أمني يمكنه إذا اقتضت الظروف,أن يضع كل ادعاءات الديمقراطية وحقوق الإنسان جانباً,الأمر الذي شهدته أمريكا حين انطلقت الحملة المكارثية ضد من اعتبروا عملاء الاتحاد السوفييتي من كتاب وفنانين وسياسيين,وشهدته بعد حدث 11 أيلول ,بشن حملة من الإرهاب ضد الأمريكيين من أصول عربية وإسلامية في تبرير لحروبها العدوانية ضد دول المنطقة باعتبارها مصدرة للإرهاب العربي والإسلامي؟.

خامساً – وفي ظروف الأزمات,يمكن لهذه الأنظمة أن تتخلى مؤقتاً عن بعض سماتها,فقد قبلت أمريكا مبدأ دولة الرعاية متجاوزة الاقتصاد الحر لكي يتسنى لها تجاوز أزمة 29 – 1933 الاقتصادية ,وهي تقبل في هذه المرحلة ,وصول رجل أسود إلى البيت الأبيض محملاً بوعود التغيير ,من أجل تجاوز أزمتها المالية والاقتصادية غير المسبوقة,والتي تحل على حساب الفقراء داخل أمريكا ,ثم على حساب الشعوب المفقرة التي يطلب منها المساهمة في إنجاح حركة التغيير المزعومة التي من شأنها أن تغير العالم(؟). 

وما يمكن قوله في الختام,هو أن النظام الأمريكي الذي مضى على تأسيسه وعلى استقراره أكثر من مئتي عام,يملك المرونة التي تسمح له بإجراء تغييرات لا تهدد جوهر النظام القائم,وأن مثل هذه المرونة,لا يملكها النظام الصهيوني الذي يحمل ذات النشأة الاستعمارية الاستيطانية,كون هذا النظام لم يحسم صراعه الوجودي مع الشعب الفلسطيني ومع شعوب المنطقة العربية والإسلامية,فنراه يمعن في عنصريته وتطرفه إزاء ما يعترض مساره من الأزمات ,بما قد يدفعه نحو مغامرات عسكرية تعمق أزماته الوجودية وتهدده بالانهيار ,ذلك أن النظام الصهيوني وحده من بين النظم الاستعمارية الاستيطانية التي أوجدتها الحركة الاستعمارية الأوروبية,ما زال يعيش مرحلة التأسيس منتقلاً من رعاية بريطانيا إلى رعاية الإمبراطورية الاستعمارية الأمريكية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
رجـوع