أزمة منظمة التحرير من منظور ثقافة الهزيمة

 

                                                                       غطاس أبو عيطة

 

تحت عنوان ((أزمة راهنة ,أم استنفاذ دور تاريخي)),يقارب أحد الوزراء السابقين في حكومات سلطة أوسلو ,صورة الواقع الفلسطيني الراهن,معتبراً أن حقبة قد انتهت في تاريخ النضال التحرري الفلسطيني بقيادة فتح ومنظمة التحرير ,وأن حقبة أخرى قد بدأت مع صعود حركة حماس,وذلك بعد أن أوصلت التنازلات التي أقدمت عليها القيادة السابقة أمام التصلُّب الصهيوني,حد الارتهان للسياسة الصهيونية التي لا تقدم أفقاً لانتهاء النزاع بشأن القضية الفلسطينية (؟).

غير أن محاكمة وزيرنا السابق,لما آل إليه المشروع الوطني الفلسطيني في ظل القيادة التي لم يعد أمامها غير مغادرة الساحة كما يقول ,استندت إلى ذات الأوهام,التي تقوم على إمكانية التعايش مع المشروع الاستعماري – الصهيوني,فهو يرى بأن القوى التي رعت عملية السلام ,قد خذلت القيادة الفلسطينية,وكأن هذه القوى كانت معنية بالسلام,وليس بتصفية قضية فلسطين كمدخل لإخضاع دول وشعوب المنطقة على أساس مشروع الشرق الأوسط الجديد,الذي شكل امتداداً لمشاريع السيطرة الاستعمارية على هذه المنطقة.

فما يقوله السيد الوزير في قراءَته لمجريات الأحداث: -

1- ما يتعلق بالسياسات الصهيوينة

((أن رابين كان صادقاً مع الجانب الفلسطيني لدى توقيعه لمذكرة التفاهم عام 1993,إذ أنه كان مستعداً للوصول إلى "تقاسم إقليمي"بشأن المناطق المحتلَّة مع القيادة الفلسطينية التي تعامل معها كشريك,لكن اغتيال رابين,أوجد قيادة إسرائيلية مترددة ومتأرجحة.فعندما ذهب باراك إلى مفاوضات كامب ديفيد عام 2000,المتعلقة بقضايا الحل النهائي ,اضطر لأن يخضع للمناخ المتشدد الذي بدا سائداً في المجتمع الإسرائيلي ,لذلك أحجم عن التوقيع على اتفاق مع القيادة الفلسطينية,وبعد ذلك,تم إسقاط حكومته وانتخاب حكومة لليكود برئاسة شارون, - مثلما أسقط بيرز كخلفٍ لرابين قبل ذلك لصالح نتنياهو -,)).

((وقد انطلق شارون من سياسة تهميش الشريك الفلسطيني,لذلك أقدم على انسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة دون اتفاق مع هذا الشريك ,بما أدى إلى إضعاف قيادة منظمة التحرير التي ما كان بمقدورها الإدعاء ,بأن سياستها السلمية قد أخرجت الاحتلال من غزة ,وأن بإمكان هذه السياسة أن تخرج الاحتلال من الضفة,فيما ادعت حماس بالمقابل ,بأن نهج المقاومة هو ما حقق هذا الانجاز للشعب الفلسطيني,لينعكس ذلك في نتيجة انتخابات المجلس التشريعي عام 2005)).

وهنا يردد صاحبنا ذات الرواية التي تنطلق من مسلمة عدم جدوى المقاومة المسلحة في النضال التحرري الفلسطيني,معتبراً أن الانسحاب الصهيوني من غزة وتفكيك المستوطنات ,جاء في سياق مؤامرة حاكها شارون,مستهدفاً فصل غزة عن الضفة,وإثارة الاقتتال الفلسطيني حول من سيحكم غزة,لذلك جاءَت مبادرات المصالحة المصرية ساعية لتجنب هذا الخطر,وهو المسعى الذي أحبطه التيار المتشدد في قيادة حماس,الذي انقلب على صيغة حكومة الوفاق الوطني التي نجمت عن اتفاق مكة,ودفع بالساحة الفلسطينية نحو الصدام الدموي(؟).

وهكذا نجح((الجانب الإسرائيلي)) كما يستخلص صاحبنا,في إضعاف القيادة الموحدة للشعب الفلسطيني على طريق إنهائها,والتي تمثَّلت في منظمة التحرير الفلسطينية التي نالت اعترافاً عربياً ودولياً كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني,والتي كانت بمثابة الحصن المنيع تجاه محاولات إسرائيل وغيرها في فرض حلول تجحف بحقوق الشعب الفلسطيني لعقود من الزمن (؟).

2 – ما يتعلق بالمواقف الدولية

وما يقوله صاحبنا على هذا الصعيد,هو أن أطرافاً دولية عديدة, قد بذلت جهوداً مضنية (مشكورة),لتحويل قيادة منظمة التحرير ومعها غالبية الشعب الفلسطيني,عن البرنامج السياسي الذي ينطلق من الحق الطبيعي للفلسطينيين في كل أرضهم ,لكي تقبل ببرنامج يستند إلى قرارات الشرعية الدولية,الأمر الذي تجسَّد في "إعلان الاستقلال"الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988,وأن هذه الأطراف الدولية ,قد بذلت جهوداً مماثلة ,لإقناع تلك القيادة بالتخلي عن المقاومة المسلحة التي لا تتفق مع اعتبارات الشرعية الدولية,لتبرز فاعلية وجدوى هذا التحول – كما يقول كاتبنا – في انتفاضة عام 1987 السلمية الشعبية ,التي حظيت بتقدير واحترام المجتمع الدولي,وتعاطفه مع الحقوق الفلسطينية(؟).

لكنه حين تراجعت القيادة الإسرائيلية عن التزاماتها تجاه عملية السلام,واستمرت في مخالفتها للشرعية الدولية وإهمالها لمشاريع الحلول التي طرحت,كمشروع ميتشيل ومشروع خارطة الطرق,لم تقم الهيئات الدولية والدول الكبرى بالتدخل لمنعها من ذلك .. وهكذا تُركت القيادة الفلسطينية وحيدة وضعيفة في مواجهة التعنُّت الإسرائيلي.

وقد أدى انهيار أحد أعمدة سياسة المنظمة القائم على أساس الشرعية الدولية .إلى تقدم حركة حماس,"التي استغلت الوضع بذكاء ,فاختارت تصعيد عملياتها الاستشهادية في مسعى لكسب عواطف الجماهير المحبطة"(؟).

وإذ عمل المجتمع الدولي بعد أن سيطرت حماس على قطاع غزة,على خلق نموذجين مختلفين بالنسبة لأوضاع الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع,لإقناع هذا الشعب بجدوى خيار السلام,عمدت إسرائيل إلى تحويل حياة سكان الضفة إلى جحيم حقيقي,عبر التمدد الاستيطاني,والحواجز ,والملاحقات وأعمال القمع,ولم يوقفها المجتمع الدولي عن ذلك(؟).

3 – التأثيرات العربية والإقليمية

هنا يقول صاحبنا ,بأن قيادة فتح ومنظمة التحرر,استطاعت رغم تعقد ظروف النضال التحرري الفلسطيني,أن تحافظ على استقلالية القرار الفلسطيني إزاء التدخلات العربية والإقليمية ,لكنه مع فشل الرهان على عملية السلام في الأعوام الأخيرة,مضت الأطراف الفلسطينية نحو الاستقواء بمختلف الجهات العربية والإقليمية.وبلغ الاستقطاب ذروته حين نشأ قطبان في المنطقة,تقود أحدهما الولايات المتحدة الأمريكية وتقود الآخر إيران,حيث تمكنت إيران المتحالفة مع سورية,بأن تلعب بالورقة الفلسطينية من خلال تحالفها مع حماس,الأمر الذي دفع قيادة المنظمة إلى التراجع عن استقلالها النسبي,لترتبط مع ما بات سمى بمعسكر الاعتدال العربي الموالي للولايات المتحدة,ودخلت هذه القيادة مع تداعي الأحداث ,في حلقة مفرغة وخيمة العواقب,بما قادها نحو زيادة الارتباط بإسرايل وأمريكا والمعتدلين العرب,الأمر الذي فاقم من عزلتها أمام جماهيرها,في حين بدت إسرائيل مرتاحة للعلاقة مع حماس التي غدت أكثر قدرة على تأمين حاجاتها الأمنية(؟).

وإذ نتصدى للرؤية التي ينطلق منها كاتبنا في قراءَته لمسار الأحداث فإننا نقول التالي : -

أولاً – إن هذه الرؤية ,إنما تصدر عن قراءَة لا تريد أن تعي طبيعة الصراع مع القوى الاستعمارية,التي لم تتخلَّ عن هدف الاستحواذ على هذه المنطقة الأهم من بين مناطق العالم, مثلما لا تريد أن تعي ,طبيعة النظم الاستعمارية الاستيطانية,التي لا تتحقق شرعيتها الإقليمية والدولية لتتحوَّل إلى دول طبيعية – كما جرى في أمريكا الشمالية واستراليا – دون وصولها إلى إلغاء سكان البلاد الأصليين,وإخضاع دول وشعوب المحيط الإقليمي في حال وجودها,وأنه لا مجال بالتالي ,لانتزاع أية حقوق وطنية بالنسبة للشعب الفلسطيني,دون إجبار القوى الاستعمارية لأن تتراجع عن مشروعها في المنطقة,ودون توجيه ضربات للكيان الاستيطاني الصهيوني,تدفعه نحو التراجع عن أهدافه .وما يعنيه ذلك,هو أن النضال التحرري الفلسطيني لا يمكن فصله عن النضال التحرري لشعوب المنطقة وخاصة بالنسبة لشعوب الأمة العربية,في مواجهة حلف استعماري تُشكل القاعدة الصهيونية أداته الأساسية في السيطرة على المنطقة,وذلك ضمن مشروع يرمي إلى صهينة المنطقة,من خلال تمزيقها إلى كيانات أقلوية تدور في فلك الكيان الصهيوني.

ثانياً – كما تصدر هذه القراءَة التي يعتمدها الوزير السابق,عن الشعور بالعجز أمام جبروت الحلف الاستعماري – الصهيوني الذي تستحيل مجابهته عن طريق المواجهة العسكرية, والذي تقتضي الحكمة أن يتم التكيُّف مع سياسات هذا الحلف. وهكذا عندما فرضت القاعدة الصهيونية وقائعها الاستيطانية في "المناطق الفلسطينية المحتلَّة",وأقرَّها بوش على تمددها الاستيطاني,أصبح مطلوباً من أصحاب ثقافة العجز,طرح حل الدولة الواحدة على أرض فلسطين بدل حل الدولتين.وكأن التراجع أمام الغزاة,يجعلهم أكثر استعداداً للتخلي عن مشاريعهم العدوانية.وغني عن القول هنا,بأن الشعب الفلسطيني ومعه الشعوب العربية ومراكز وقوى الصمود والمقاومة في المنطقة,لم تخضع لهذا المنطق الانهزامي,وقد أدرك الشعب الفلسطيني,عظم التضحيات التي عليه تقديمها في نضاله من اجل انتزاع حقوقه,واستطاع في ميدان الصراع ,أن يطور قدراته الكفاحية ,واعياً أن طريق الخضوع سوف يحوله إلى هنود حمر جدد,يحتجزون داخل محميات على أجزاء من أرضهم,فيما تصفي قضية من هُجِّر منهم خارج هذه الأرض.

ثالثاً – إن الحقبة الجديدة التي دخلها النضال التحرري الفلسطيني,في اتساق مع الحقبة التي دخلها النضال التحرري لشعوب الأمة والمنطقة,هي ليست حقبة اندثار المشروع الوطني الفلسطيني الذي أعادت إحياءه قيادة فتح ومنظمة التحرير كما يشير صاحبنا,بل هي حقبة دفع هذا المشروع خطوة تاريخية إلى الأمام,على يد جيل جديد من المقاومة,أوصل القاعدة الصهيونية إلى التفكير بضرورة التركيز على حماية وجودها بدل التمسك بمشروع إسرائيل الكبرى والعظمى وذلك في الظروف الذي بات فيها الزمن لا يعمل لصالحها كما عبر عن ذلك أولمرت ومن قبله باراك.ونريد أن نرى هنا بعكس ما يفعل المهزومون,بأن الهمجية التي باتت تعبر عنها هذه القاعدة ,سواء في اجتياح شارون للضفة عام 2002,أو في العدوان على لبنان عام 2006,أو خلال العدوان على غزة,إنما تأتي تعبيراً عن الذعر الذي بات يستشعره الصهاينة على مستقبل كيانهم,وإن هذه الهمجية التي تكشف الوجه القبيح للكيان أمام العالم ليست دليل قوَّة ودليل قدرة على الإخضاع.

ونود أن نؤكد في الختام,بأن الذي أُخرج من ساحة النضال التحرري لشعبنا ,ومن التحق بإسرائيل وأمريكا ونظم التبعية,هو ليس فتح ومنظمة التحرير,وإنما تلك الزعامات والأوساط ,التي لم تؤمن يوماً بهدف التحرير,والتي تخشى الثورة والمقاومة خشيتها من الطاعون كما عبر لينين في وصفه للمرتدين عن نهج الثورة أمام الصعوبات متحولين إلى موقع أعداء الثورة,أما منظمة التحرير,فستعيد قوى شعبنا الحية بناءَها,وذلك بعد إلحاق الهزيمة النهائية بمن وأدوا المنظمة نزولاً عند اشتراطات الحلف الاستعماري,والذين يتباكون على خذلان هذا الحلف لهم,وكأن المستعمر قد حرص يوماً على أدواته وأعوانه.

 

 

 

 
رجـوع