بشأن نظرية تصدير الأزمة الفلسطينية إلى العدو؟!

غطاس أبو عيطة

 

إزاء الطرح الذي تقدم به رئيس تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية في عددها السابق ,الأستاذ أحمد سامح الخالدي,بشأن الأزمة الفلسطينية ((التي أوصلت الوضع الفلسطيني إلى واقع,أسوأ من واقع نكبة عام 1948)),وبشأن المخرج والذي اقترحه من هذه الأزمة الذي يتم عن طريق ((تقديم كل ذرة دعم إلى رئيس السلطة,كي يتمكن من تحقيق دولة فلسطينية قوية وكاملة السيادة عاصمتها القدس مع حل عادل لمشكلة اللاجئين)),تفضل عدد من أصحاب الرأي في عدد المجلة الأخير ,بالإدلاء بدلوهم حول الأزمة وحول سبيل الخروج منها,فانحاز بعضهم لحل الدولتين ,فيما انحاز البعض الآخر لحل الدولة الواحدة الديمقراطية,وذلك مع اتفاق الطرفين على استبعاد المقاومة المسلحة سبيلاً لتحقيق أيٍ من الحلَّين.

لكن خلاف الدكتور علي الجرباوي مع الأستاذ الخالدي لم يكن على نوعية الحل الممكن بقدر ما كان على تشخيص الأزمة الفلسطينية,حيث رأى الدكتور الجرباوي,بأن الخالدي قد قصر بحثه"على وصف أعراض الأزمة دون أن يذهب إلى جذورها"بما جعله لا يدرك أنها أزمة عصية على الحل ,وبما دفعه إلى الاستخفاف بمفاعيل هذه الأزمة التي تطال قيادة العمل الوطني الفلسطيني والمجتمع,ليذهب إلى القول ,بأنها أزمة ما عاد بالإمكان تجاوزها أو القفز عنها,وانه ليس أمامنا غير تصديرها للجانب غير المأزوم وهو الجانب الإسرائيلي,وذلك بأن نضعه أمام خيارين,فإما أن يختار حل الدولتين فيمنحنا دولة إلى جوار دولته ,لنفكر بعد ذلك سوية وعلى مهل بشأن طبيعة العلاقة التي ستقوم بين الدولتين سواء فدرالية أو كونفدرالية,أو أن يختار حل الدولة الواحدة ,التي يرى بأنها تهدد هوية كيانه ,الأمر الذي سيدفعه إلى قبول الحل الأول وهكذا تنتهي المشكلة(؟).

ولكي يدلِّل الدكتور الجرباوي على صحة رؤيته بشأن استعصاء الأزمة الفلسطينية المركَّبة,فإنه يعود بنا إلى جذور هذه الأزمة كما ذكرنا ليردها إلى عوامل ثلاث يعرضها على النحو التالي:-

1 – العامل المتعلق بشخصنة القيادة

 

فقد أدت هذه العملية(شخصنة القيادة وحصرها في عرفات),إلى تغييب العمل المؤسسي في منظمة التحرير ثم في السلطة,وإنه لما كان الزعيم عرفات,لما يمتلكه من كاريزما ومن قدرة على ضبط التعارضات وعلى الإمساك بمقاليد الأمور صغيرها وكبيرها ,فقد أمكن له إبقاء الأزمة تحت السيطرة,لكن غيابه الذي أوجد فراغاً لم يستطع زعيمٌ ملأه,دفع بالأزمة إلى الانفجار,بما نجم عن ذلك من صدام دموي داخلي,ومن انقسام برنامجي وجغرافي في الساحة الفلسطينية.وهكذا فإن تهميش دور المؤسسات في العمل الوطني الفلسطيني وإلغاء دورها في صنع القرار,هو ما أوصل الساحة الوطنية إلى الحالة التي نشهدها من الفوضى,ومن التحلل والفساد,وذلك حين لم تعد الفصائل والقيادات والفعاليات تتحمل مسؤولياتها فيما يتعلق بالشأن العام,وحين غدا همها تامين مصالحها الذاتية والأنانية عن طريق التبعية والاستزلام للزعيم القائد.

2 – العامل المتعلق بعدم تحديث البنى الاجتماعية

    

 إن مثل هذه القادة – كما يقول الدكتور - ,التي لم تُعن بمأسسة الثورة لتكون قادرة على فرض سلطتها الشخصانية على مسار الأمور ,لم تكن معنية كذلك بتحديث بنى مجتمعها ,لكي يكون هذا المجتمع قادراً على مجابهة مجتمع عصري وحداثي أقامه الغزاة الصهاينة داخل دولتهم.وما جرى في الواقع هو على العكس من ذلك,إذ أن قائد الثورة,راح يتعامل مع البنى المجتمعية التي تسودها العلاقات العشائرية بوصفه زعيم عشيرة,مقدماً نفسه كأبٍ لجميع العشائر.والأنكى من ذلك,هو أن علاقة الاستزلام والاستتباع التي سادت جسم الثورة,قد جرى تعميمها في المجتمع,وهكذا سادت أخلاقيات الفهلوة والشطارة مخترقة كل بنية المجتمع,وزاد الطين بلة,ظهور المنظمات غير الحكومية الأوروبية كمصدر لجني المكاسب الفردية والفصائلية والعشائرية إلى جانب دور السلطة في ذلك,ولم تخرج قوى اليسار عن صورة الوضع الذي بات معمماً في بنية المجتمع,بل تحولت بدورها إلى بنىً قبلية وعشائرية,وهكذا بتنا أمام واقع أُخرج فيه المجتمع من السياسة,وتم إشغاله عن الشأن العام وعن قضيته الوطنية باللهاث وراء المكاسب الفردية والفئوية(؟).

3 – العامل المتعلق بأقنمة المقاومة المسلحة

 

هنا يدخل الدكتور الجرباوي شأن غيره من مروجي ثقافة الهزيمة,إلى ما يعتبره جوهر الأزمة بقوله : أنه في أعقاب هزيمة حزيران عام 1967,كان دور المقاومة الفلسطينية هاماً في إخراج الشعب الفلسطيني والشعوب العربية من حالة الإحباط السائدة,لكنه مع استنفاذ هذا الدور بانكشاف حدود قدرات المقاومة أمام عدو هو الأكثر قدرة على استخدام السلاح,عمدت القيادة المشخصنة والمهيمنة على منظمة التحرير ,إلى إضفاء القدسية على المقاومة المسلحة وعلى الفدائي لكي تكم الأفواه التي يمكن أن تصدر عن أي نقدٍ لأدائها ولأساليب عملها,وهكذا باتت العمليات العسكرية العبثية هي عامل استمرارٍ لهذه القيادة,وباتت مصدر شرعية للفصائل الفلسطينية.

واستلبت الجماهير لسحر تلك الهالة التي أسبغت على الفدائي الفلسطيني الذي يعدُها بالتحرير من ربقة المحتل الصهيوني,لكن هذه الجماهير أخذت تساورها الشكوك تجاه هذا الشكل من المقاومة والنضال مع توالي الهزائم على الثورة,وأتت انتفاضة عام 1987 الشعبية لكي تُعبر عن اعتماد الجماهير على نفسها في إنهاء الاحتلال خاصة بعد الهزيمة المدوية التي لحقت بالمقاومة على ساحة لبنان عام 1982.ومع دخول رجال المقاومة إلى المناطق المحتلة عن طريق أوسلو الذي أتى على أنقاض الفعل الجماهيري في مقاومة الاحتلال,لحق الإحباط بهذه الجماهير,حين رأت"الفدائيين"على حقيقتهم من الفساد ومن الانشغال عن الهم الوطني,وحين سد هؤلاء بوجه الجماهير سبل النضال الشعبي الديمقراطي الذي يشكل البديل للمقاومة المسلحة,ويحظى باحترام وتعاطف العالم (؟).

ومع وصول قيادة المنظمة والسلطة والمجتمع ,إلى تلك الحالة الكارثية من الأزمة,أتت حركة حماس لكي تعيد إنتاج الأزمة بصورة أكثر تراجيدية ومأساوية ,من خلال إعادة إنتاج عواملها ,مضيفة قدسية دينية على المقاومة المسلحة فوق القدسية الوطنية,ومسبغةً عصمةً إلهية على القائد الشخص المؤمن إلى جانب قدراته العقلية التي تنحى دور المؤسسات.وفي مثل هذا الوضع المستجد ,بات من العبث الحديث عن عصرنة البنى المجتمعية في ظل ثقافة تقوم خارج العصر,بما أوصلنا إلى الوضع النموذجي الذي ينتظره المحتلون مع دخول الساحة الفلسطينية في صراع على الأساس الإيديولوجي الذي لا مكان إزاءَه للنقد وللمحاكمة العقلانية(؟).  

وما نريد قوله إزاء هذا العرض الذي يختزل خطاب تيار الاستسلام على الساحتين الفلسطينية والعربية, والذي يعمد إلى عقلانية عاجزة عن عقل الواقع, يمكن طرحه على النحو التالي:-

أولاً – إن العيب ليس في دور القائد الفرد في إطار الثورات التحررية التي تجابه غزواً استعمارياً,فقد طالما انتصرت ثورات وطنية تحررية برز فيها دور الزعيم الفرد.ولنقل انه في ظروف الثورة الوطنية الفلسطينية البالغة التعقيد,أتت الأزمة من خضوع القائد الفرد ممثلاً بعرفات لأوهام التسوية مع العدو الصهيوني وحلفه الاستعماري,وذلك حين اعتقد بأن طريق التنازلات يمكن أن يجعله شريكاً في تسوية سلمية,وإن ما يدفع بالقيادة التي خلفت عرفات نحو مرحلة من الأزمة أكثر كارثية,هو عدم خروجها من أوهام التسوية,وذلك على الرغم من الوقائع التي راح يفرضها العدو المحتل على الأرض والتي تسد الطريق أمام أي تسوية توفِّر الحدود الدنيا من الحقوق الفلسطينية.

ثانياً – كما لم يكن العيب في البنية المجتمعية الفلسطينية,التي تصدت للمستعمر البريطاني وللغزوة الاستيطانية الصهيونية وهي أقل تقدماً مما بلغته إبان الثورة الوطنية المعاصرة بقيادة فتح ومنظمة التحرير,ونريد القول هنا,بأن هذه البنية التي تخترقها كل أنواع الانقسامات العامودية شأن سائر المجتمعات المتأخرة,كانت تظهر تماسكاً وتلاحماً عندما يتغلغل في نسيجها المشروع الوطني التحرري,وتعود إلى التشظي عندما يتراجع هذا المشروع تحت ضغط الحلف المعادي.وقبل انتفاضة الأقصى على سبيل المثال,وصل الاحتقان داخل المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع إلى حافة الانفجار الداخلي المدمِّر,فيما حدثت صدامات طائفية في مناطق ال 48,لكنه عندما اندلعت الانتفاضة ,اتجه المجتمع نحو التماسك,وكانت الحركة التي رفعت لواء المقاومة المسلحة هي مركز الاستقطاب لهذا التماسك والتلاحم الأمر الذي جرى التعبير عنه في انتخابات مجالس الطلبة في الجامعات والمعاهد,ثم في مجالس البلديات,وبعد ذلك في المجلس التشريعي.وحين دحرت هذه الانتفاضة وفعلها المقاوم المحتلين عن غزة,انتصرت الجماهير من أبناء غزة إبان العدوان الواسع ضد المقاومة,على نزعاتها العشائرية والفئوية,وحققت نصرها التاريخي على آلة  الدمار والقتل الصهيونية,مظهرة قدرة أسطورية على مجابهة هذا العدو العصري الذي يفوقها في القوَّة.

ثالثاً – وما نود قوله في المجال ذاته,هو انه في ظل مقاومة جادة تدرك حقيقة الصراع مع القاعدة الصهيونية,لا ينشأ تعارض بين دور الفرد القائد,وبين العمل المؤسسي أو الجماعي,ومن ثم مع روح التضحية في المجتمع,إذ لا نعتقد أن قائداً لحركة مقاومة,قد امتلك من التقدير وأحيط من الهالة,أكثر من سيد المقاومة اللبنانية في حزب الله,لكن ذلك لم يمنع من بروز عشرات القادة الفاعلين والمشاركين في القرار في بنية ومؤسسات الحزب ,وتبدو الصورة غير بعيدة عن ذلك بالنسبة لحركة حماس,سواء لجهة بروز رموز قيادية فاعلة في الحركة إلى جانب زعيم الحركة,أو لجهة عطاء المجتمع والتفافه من حول فعلها الكفاحي,والأمر هنا يرتبط بالبرنامج المنبثق كما ذكرنا عن ممارسة تنطلق من رؤية جذرية لطبيعة الصراع,وعليه يمكن القول,بأن تهميش العمل المؤسسي في منظمة التحرير والسلطة,وإضعاف مكانة وفاعلية الفصائل والكوادر في إطارهما وكذلك شرذمة المجتمع, قد ارتبط بالتخلي عن برنامج وعن ثقافة التحرير,ويعني ذلك,أن تغييب دور المؤسسات كان نتيجة لغياب البرنامج الثوري وعرضا من أعراضه وليس سبباً للأزمة.

رابعاً – وما تنطلق منه قراءَة الدكتور بشأن أزمة العمل الوطني الفلسطيني – حال غيرها من القراءات التي تستبطن ثقافة الهزيمة – هو هذا الفصل التعسفي بين الحركة الوطنية الفلسطينية,وبين حركة التحرر العربية,وحركة دول وشعوب المنطقة المناهضة للمشروع الأمريكي – الصهيوني,وهو فصل لم يلبث أن تحوَّل إلى حالة من العداء تجاه تلك الأطراف,وإلى تبرير  ٍ لعملية الالتحاق بالمشروع الاستعماري تحت دعاوي الاستقلالية.وما نشهده الآن في ظل مساعي المصالحة العربية,هو أن نظم التبعية للمشروع الاستعماري,تحاول بناء اصطفاف عربي تحت سيطرة نهجها يقوم على أرضية العداء لما يسمى بالمشروع الإيراني وما يمثله من خطر على الأمة يفوق خطر القاعدة الصهيونية وحلفها الاستعماري ,وذلك في تبرير للانسياق وراء ترسيمةٍ للنظام الإقليمي,تشكل هذه القاعدة مركزه الحاكم.

وفي إطار القراءَة المغايرة لأزمة المشروع الوطني الفلسطيني,يمكننا القول بأن هذه الأزمة ,قد ارتبطت بظروف هيمنة نظم التبعية على النظام الرسمي العربي وعلى الساحة العربية بوجهٍ عام,وإنه مع الظروف المستجدة ,ممثلة في تعاظم مكانة مركز وقوى الصمود والمقاومة في المنطقة,يغدو المجال قائماً لتجاوز الأزمة الفلسطينية,وتغدو الدعوة للتسليم بواقع الأزمة ,وتسويق النكتة حول تصديرها إلى الطرف الآخر,هي من باب الالتحاق بمعسكر التبعية والتكيف مع المشروع الرامي إلى تصفية قضية فلسطين.

ونخلص إلى القول في الختام -كما نفعل دائماً- ,بأن الحل للصراع الفلسطيني,والعربي,والإقليمي مع الحلف الاستعماري الصهيوني,هو ذلك الذي يقوم على فرض التراجع على المشروع الاستعماري النقيض وصولاً إلى دحره وإلحاق الهزيمة النهائية به,وبالتالي فإن الاجتهادات الدائرة في ذات الحلقة المفرغة,بشأن حل الدولة الواحدة أو حل الدولتين,هي نوع من الجدل حول جنس الملائكة,لأن الأساس ,هو في إعادة إنتاج مقاومة فلسطينية تبنى على قاعدة رؤية جذرية لطبيعة الصراع الدائر على ارض فلسطين وعلى امتداد المنطقة والعالم,يكون بإمكانها توجيه ضربات للقاعدة الصهيونية,ليتم هزيمتها بالنقاط وليس عن طرق الضربة القاضية,وإن ما تحقق في حرب تموز على الساحة اللبنانية,وما تحقق في حرب غزة,قد أنهى خرافة التفوق الأبدي لهذا العدو الذي بنى على أساسه مشروعه,كما وجه ضربة لأسطورة أن مجتمعاتنا العربية,غير قادرة على استيعاب منجزات العصر,إلا إذا تخلت عن موروثها الثقافي والحضاري ودخلت في إطار الحضارة الغربية.

 

 

 

 

 

 

 
رجـوع