| |
تراجع موجة
العداء لقوى المجابهة في المنطقة
غطاس
أبو عيطة
شهدنا في الآونة الأخيرة ,عملية واسعة من
إعادة النظر اتجاه سورية,التي شكلت قاعدة الصمود العربية بوجه حملة
الإخضاع الاستعمارية التي قادتها أمريكا,وقد لفت نظرنا موقف مستجد
لأحد المثقفين الذي تابعنا مواقفه المعادية للنظام في سورية على
صفحات الجرائد,وهنا نحاول أن نضع هذا الموقف في سياق عام,مستشرفين
وجهة الصراع الذي تعيشه المنطقة خاصة بعد حرب غزة.
فمن بين المثقفين الذين تخصصوا في نقد
النظام القائم في سورية, برز ياسين الحاج صالح من خلال كتاباته
,كأشد المثقفين عداء لهذا النظام,بل إن حملاته النقدية
العدائية,امتدت لتطال مجمل الأطراف التي تشارك هذا النظام موقفه
إزاء الهجمة الاستعمارية.
ومن ضمن ما طرحه خلال الأعوام
الماضية,هو"أن الأنظمة العربية التي تعتبر نفسها وطنية وعلى رأسها
النظام في سورية,لا تريد أن تغادر أجواء الحرب الباردة رغم انتهاء
هذه الحرب,لكي تغطِّي على سياساتها القمعية تجاه شعوبها,وعلى
بنيتها الدكتاتورية,بادعاء أنها تواجه الهجمة الاستعمارية,مذكِّرة
بذلك الشعار ,الذي رفعه نظام عبد الناصر عقب هزيمة حزيران 67,بأن
لا صوت يعلو فوق صوت المعركة,والذي استهدف كم أفواه المتنفذين
لسياسات هذا النظام".
ثم أن النظام السوري المتلفِّح باللبوس
القومي,"يريد أن يقاتل الغزاة المستعمرين حتى آخر عراقي ولبناني
وفلسطيني,فيما ينأى بنفسه عن ساحة القتال وعن النضال القومي
التحرري الذي يرفع رايته ,لأن همه الأساس,هو صرف الأنظار عن
سياساته الداخلية غير الديمقراطية"(؟).
وبانتقاله إلى الساحة الفلسطينية,فقد رأى
كاتبنا في احد مقارباته,"بأن حلفاء النظام في سورية ممن يرفعون
لواء المقاومة المسلحة بهدف التحرير,لا يُظهرون سلاحهم إلا في
العراضات التي تشهدها شوارع المدن والمخيمات الفلسطينية في المناطق
المحتلَّة,وذلك ضمن عملية ترهيب وابتزاز للمواطن الفلسطيني تحت
سطوة السلاح,لكي يذعن لثقافة السلاح التي تلغي منطق وثقافة العقل".
ومجمل أطروحات هذا المثقف ,لم تكن تخرج عن
ذلك المنطق الذي ساد تياراً من مثقفينا,والذي رأى بأنه لا جدوى من
مجابهة الحلف الاستعماري – الصهيوني,وأن من يسوقون الشعوب العربية
إلى المجابهة من النظم المتسلطة على شعوبها أومن القوى المتعطشة
للسلطة ,لا يبدون معنيين بمعاناة شعوبهم وما تجره عليها المجابهة
من هزائم وكوارث,وإن الأجدى لهذه الشعوب,أن تنصرف إلى بناء أوضاعها
بعيداً عن حلقة الصراع المفرغة التي لا تفضي لغير الهزائم,ووصل
الأمر ببعض هذه الأصوات,إلى حد القول بأن الاستعمار والامبريالية
ليسا شراً خالصاً كما أظهرتهما ثقافتنا السائدة, وأنهما أرحم على
الشعوب المغلوبة على أمرها من النظم الدكتاتورية,وبقي مثل هذا
الرأي عند بعض المثقفين حتى بعد تجربة العراق المدمرة مع الغزو
الأمريكي,متحدثين عن أن ما يواجه العراق من تمزق ,هو من تركة
النظام المنهار(؟).
لكن هذا الداعية لنهج الانسحاب من المواجهة
مع الحلف الاستعماري ,أبدى في مقال نشرته الحياة اللندنية بتاريخ
15/3/2009,تراجعاً عن موقفه العدائي تجاه النظام في سورية,منتقلاً
إلى ما يمكن وصفه بالنقد البناء تجاه هذا النظام,والذي يستجيب كما
يقول ,"لحاجات سياسية وإنسانية تمتنع عن الإلغاء في سورية".
وجاء تعبيره عن هذا الموقف المستجد ,في
سياق ترحيبه بالقرار الصادر عن قيادة جماعة الإخوان المسلمين
السورية بتاريخ 17/1/2009,والذي أعلنت فيه((تعليق نشاطها المعارض
للنظام على خلفية العدوان الصهيوني الذي يتعرض له أهلنا في
غزة,والذي يفرض توفير كل الجهود للمعركة السياسية في مواجهة هذا
العدوان)).وغني عن القول,بأن ترحيب كاتبنا بهذا القرار,إنما يأتي
على خلفية تقيمه لدور القيادة السورية في دعم قوى المقاومة في غزة
وفي المحيط العربي ,وتقيمه بالتالي,لدور هذه القوى في تصديها لآلة
العدوان الصهيونية بما يعارض رؤيته السابقة تجاهها.
ففي إطار تنويهه بالقرار المذكور ,يرى
الكاتب بأن قيادة الإخوان ,تتجه عبر هذا التحوُّل في موقفها من
النظام ,إلى ((إقامة جبهة فكرية تضم قوى المعارضة,التي تنبذ من
صفوفها الملتحقين بالمشروع المعادي الاستعماري من أمثال خدام
وجبهته للخلاص من النظام,حيث لا عودة في ظل هذه الجبهة الفكرية
العقلانية – كما يقول – إلى أجواء المجابهة الخطرة والعقيمة مع
النظام التي سادت في عامي 2006و2007,والتي هيمن خلالها تفكير
سياسوي ضيق في الشأن العام,يحشر نفسه في السياسة ,بل في الصراع على
السلطة,وذلك بدل الاهتمام بمجال أوسع يستجيب لحاجات سياسية
وإنسانية .. الخ)).
ونحن لا نريد الوقوف هنا عند التحليلات
التي يوردها كاتبنا بشأن دوافع جماعة الإخوان في تخليها عن خط
المجابهة الحاد مع النظام في سورية والتي تبتعد في رأينا عن الدافع
الأساس ,ممثلاً كما أسلفنا ,باقتناع قيادة الجماعة واقتناع الكاتب
بعد ذلك,بأهمية الدور الذي يضطلع به هذا النظام في التصدي
لاستهدافات الهجمة الأمريكية – الصهيونية على دول وشعوب
المنطقة,وهو الدور الذي ثبتت جديته وفاعليته على ارض الواقع,والتفت
من حوله الجماهير السورية والعربية,وفرض على مراكز المشروع
الاستعماري في باريس ولندن ثم في واشنطن,بأن تتخلى عن موقف العزل
والتهديد تجاه هذا النظام متحولة إلى موقف الحوار,الذي طال مجموع
الأطراف المتصدية لحملة الإخضاع الاستعمارية,وهو الموقف الذي لم
يلبث أن انسحب على نظم التبعية العربية كما شاهدنا في الآونة
الأخيرة.
ونريد القول بشأن تلك النظم ,هو أن حراجة
وضعها إزاء الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني في غزة ,وإزاء
الالتفاف الشعبي العارم من حول هذا الصمود,هو ما أملى عليها كمعسكر
اعتدال وفق تسمية إدارة بوش الراحلة,بأن تتجه نحو خط المصالحة مع
النظام السوري بل مع كل حلفائه في جبهة الصمود والمقاومة في
المنطقة,بل هو ما فرض عليها ,أن تغض النظر إزاء ما مثلته قمة غزة
المنعقدة في الدوحة من تحدٍ لهيمنتها على النظام الرسمي العربي
وعلى الساحة العربية التي امتدت عقوداً من الزمن,وان تسلك في أعقاب
حرب غزة,سلوكاً مغايراً لذلك الذي سلكته في أعقاب حرب لبنان
الثانية,عندما سعت إلى إفشال قمة دمشق المنعقدة في آذار من العام
الماضي.
وفي التعليق على التحوُّل في موقف هذا
المثقف تجاه القيادة السورية,بل تجاه قوى الصمود والمقاومة
والممانعة في المنطقة,نريد التذكير بما طرحناه في موضع سابق,من أن
الأصوات التي تشارك في الحملة ضد تلك القوى,لا تصدر عن منطلق
واحد,فهناك بين تلك الأصوات ,من يدفعها الإحباط الناجم عن ضراوة
الهجمة الاستعمارية,وعن تردي الأوضاع العربية,إلى اتخاذ مثل هذا
الموقف السلبي تجاه من يجابهون تلك الهجمة,وقد رأينا بأن أصحاب هذه
الأصوات,سوف يراجعون موقفهم مع تراجع وانحسار الهجمة الاستعمارية
المعادية,متجاوزين حساسياتهم تجاه النظم الوطنية التي يأخذون عليها
تعطيل المسار الديمقراطي في بلدانها ,دون إدراك من جانبهم,بأن
الديمقراطية يصعب تحقيقها في ظل أزمة المشروع القومي التحرري
للأمة- كما يوضح عزمي بشارة من أن الأمم التي أنجزت ديمقراطيتها
,كانت قد حققت وحدتها القومية قبل ذلك-,وهناك بالتالي ,أصوات ارتبط
أصحابها بالمشروع الاستعماري,وينطبق ذلك على بعض النظم العربية.
ومن هنا يأتي تقديرنا ,بأن العالم العربي
,بات على أعتاب اصطفاف جديد,يتم الفرز فيه على أساس الموقف من
المشروع الاستعماري,وان انتصار نهج المواجهة لن يمر من دون
صراع,كون المشروع الاستعماري لم تلحق به الهزيمة النهائية وإن تعرض
إلى ضربات أملت على قيادته الأمريكية,بأن تعيد النظر بأساليبها دون
أن تتخلى عن هدفها في الاستحواذ على المنطقة,وفي حماية القاعدة
الصهيونية ودعم النظم التابعة.
ونود القول على هذا الصعيد,بأننا نرحِّب
بكل صوت ينتقل صاحبه من موقع التشكيك بجدوى المواجهة مع الحلف
الاستعماري إلى الموقع المجابه لهذا الحلف,منطلقين من المقولة التي
ترى بأن المثقفين,يمثلون البطن الرخوة في مجتمعاتهم,وأن من يحمي
ثقافة الصمود وإرادة التضحية في هذه المجتمعات,هم الكادحون من
الأوساط الشعبية,الذين ليس لديهم ما يخسرونه في دفاعهم عن كرامتهم
الوطنية والإنسانية غير قيودهم,ومع مفكر عربي نقول,بأن مناخ
الإحباط الذي تعكسه وسائل الإعلام في ساحتنا العربية,هو على
انفصالٍ تام مع مزاج الجماهير الشعبية على امتداد خارطة الوطن
العربي,التي تتطلع نحو الانخراط في معركة هزيمة القوى الاستعمارية
لكي تبني مستقبلها بما ينسجم مع تطلعها إلى الحرية بعيداً عن
مشاريع الاستعباد التي هُيئت لها.
|
|