بشأن الدعوات القطرية للتحلُّل من القضية الفلسطينية

 

                                                                                                                 غطاس أبو عيطة

 

كنا تصدينا في أكثر من مناسبة,لمن يتناولون قضية الشعب الفلسطيني بمعزل عن مجريات الصراع في المنطقة,مؤكدين بأن مثل هذا التناول ,لا بد وأن يقود نحو قبول حلول للقضية الفلسطينية تقوم على أرضية المشروع الاستعماري الصهيوني الذي لا مكان فيه لأية حقوق وطنية لشعب فلسطين.

وخلال تركيزنا على الطروحات الانعزالية التي تبرز على الساحة الفلسطينية ,بدا أننا قد تحفظنا عن مواجهة الطروحات المماثلة التي تصدر عن قوى وعن نخب سياسية وثقافية في الساحات العربية الأخرى,متجنبين إثارة حساسيات قطروية نمت في ظروف الهجمة الاستعمارية الأخيرة على دول وشعوب المنطقة.

وما يدفعنا لمقاربة مثل هذه الطروحات,هو ما عبَّر عنه كاتب أردني من نزعة تبلغ حد الشوفينية في تعاطيه مع قضية فلسطين ومع مصير الشعب الفلسطيني,باسم"حماية المصالح الإستراتيجية للأردن"والتي تستدعي حسب وجهة نظره((نبذ المشاعر الإنسانية تجاه أبناء فلسطين)),وهي دعوة رأينا من يجاهر بمثلها على ساحات عربية أخرى,باعتبار أن ذلك يمثل الضمانة لسلامة أقطارهم التي يمكن إخراجها من ساحة الصراع مع القوى الاستعمارية عن طريق مهادنة تلك القوى بل طلب حمايتها.

فما يقوله هذا الكاتب الذي مهر مقاله بتوقيع مستعار عبر صحيفة الحياة اللندنية يتلخص في التالي:-

1 – إن الزمن يمضي دون التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية,وإن مرور الزمن,بات يأخذ في طريقه حل الدولتين على أرض فلسطين,وان من يطرحون حل الدولة الواحدة الديمقراطية أو الثنائية القومية,لا يأخذون في اعتبارهم ,بأن عملية النزوح واللجوء التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في عامي 48و 67,يمكن أن تتكرر مجدداً بما ينهي خيار الدولة الواحدة المتخيَّلة.

2 – وما يجعل خطر التصفية ماثلاً بالنسبة لقضية فلسطين,هو فشل السلطة من ناحية في الوصول إلى حل الدولتين عن طريق المفاوضات,وانصراف حركة حماس من ناحية ثانية,عن هذا الحل بتطلعها إلى فلسطين كلها,بما نجم عن ذلك من انقسام ومن شرذمة فلسطينية,وإن المتضرر من تعثر هذا الحل وانسداد الأفق أمامه ,هو الشعب الأردني وحده,الذي سيزداد تهميشه في وطنه إذا ما جرى إلحاق الفلسطينيين بالأردن سواء عبر صيغة الكونفدرالية بين الشعبين,أو عبر صيغة الدولة الواحدة الأردنية – الفلسطينية. 

3 – وحيث لا يمكن الوثوق بإسرائيل,ولا الوثوق بالعمق العربي أو الرهان على قدرة الفلسطينيين في استمرار صمودهم على أرضهم,فإن الاعتماد على الذات يغدو السبيل الوحيد المضمون لدرء الخطر المحيق بمستقبل الأردن,الأمر الذي يفرض التالي:-

– تقوية الجبهة الداخلية الأردنية,من خلال إطلاق الحريات الديمقراطية التي تساعد على نهوض الأحزاب السياسية ذات الهوية الوطنية,والتي تتولى"مهمة التصدي للنزعة الانتهازية لدى الجماعة الإسلامية ,التي تتصرف من منظور غير استراتيجي وربما غيبي إزاء مصلحة الأردن ومستقبل شعبه".

- تدريب الجيش الأردني ,لكي يكون بمقدوره مواجهة أي نوع من الاختراق لحدود الأردن من العسكر أو البشر بصرف النظر عن هويتهم,آخذين في الاعتبار بأن هذا الجيش ,هو الجيش العربي الوحيد الذي لم يهزم أمام إسرائيل إلا في حرب واحدة ,فيما ربح معاركه كلها معها.

- استثمار علاقة الأردن الإستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية ,للحصول على رسالة ضمانات للأردن على شكل ((وعد أوباما)),تكون بمثابة تعهُّد دولي,بألا يتم تصفية قضية فلسطين على حساب الشعب الأردني,وذلك على غرار رسالة الضمانات التي حصل عليها شارون من الرئيس بوش في الأمس القريب.

وإذ نعلق على هذا الطرح من جانب كاتب لم نغفل هويته الحقيقية,ولم نجهل الدور المنوط به على ساحة الأردن,فإننا نتوقف عند التالي:-

أولاً – إن هذه الثقافة الانعزالية التي أريد لها أن تسود داخل الأقطار العربية,هي ما عملت التدخلات الأمريكية على إذكائها لكي تشكل حاجزاً بين الأقطار وشعوبها,مثلما عملت على تقسيم الدول العربية إلى معسكر اعتدال ومعسكر تشدد وتطرفٍ وإرهاب,وعلى تمزيق بعض الدول العربية على أساس هويات فئوية وجهوية على طريق تمزيق الوطن العربي كله, وإن ما جرى من ترويج للسياسة الأمريكية من جانب نظم ونخب وقوى سياسية,إنما تم على خلفية الحسابات الخاطئة,بأن المشروع الأمريكي تجاه المنطقة سوف ينتصر,وأن النظرة العقلانية تفرض الانحناء أمام هذا المشروع والتكيف معه.وفي حين أعاد البعض حساباتهم بعد أن كشفت التطورات الإقليمية والدولية والأمريكية حدود قدرات أمريكا,فإن البعض الآخر من أمثال كاتبنا,بقي مأخوذاً بقوة أمريكا (وقوة قاعدتها الصهيونية),دون أن يعي مضمون تقرير بيكر – هاملتون على هذا الصعيد,أو مضمون التقييم الذي وضعه بريجنسكي وكيسنجر عن حال أمريكا,ثم ما تضمنته نصيحة أولبرايت للرئيس الأمريكي الجديد,بأن يرسم سياساته الخارجية منطلقاً من حقيقة أن أمريكا ما عاد بمقدورها أن تقود العالم وأن تتحكم بمقدراته.

ثانياً – وقد نذكِّر هنا أمثال هذا الكاتب,بأن المشروع الاستعماري الذي استهدف إخراج الأمة العربية من التاريخ,قد استند إلى دعامتين مترابطتين,هما دعامة التجزئة القطرية التي تفضي في حال تمكنها من الوعي العربي,إلى إطلاق كل نزعات التذرير الفئوية والجهوية,ودعامة القاعدة الاستيطانية الصهيونية ,التي أوكلت لها مهمة حراسة التجزئة بكل تداعياتها السلبية,وأنه فيما ركز الحلف الاستعماري حملته على المشروع القومي العربي التحرري الذي قادته مصر عبد الناصر في الحقبة السابقة ,لكي تسود من خلال ضربه وإضعافه,النزعات الانعزالية بكل مضامينها ,فإن هذا الحلف يركز حملته في هذه المرحلة,على الرابطة الإسلامية,التي تتولى الدفاع عن اللحمة بين شعوب المنطقة في مواجهة الأطماع الاستعمارية .

وغنيٌ عن القول,بأن من واجهوا الرابطة العروبية في السابق باسم السيادة الوطنية وغيرها من الدعاوي المضلِّلة,هم من يواجهون الآن الرابطة الإسلامية,ويفعل البعض ذلك باسم الدفاع عن القومية متناسياً موقفه في الأمس القريب من الهوية القومية ومن المشروع القومي,في حين يظهر من يجابهون الهجمة الاستعمارية – الصهيونية,تواصلاً وتواشجاً متجاوزين ما يفصل بينهم من مرجعيات فكرية يمكن تكاملها.

ثالثاً – إن الانقسام الذي ما زالت تعيشه الساحة الفلسطينية,هو امتداد للانقسام الذي ساد الساحة العربية في ظروف هيمنة قوى التبعية على النظام الرسمي العربي.وإن ما يجري من صراع على ساحة فلسطين الآن,بين وحدة وطنية تقوم على أرضية خيار المقاومة أو على أرضية خيار التفاوض من دون مقاومة,هو بدوره امتداد للصراع الذي يدور على الساحة العربية,حول سيادة نهج التبعية أو نهج التصدي للسيطرة الاستعمارية,وإن من يواصلون اتهام حركة حماس بأنها ترفض حل الدولتين,إنما يضمرون الترويج للتصفية بغض النظر عن طبيعة خطابهم,منطلقين من أنه لا جدوى من المقاومة التي تدفع بالمشروع الصهيوني المدعوم استعمارياً نحو الانكفاء إلى حدود الرابع من حزيران عام 67,كخطوة على طريق إنهاء هذا المشروع.غير أن ما أنجزته المقاومة العربية في حرب لبنان الثانية,وما حققته من صمود أسطوري على أرض غزة,إضافة لما اجترحته المقاومة العراقية في مواجهة الغزوة الأمريكية,من شأنه أن يعيد ترتيب الاصطفافات في المنطقة,لتكون الهيمنة لثقافة الصمود والمقاومة ,التي تدحر مؤامرة التصفية بالنسبة لقضية فلسطين,وتحمي البلدان العربية وشعوبها من مخطط الاستعباد الذي يحمله سلام الخنوع مع القاعدة الصهيونية ومع حماتها في الدول الاستعمارية.

رابعاً – إن قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود في أرضه لم تعد محل اختبار أو موضع تساؤل, ويرتبط ذلك, بواقع عجز الصهاينة عن سحق إرادة المقاومة لدى هذا الشعب حيث كانت حرب غزة حاسمة على هذا الصعيد.أما أن يتجرأ هذا الكاتب ,على طرح فكرة تصدي الجيش الأردني بالرصاص للفلسطينيين المندحرين عن أرضهم ,عندما يواجهون حملة للرصاص المسكوب كما جرى في غزة,أو عندما يضعفون أمام الممارسات الصهيونية العنصرية العدوانية اليومية,فإننا نود أن نفهمه ,بأن أي جيش عربي لن يقوم بمثل هذه المهمة من الأساس فيما لو جرى إيكالها له على سبيل الفرضية,خاصة في ظل النهوض الثوري الذي أطلقه انتصار المقاومات العربية وسط شعوب المنطقة,والذي ترك تأثيره على موقف شعوب العالم,بل على جماهير المراكز الاستعمارية التي لم تعد مستلبة للخطاب الاستعماري والصهيوني.

خامساً– وما لا تريد أن تستوعبه الأوساط المهزومة في محيطنا العربي,هو أن وعود المراكز الاستعمارية للقاعدة الصهيونية,تختلف من حيث صدقيتها عن أية وعود تقدمها تلك المراكز وعلى رأسها أمريكا لأطراف عربية,مع أن هذا الاختلاف ,لا صلة له بمنطلقات مبدئية أو أخلاقية بقدر ما هو نابع من حسابات مصلحية بنيت على أساس الثقة بدور القاعدة الصهيونية في خدمة أهداف تلك المراكز,وذلك قبل أن تتكشف حدود قدرات هذه القاعدة حين تنخرط في حروب غير كلاسيكية تخوضها الجيوش.ولعل كاتبنا في رهانه على الوعود الأمريكية,لا يريد أن يعتبر بما حصده من خيبة ذلك الزعيم اللبناني,الذي بلغ به رهانه على وعود كونداليزارايس,حد تمنيه بأن يكون زبالاً في شوارع الإمبراطورية الأمريكية,وذلك قبل أن يتحوَّل مئات الآلاف من الأمريكيين إلى ماسحي سيارات,وماسحي أحذية ربما,بعد أن فقدوا فرصة الحصول على وظيفة زبال داخل إمبراطوريتهم المتهاوية بفعل الأزمة المالية والاقتصادية.

وما نريد قوله في الختام, هو أن المنظور القطري الانعزالي لقضايا الصراع في المنطقة, والذي يفرخ كل أنواع الانعزاليات المدمِّرة, قد تلقى ضربة موجعة في محيطنا العربي لكنه لم يهزم بصورة نهائية.أما النضال التحرري للشعب الفلسطيني,والذي يقوم في إطار النضال الذي تخوضه شعوب المنطقة بمعزل عن ثقافة الاستسلام,فهو ماض نحو غايته التحررية,وان خطر التصفية سواء عبر خطوة تاريخية حاسمة أو عبر خطوات ,هو ما بات ماثلاً أمام القاعدة الصهيونية,وعبثاً ما يقوم به دعاة الاستسلام من إثارة النزعات الانعزالية بمختلف تلاوينها خدمة منهم للمشروع الاستعماري الذي بات يمر في مرحلة انحسار تاريخية على وقع استعداد شعوبنا العربية على تحمُّل الثمن الذي يفرضه تصميمها على انتزاع حريتها من براثن القوى الاستعمارية.

 

 

 

 

 

 

 

 
رجـوع