حرب غزة, ونظرية ((الإخفاق المتبادل)) ؟!

 

                                                                                               غطاس أبو عيطة

 

تحت عنوان ((الإخفاق المتبادل, والانتصار بالنقاط السالبة للطرفين)), قدَّم لنا الأستاذ صقر أبو فخر, قراءَته لنتائج حرب غزة, والتي ضمنها نظرته السلبية تجاه حماس, بل تجاه مجموع قوى المقاومة والممانعة في المنطقة.

وملخص ما يعرضه أستاذنا في هذه القراءَة – بمعزل عما يتظاهر به من الحياد والموضوعية– يمكن إدراجه عبر التالي :-

1 – أن العدو الصهيوني قد حقق هدفه الأساس من الحرب التي شنها على غزة – كما فعل ذلك في حرب لبنان الثانية - ,إذ فرض على الطرف المقابل من خلال ما ألحقه من دمار ومن سفك للدماء على ساحته,إلى أن يعيد هذا الطرف حساباته عشرات المرات قبل أن يفكر مجدداً بالتحرش بهذا العدو. – وهنا يشرح الكاتب,إستراتيجية الردع التي اعتمدها الصهاينة منذ قيام كيانهم,والتي نظَّر لها جابوتنسكي تحت عنوان الجدار الحديدي الصلب الذي تتحطم عليه جماجم العرب كلما فكروا بالعدوان على الكيان ,والتي اشتق منها قادة الصهاينة الجدد,ما أسموه ((خيار الضاحية)) – (؟).

2 – وأن قادة حماس, كانوا على وعي بما ينتظر أبناء غزة من الرد غير المتكافئ الذي سيعمد له الصهاينة, وقد أقدموا على إنهاء التهدئة من طرف واحد وهم على مثل هذا الوعي.وفيما تركوا رجال الشرطة في غزة طعمة لرد العدو,فقد احتموا من جانبهم مع مقاتليهم وسط المدنيين ولم يخرجوا لمواجهة قوات العدو طيلة فترة الحرب,ليظهروا بعد وقف إطلاق النار لكي يوجهوا سلاحهم إلى عناصر فتح,وإلى عناصر الجبهة الشعبية كذلك(؟).

3 – وما يدلل على تقاعس حركة حماس عن مواجهة قوات العدو,هو الخسائر الهزيلة التي وقعت في صفوف هذه القوات,وحتى في صفوف المدنيين داخل الكيان بفعل الصواريخ التي تشبه"ألعاب قيصر عامر".حيث كانت خسائر العدو أكبر بكثير في معركة الكرامة المحدودة التي خاضتها حركة فتح عام 1968,وكذلك في معركة جنين عام 2002 .. ولم تخسر حماس بالمقابل سوى 48 من عداد مقاتليها  فيما قدمت فتح في معركة الكرامة 78 شهيداً .(؟)

4 – وإن أخطر ما حققه العدو نتيجة هذه الحرب, هو الاتفاقية الأمنية التي عقدها مع أمريكا والتحقت بها دول حلف الأطلسي, والتي وضعت قطاع غزة وسيناء, وكل المعابر المائية في المنطقة تحت رقابة مشددة من جانب قوى هذا الحلف.(؟)

5 – وتعبيراً عن غياب الحنكة السياسية لدى قادة حماس ,فقد شاركوا الأبواق الداعمة لهم,في اتهام مصر بالتواطؤ مع العدوان,ليعودوا بعد ذلك زاحفين نحو القاهرة,طالبين وساطتها لإخراجهم من مأزقهم.(؟)

6 – وإن ما حل بقطاع غزة من خراب ودمار وخسائر بشرية, لن يترك تأثيره على مسلك حماس وحسب,بل على مسلك ووعي من ساندوها وشجعوها على استفزاز العدو في حزب الله وسورية,كما سيبرز هذا التأثير على إيران المُقدمة على انتخابات رئاسية وتشريعية,حيث قد لا تعيد الجماهير انتخاب أحمدي نجاد وتياره بعد أن خاب أملها بسياساته الداخلية ,التي حاول التغطية على فشلها بخطاب عالي النبرة تجاه الخارج.(؟)

7 – وحصدت القضية الفلسطينية أكبر النتاج الكارثية من هذه الحرب ,فباسم نصرها المزعوم ,ستدعو حركة حماس إلى الاعتراف بها بديلاً عن منظمة التحرير,كما ستعمل على تكريس إمارتها الإسلامية في غزة ,وسيعطي ذلك الذريعة للعدو للتهرب من حل الدولتين ما دام هناك طرف فلسطيني قد أقام دولة ثالثة,بل سيعمل هذا العدو إلى إنجاز دولته اليهودية النقية متذرعاً بخشيته من الإرهاب الأصولي,وسيواصل هذا العدو ,فرض الحصار على كانتونيْ الضفة والقطاع,وبذلك يكون قد تبدد ولو إلى حين المشروع الوطني الفلسطيني الذي احتضنته حركة فتح منذ قيامها عام 1965(؟).

 

وفي ردنا على هذه القراءَة من دون الخضوع لمنطقها نود القول : -

 

أولاً – إن ما شهده قطاع غزة ,هو أول حرب حقيقية يخوضها الشعب الفلسطيني وحده وعلى أرضه وبإمكاناته المحدودة في مواجهة المشروع الصهيوني,وأن ذلك قد شكل معطىً جديداً في تاريخ نضال هذا الشعب الذي لم يتوقف عن مقاومة هذا المشروع . إذ أن ما سعى له الغزاة الصهاينة على مدى ستين عاماً بل على مدى قرن,هو إلغاء وجود هذا الشعب ضمانة لانتصار مشروعهم,وها هو هذا الشعب مستنداً إلى كل ما راكمه من خبرات كفاحية عبر مسيرته النضالية الشاقة والمخضَّبة بالدماء ,قد فرض على هؤلاء الغزاة خوض حرب حشدوا فيها كل قدراتهم العسكرية وعلى مدى 22 يوماً ,ليخرجوا بعد ذلك مدحورين على أبواب مدن وبلدات ومخيمات غزة,وذلك بعد أن عجزت إستراتيجيتهم القائمة على مبدأ الصدمة والرعب,وعلى خيار الضاحية, والجدار الحديدي الصلب,عن فرض الاستسلام على أبناء ومقاومي هذا الشعب.ومع هذا العجز المبين,سوف يعود الغزاة لمنطق العقل بعد المرور بمرحلة من فقدان العقل بفعل الصدمة, ليدركوا بأن الشعب الفلسطيني لن يتخلى عن حقوقه السياسية عن طريق الترهيب,وفق تعبير وزيرة خارجية أمريكا السابقة مادلين أولبرايت.  

ثانياً – إن محدودية الخسائر في صفوف جيش العدو,مردَّها ليس خور عزيمة هذا الجيش عن خوض مواجهات عسكرية وحسب,وإنما كذلك نتيجة تحوِّلٍ في ثقافة التجمع الاستيطاني الصهيوني الذي لم يعد مستعداً لتقديم التضحيات دفاعاً عن مشروعه,وذلك ما فرض على قيادة العدو السياسية والعسكرية,خوض حرب لا يتعرض فيها جيشهم لخسائر كبيرة في الأفراد,مراهنة في ذلك على وهم ان الجانب العربي يمكن أن يفقد توازنه باعتماد استراتيجية الصدمة والرعب ضده,وذلك  ضمن حسابات لا تريد أن تأخذ في اعتبارها بأن الإنسان العربي قد تطعَّم إزاء هذه الاستراتيجة بما تلقاه من جرعات من جرائم الصهاينة.وبالنسبة لموضوع الصواريخ,فإننا نقارن بين حال أبناء غزة,الذين كانوا يخرجون بالمئات لإخلاء الضحايا وإنقاذ الجرحى في إحيائهم,ويتدفقون بعشرات الآلاف لتشييع الشهداء دون أن يرهبهم الجحيم الذي يصبه العدو فوق رؤوسهم, وبين حال التجمع الاستيطاني ,الذي شلت الحياة في مدنه ومستوطناته الجنوبية,أمام صواريخ لا تحمل القدرة على التدمير والقتل الواسعين.

ثالثاً – وإن أبرز ما تمخضت عنه هذه الحرب ,هو إلحاق الهزيمة بإستراتيجية دب الرعب في قلوب الخصم التي بنى على أساسها العدو مشروعه الاستعماري الإغتصابي والعدواني,وذلك بعد أن جرى المس بهذه الإستراتيجية من خلال تفاهم نيسان عام 96 على الساحة اللبنانية,ثم من خلال اتفاقي التهدئة مع قوى المقاومة في غزة,ومن هنا فإنه ليس صحيحاًما يشيعه مروجو ثقافة الاستسلام ,بأن ما حلَّ بقطاع غزة من دمار,وما لحق بأبناء غزة من معاناة إنسانية تفوق حدود الوصف,قد أرعب وأرهب قوى الصمود والمقاومة والممانعة العربية والإقليمية, ذلك أن من سيعيد حساباته عشرات بل مئات المرات قبل أن يقدم على مغامرة عدوانية واسعة ,هم قادة الصهاينة,الذين باتوا يدركون بأن أي ثمنٍ سيدفعه كيانهم في أية مغامرة عسكرية جديدة,لن يكون بمقدوره تغيير معادلة القوَّة التي نشأت في ساحات المنطقة.

رابعاً – إن مسارعة حكومة العدو بعد تكشف فشلها في تحقيق أهداف عدوانها على غزة,إلى الاستنجاد بالحليف الأمريكي والأطلسي (متجاهلة حليفها الرجعي العربي),يأتي متعارضاً بصورة جذرية مع تبجحات العدو السابقة,بأنه هو من يحمي مصالح القوى الاستعمارية في المنطقة وأن على هذه القوى أن تدفع ثمن هذا الدور.وأن يغدو هذا العدو في حاجة إلى الحماية الخارجية ,فإن ذلك معناه ,أنه قد أخذ يقر بأنه بات عاجزاً عن الاضطلاع بوظيفته العدوانية في المنطقة,وهو العجز الذي ظهرت بوادره منذ حرب تشرين عام 73,وتأكدت بعد ذلك,باندحاره المهين عن الأرض اللبنانية.

خامساً – وننتقل بعد ذلك للاتهامات التي يسوقها صاحبنا لحركة حماس,بأنها تطرح نفسها بديلاً عن منظمة التحرير التي جرى وأدها على يد قيادتها المتنفذة,وأنها ترنو إلى إمارة إسلامية في غزة ضاربة عرض الحائط بهدف الدولة الفلسطينية المستقلة التي سيحققها تيار الاستسلام عن طريق المفاوضات,وأنها حمت مقاتليها من مجازر العدو لكي تطلقهم في مواجهة خصومها على الساحة الداخلية.. الخ.وردنا هنا,هو أن من يريد حركة ثورية خالية من الشوائب فإنه لا يريد الثورة,وردنا أيضاً,هو أن حركة حماس ليست محصورة في غزة لكي تحلم بإمارة على مقاس غزة,وردنا كذلك ,بأن من يظهر استعداداً على تحمُّل التضحيات في صفوف قيادته,لا يجب أن يتهم بأنه يمارس العبث إزاء معاناة وتضحيات الشعب الفلسطيني,ثم أن من يتصدى بالجدية التي برزت في التهيئة لمنازلة العدو في غزة,لا يمكن أن يغيب عنه – ومهما أظهر على السطح من نزعات تفرُّد وانعزال – بأن هزيمة المشروع الصهيوني المدعوم من جميع المراكز الاستعمارية,يمكن تحقيقها دون تجبيه طاقات شعوب ودول المنطقة,وفي المقدمة منها طاقات الشعب الفلسطيني.وهنا نود القول,بأن القوى الفلسطينية,والعربية والإقليمية المناهضة للمشاريع الاستعمارية,بل القوى الثورية في العالم, ليست غافلة عن نزعة فصائلية وإيديولوجية لدى حركة حماس,لكنها تدرك بوضوح الثوريين,أن قوانين الصراع سوف تقود إلى تجاوز هذه النزعة,في انسجام مع طبيعة الاصطفاف الفلسطيني والعربي والإقليمي والدولي المناهض للغطرسة الاستعمارية.

سادساً – إن كل باحث موضوعي,لا يمكنه أن يغفل عظمة المهمة التاريخية التي اضطلعت بها حركة فتح في إحياء الهوية الوطنية الفلسطينية,وفي دفع قضية الشعب الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير نحو أفق أزاح كل ما خطط له الأعداء من دفن هذه القضية ,لكن الراية المخضبة بالدماء,تتطلع إلى من يحملها ويرفعها عالياً حين يضعف الساعد الذي كان له شرف حملها على مدى أربعين عاماُ وذلك هو منطق التاريخ .وسيظل هنالك موقع لمن يريد أن يستظل بتلك الراية وأن يسهم في إبقائها خفاقة بعيداً عن نهج الانهزام والاستسلام,وستمضي قافلة التحرير نحو غايتها,ولن يبقى في الأرض غير حجارتها بمعزل عن كل الحسابات القبائلية التي يراد لها أن تسود ساحتنا الوطنية.

ويمكن أن نضيف هنا, بأن من يعمدون إلى اتهام حماس كأكبر طرف في جبهة تيار المقاومة,بأنها تبني سياستها على موقف العداء لفتح من موقع التنافس على السلطة,إنما ينطلقون ولدوافع التجييش الفصائلي,إلى عدم التفريق بين قواعد فتح المناضلة والمشاركة في مقاومة العدو والمواجهة لأعمال القمع والقتل من جانب المحتلين الغزاة,وبين من ينسِّقون أمنياً مع المحتلين بإشراف جنرالات أمريكا ومن يعملون على وأد هذه الحركة وإنهاء المقاومة.

سابعاً – أما عن النظام المصري,فإننا نقول بكل موضوعية,بأن هذا النظام قد تشبث بالواقعية التي رسم معالمها السادات,وهي واقعية التسليم بأن المشروع الأمريكي – الصهيوني في المنطقة هو قدر لا راد له. وإن تعامل قيادة حماس وكل من ناهضوا هذه الرؤية الساداتية على مستوى المنطقة ,إنما قام على الجمع بين النقد الجاد والمسؤول لهذا النظام ولغيره من نظم التبعية,وبين إبقاء الباب مفتوحاً لعودة هذه النظم إلى الموقع الذي ينسجم مع إرادة شعوبها,إذ يدرك كل من يراهن على إرادة الشعوب,بأن هذه الإرادة هي من سيرسم في النهاية خارطة المنطقة,سيما وان الانتصارات التي تحققت في المنطقة على الحلف الأمريكي – الصهيوني ,قد أطلقت طاقات الجماهير الشعبية.

وقد يكون من المبكر القول,بأن المشروع القومي التحرري للشعوب العربية,قد وضع على سكة النصر,لكي يحدد مستقبل المنطقة والعالم كما طرح المفكر العربي نجيب عاز وري منذ عام 1905 بشأن الصراع بين المشروعين المتعادمين,الصهيوني,والعربي,لكن ما يمكن الجزم به,هوأن حظوظ المشروع الصهيوني في الانتصار,قد وصلت بعد الدلالات الرمزية لحرب غزة,إلى الطريق المسدود,وليتهمنا السيد صقر أبو فخر إزاء هذه الرؤية,بأنها التحاق بالغيبية المشائخية,وأنها تتنكب العقلانية التي غدت في وعي بعض نخبنا مرادفة للتكيُّف مع مخططات ومشاريع الاستعمار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
رجـوع