|
بشأن المنافحين
عن الأحادية القطبية
غطاس أبو عيطة
تعقيباً على الأحداث التي شهدتها منطقة
القوقاز بين روسيا وجورجيا،انبرى مروجو ثقافة الهزيمة للتقليل من
شأن تلك الأحداث وما يتقاطع معها من تطورات في المنطقة العربية
والإسلامية،باعتبارها جميعاً لن تغيِّر في صيغة النظام الدولي الذي
استقر برأيهم على الأحادية القطبية،ولن تهز امتداد هذا النظام
الإقليمي الشرق أوسطي الجاري إرساءَه على يد الحلف الأمريكي الغربي
الصهيوني.
فما قاله السيد حازم صاغية على هذا
الصعيد،هو"أن النظرة السطحية وحدها هي التي يمكنها البناء على تلك
الأحداث والتطورات،لكي تخرج بتصور أن نظام الواحدية القطبية قد
تراجع وأنه في طريقه إلى الانهيار لصالح نظامٍ متعدد القطبية..
فأصحاب هذه النظرة الإرادوية،قد سارعوا إلى تركيب نسقٍ لتلك
الأحداث والتطورات تتفق مع أحلامهم،بادئين بالمستنقع الكبير في
العراق الذي غرز فيه النظام المذكور،وبالمستنقع الأصغر في
أفغانستان المرشح لأن يكبر،ثم بالمستنقع الباكستاني،ليمروا بعد ذلك
على التمردات الصغرى في السودان وموريتانيا وفي غزة ولبنان،وصولاً
إلى التمرد الضخم الذي يشي به الصراع الروسي – الغربي حول جورجيا".
((وفي غمرة حماستهم كما يضيف السيد صاغية،
لم ينتبه هؤلاء ،إلى أن من يقفون بوجه النظام الدولي أحادي القطبية
(وامتداده الإقليمي)،هم مجرد خليطٍ من المستبدين الحديثين
والقديمين من العسكريين والملالي،ممن لا يجمع بينهم غير نسبهم
التوتاليتاري بمرجعياته المختلفة الدينية والقومية واليسارية،حيث
يريد هذا الخليط أن يهزم الأحادية القطبية فيما هو يستند إلى
أحادية الفكرة والتنظيم.وواقع الحال،هوأن الواحدية القطبية التي
انتصرت في الحرب الباردة في 89 – 91،والتي مضت نحو توسيع هذه
الواحدية لكي تضم جميع الديمقراطيات في العالم،بدءاً بالديمقراطيات
في بلدان أوروبا الغربية والشرقية،ومروراً بالديمقراطيات في الشرق
الأوسط(؟)، واليابان وكوريا وسواهما في الشرق الأقصى وآسيا ،لتقيم
باجتماعها البديل الواعد بعالمٍ أفضل ،وليس ذلك البديل المعتم الذي
يعد به من تأسسوا وترعرعوا على ثقافة الاستبداد والانغلاق
والدكتاتورية)).
أما تلميذ صاغية السيد حسام عيتاني،فقد ذهب
إلى التفاصيل في تصديه لما يعتبره"الحالمون" على أنه سلسلة من
الهزائم تم إلحاقها بنظام الواحدية القطبية وامتداده الإقليمي،ففي
العراق كما يقول((أتى تعثُّر المشروع الأمريكي مترافقاً مع الحروب
الأهلية،والمذابح الطائفية والفئوية التي تدمر هذا البلد،ومع صعود
شبح السيطرة الدائمة عليه من قبل جيران لم يعرف عنهم الود لأبناء
العراق)).
" وفي لبنان، لم يطوَ عبر اتفاق الدوحة،
غير فصلٍ دامٍ من فصول أزمة الكيان والوجود التي يعيشها هذا البلد
".(فهذا الاتفاق لا يمكن اعتباره نهاية المطاف، وأنه هزيمة لأنصار
النظام الدولي أحادي القطبية).
"وفي غزة التي اعتبرت أحداثها الدامية على
أنها انتصار لتيار المقاومة على تيار التفريط، فإن ما جرى بتأثير
الصدام الداخلي، ونتيجة ربط القضية الفلسطينية بنزاعات إقليمية لا
آخر لها، هو نهاية هذه القضية كما عرفها العالم منذ عام 65".
"وما جرى في جورجيا،لم يكن غير تعبير عن
العنف المتأصل في السياسة الروسية حيال الجيران وتجاه الداخل
أيضاً".
ويصل السيد العيتاني إلى ذات الاستخلاص
الذي وصل إليه أستاذه،وهو أن"هذه القوى القائمة على أحادية الفكرة
والتنظيم،والتي يعول عليها في دحر مخطط تفتيت المنطقة وتطويقها
بالقيود الأمريكية ،لا تفعل غير أن تقود المنطقة لما هو أسوأ من
الصيغة الديمقراطية التي دعا لها بوش،والتي اعتبرت بأنها بضاعة غير
ملائمة للبلاد العربية".
وضمن رؤية مناقضة لتلك التي دأب على
ترويجها فرسان ثقافة الهزيمة في محيطنا العربي، نود القول:-
أولاً- أن ما جرى في القوقاز ،قد دلل على
أن روسيا كدولة كبرى وذات قدرات،استطاعت أن تتجاوز حالة الشلل التي
أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي،إذ أنها استعادت الإرادة والقوة
التي تمكِّنها من الدفاع عن مصالحها الإقليمية،وأن تسهم بالتالي في
دفع العالم نحو نظامٍ متعدد القطبية.
-
وما جرى من
هزيمة ماحقة لرئيس جورجيا الذي لم تسعفه في محنته الوعود وصفقات
السلاح الأمريكية،وجَّه إنذاراً بالغ الوضوح للنظم التابعة التي
أوصلتها التدخلات الأمريكية إلى سدة الحكم في البلدان ذات العلاقة
التاريخية مع روسيا بحكم قوانين الجغرافيا،مثلما شكل مؤازرة للقوى
التي أقصيت عن موقع القرار في تلك البلدان،والتي بقيت حريصة على
علاقة حسن الجوار مع روسيا.ولعل الأزمة التي اندلعت في برلمان
أوكرانيا ضد سياسات رئيسها التابع،هي إرهاص لما ينتظر النظم الأخرى
صنيعة التمدد الأمريكي والأطلسي في هذه المنطقة من العالم.
-
وما جرى على
مستوى آخر ،جاء بمثابة لطمة مدويّة لتطلعات القاعدة الصهيونية بأن
تكون لاعباً فاعلاً في النظام الدولي،بما يعزز تحولها إلى مركز
حاكم في محيطها الإقليمي الشرق أوسطي.ذلك أن أول ما عمد له الطيران
الحربي الروسي،هو تدمير القاعدتين الجويتين التي أقامها الكيان في
جورجيا،والتي أريد لها إلى جانب التغلغل العسكري الأمريكي
والصهيوني في هذا البلد،أن تكون أداة تأثير على السياسة الخارجية
الروسية وخاصة فيما يتعلق بتحالفات روسيا في الشرق الأوسط،ومنطلقاً
للعدوان على إيران ،ووسيلة ضغطٍ على الحكومة التركية التي انتهجت
سياسة أكثر استقلالاً عن المشاريع الأمريكية والصهيونية.
-
وما جرى على ذات
الصعيد، هو تنامي الشعور الروسي الرسمي والشعبي،بخطورة الدور الذي
تلعبه الصهيونية وقاعدتها الاستيطانية على مكانة روسيا ،سيما وأن
هذا الشعور ،كان قد اصطدم بالدور التخريبي الذي اضطلع به اليهود
الصهاينة في دفع الاتحاد السوفييتي إلى الانهيار،ثم في نهب ثروات
روسيا الاتحادية ،وفي مواصلة التآمر على وحدتها الداخلية.
-
وما جرى في
القوقاز أيضاً،نبَّه الدول الأوروبية الغربية،بأن لديها ما تخسره
إذا ما واصلت التذيُّل للسياسة الأمريكية الماضية نحو تطويق روسيا
بالنظم المعادية وبمنظومات الدرع الصاروخية،وذلك ما بدا جلياً في
قمة تلك الدول ،التي لم تستجب للدعوات الأمريكية حول ضرورة معاقبة
روسيا.
ثانياً – وبشأن
الصورة السلبية التي يظهِّرها الكاتبان حول التطورات التي شهدتها
منطقتنا،فإنه يمكن التوضيح بداية،بأن المقاومة البطولية التي فجرها
شعب العراق بوجه الغزاة المحتلين،لم ينحصر تأثيرها على الساحة
العراقية،لكي يتم تقييمها ارتباطاً بالأوضاع المؤلمة التي آلت
إليها تلك الساحة.
-
فهذه
المقاومة،دفنت أوهام الإدارة الأمريكية التي تصورت بأن دول المنطقة
باتت بحكم الساقطة في قبضة المشروع الأمريكي،ذلك أن هذه المقاومة
التي تنبأ باندلاعها الرئيس السوري قبل الغزو ،قد مكنت سورية بأن
تكون أكثر صلابة في مواجهة الضغوط والتهديدات الأمريكية والصهيونية
.. والرجعية العربية،مثلما مكنت إيران من استكمال بناء قدراتها
العسكرية ،لتكون أكثر منعة أمام التهديد بالعدوان.
-
وانعكس ذلك،على
قدرات المقاومة اللبنانية التي برزت في الحرب العدوانية التي شنها
الحلف الأمريكي الصهيوني على لبنان في تموز 2006.ولم يكن ما أنجزته
المقاومة الفلسطينية من إجلاء المحتلين عن قطاع غزة ،بمعزل عن ذلك
كله.
ويمكن القول،بأن
التمردات التي عمت المنطقة والتي أثرت بمستويات مختلفة على السيادة
الأمريكية،هي دليل حقيقي على تراجع المشروع الأمريكي في هذه
المنطقة ،والذي أريد له بأن يشكل الدعامة الأساسية للنظام الدولي
الذي تهيمن فيه الإمبراطورية الأمريكية.
ثالثاً – وبالوقوف
ملياً عند الموضوع الفلسطيني،فإننا لا نفهم الاستخلاص الذي قدمه
السيد العيتاني،بأن ما جرى في غزة من صدام داخلي أريد له أن يقضي
على تيار المقاومة،قد شكل((نهاية للقضية الفلسطينية كما عرفها
العالم منذ 65)).فرؤيتنا هنا ،هو أن ما أنجزته الثورة الوطنية
المعاصرة للشعب الفلسطيني المنطلقة عام 65،من إحياء للهوية
الفلسطينية ،ومن بلورة لكيانية معنوية لهذا الشعب تجسدت في منظمة
التحرير،قد أمكن الالتفاف عليه من خلال صفقة أوسلو،غير أن صلابة
إرادة هذا الشعب التي تجلت في انتفاضة الأقصى كانتفاضة كبرى ثانية
في الضفة والقطاع،قد أعادت التأكيد على تلك المنجزات التاريخية
للنضال التحرري الفلسطيني،وإن الذي نلمسه الآن استناداً إلى الأزمة
التي تحيق بالمشروع الأمريكي الصهيوني وتخترق قواه الذاتية،هو أن
القضية الفلسطينية باتت أقرب إلى إنجاز هدفها المرحلي الذي يشكل
تحقيقه خطوة تاريخية على طريق هزيمة المشروع الصهيوني النهائية
وليس مؤشراً على نهاية القضية. ونود أن نعود هنا إلى نصيحة أولمرت
التي أسداها إلى الحكومة الصهيونية قبل اعتزاله، بأن تسارع إلى حلٍ
للقضية الفلسطينية قبل أن ينكشف للشعوب العربية وقواها المقاومة
مدى التداعي الذي بلغه المشروع الصهيوني،لأن الحل بعد ذلك سيكون
بالغ الخطورة على مصير الكيان.
رابعا – وإذ يلاحظ
السيد عيتاني،بأن ما جرى في القوقاز"هو تعبير عن العنف المتأصِّل
في السياسة الروسية حيال الجيران.. الخ"، فإننا نسأل أمثاله من
مناهضي العنف المزعومين، عن رأيه في السياسة الأمريكية حيال شعبي
العراق وأفغانستان، وحيال الشعب الفلسطيني،وإزاء ما جرى من تدمير
للبنان بالأسلحة الذكية والغبيَّة الأمريكية؟.ورأينا هنا،هو أن
السياسة الأمريكية،هي المسؤولة أكثر من غيرها أيضاً،عما تعانيه
البشرية من كوارث بيئية ومن مجاعات .
وإذ يحاول السيد
صاغية في ذات الإطار،أن يعيد الاعتبار للحُلم الذي اطَرحه فوكوياما
جانباً عن الانتصار النهائي للديمقراطية الغربية،بعد رؤيته ما آلت
إليه قيم هذه الديمقراطية على يد قادة أمريكا،فإننا نحيله فقط ،إلى
ما أورده الأمريكي مايكل مور في كتابه عن عهد بوش الابن وفريقه من
المحافظين الجدد،والذي رأى فيه أن هذه الإدارة ،هي أكبر راعٍ لقوى
الإرهاب وللنظم الاستبدادية عندما تكون في خدمة سياستها،وأن
السياسة الأمريكية بشكل عام هي المولِّدة لكل ألوان الإرهاب.
وفي نظرةٍ أكثر عمقاً
لما شهدته المنطقة والعالم من تحولات ،يمكننا أن نستعيد ما قاله
استراتيجي أمريكي عشية انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكره
الاشتراكي،حيث قال:"لقد بتنا نعرف من انهزم في الحرب الباردة،لكننا
لا نعرف من انتصر في هذه الحرب،لأن ذلك رهن بالتطورات التي سيشهدها
العالم في الفترة القادمة".
وما نريد قوله في
الختام ،هو أن الحركة الشعبية التي عمت العالم معترضة على العولمة
الرأسمالية بسمتها الأمريكية،هي من مهد الطريق لقيام حركة رسمية
عقلانية،تعمل الآن على تجاوز تلك السمة التي هي في صميم
الإيديولوجيا الأمريكية،والتي عبر عنها بصورة أكثر همجية ذلك
الفريق من الأفاقين الذي أطلق عليه اسم المحافظين الجدد.ولعل
الانهيارات المالية التي تشهدها أمريكا كقاطرة للنظام الرأسمالي في
عصر العولمة الأمريكية،هي الدليل على مدى لاعقلانية هذه العولمة
التي تريد بناءَ عالمها الأفضل فوق هرم من الجماجم يتجاوز أضعاف
مضاعفة ذلك الهرم الذي خلفه اجتياح التتار والمغول والنازيون
لمراكز الحضارة في العالم .
|