هل المقاومة الفلسطينية في حالة أزمة؟!

     

                                                                                       غطاس أبو عيطة

إزاء الطروحات الهروبية التي عادت لتطل برأسها على ساحتنا الثقافية،والتي تقترح حلولاً لقضية فلسطين تقوم على فكر التصالح مع المشروع الصهيوني،تقدمت ((اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية)) والتي تضم مجموعة نشطة من المثقفين والمناضلين المصريين،بدراسة هامة تحت عنوان((حول الحل الاستراتيجي للقضية الفلسطينية))،أعادت من خلالها الاعتبار للرؤية العلمية لطبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني،متصدِّية بالنقد الموضوعي لصيغ الحلول الاستسلامية التي طرحت للقضية الفلسطينية،والتي لا تفعل حسب رؤية الدراسة،غير إضعاف إرادة المجابهة لهذا المشروع الذي يشكل امتداداً عضوياً لمشاريع السيطرة الاستعمارية على المنطقة.

ومع اتفاقنا التام مع الرؤية التي تصدر عنها الدراسة ،فقد أثارت فيما تعرضه بشأن الواقع الفلسطيني الراهن،جملة من القضايا التي هي موضوع تجاذب فكري على الساحة الوطنية الفلسطينية وبالتالي العربية،والتي نرى أنها في حاجة للمزيد من التدقيق بما يخدم مسار النضال التحرري الذي يخوضه الشعب الفلسطيني في إطار النضال التحرري للأمة العربية ،وفيما يلي بعض ما تطرحه الدراسة المعنية على الصعيد الذي ذكرنا:-

-     أن الطروحات الهروبية التي عادت للظهور على الساحة الفلسطينية (والعربية)،مثل حل الدولة الواحدة لقضية فلسطين أو الدولة الثنائية القومية،وكذلك حل الدولة الديمقراطية،والتي تأتي مع تعثُّر حل الدولتين ،إنما هي نتيجة المأزق الذي وصله نهج أوسلو،والأزمة التي آل إليها تيار المقاومة،والذي دخل في حالة المراوحة منذ ثلاثة أو أربعة أعوام،الأمر الذي أوجد مناخاً من الإحباط وخاصة في أوساط مثقفي اليسار السابق،الذين باتوا يطرحون حلولاً انهزامية تعبر عن عدم الثقة بمستقبل النضال التحرري الفلسطيني والعربي.

-     وإن سبب أزمة الفعل المقاوم،هو ما جرى من دخول حركة حماس(وهي أكبر فصيل مقاوم) على خط السلطة التي قامت في الأساس على أرضية أوسلو،الأمر الذي وضع سياسة حماس في دائرة الشكوك... وجعلها في موقعها الجديد ،أكثر تأثراً بالضغوط التي تمارس على الجماهير الفلسطينية وعلى حركتها التحررية،وبالتالي أكثر استعداداً للتعاطي مع ما تمليه تلك الضغوط في ظل واقع فلسطيني صعب وواقع عربي متردي،وذلك ما برز في قبول هذه الحركة للتهدئة،وفي موافقتها على فكرة الدولة المستقلة في حدود عام 1967،وكانت بعض قياداتها قد أعلنت قبل دخول السلطة،بأنها تقبل بهدنة طويلة الأمد مع العدو إذا ما تحققت الدولة في حدودها المذكورة.

-     أما السبب الآخر لأزمة الخط المقاوم الفلسطيني،فهو يعود إلى تبني قوى التيار الإسلامي فيه(حماس والجهاد)،لأطروحة الدولة الإسلامية في فلسطين ،وذلك في سياق رؤية دينية لطبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني وحلفه الاستعماري الغربي،وما نجم عن هذا الطرح ،من رغبة حماس في الانفراد بالسلطة بناء على نتيجة انتخابات المجلس التشريعي وذلك لعدم تقبلها للقوى العلمانية،الأمر الذي أحدث خلخلة في وحدة القوى الفلسطينية،وانقساماً وصل حد الصدام مع حركة فتح،إضافة لما شكلته هذه الرؤية الدينية للصراع من تغطية لأضاليل الصهاينة بتحويل الرابطة الدينية لليهود إلى قومية ، ولأكاذيب القوى الاستعمارية التي تغلف أطماعها في المنطقة بالحديث عن صراع الحضارات وفق أطروحة هنتنجتون الجديدة القديمة.

وفي مناقشتنا لما تتضمنه هذه الرؤية من جانب واضعي الدراسة نود القول بداية،بأن الطروحات الهروبية التي عادت للظهور في الوسط الثقافي بل والسياسي الفلسطيني وخاصة داخل تيار اليسار،هي في حقيقتها إفرازٌ لثقافة التسوية التي لم تجرِ هزيمتها على الساحة الفلسطينية،برغم ما جرََّته هذه الثقافة من أضرار على الشعب الفلسطيني وعلى قضيته الوطنية ،ورغم ما وصلت إليه قواها ورموزها من عزلة وسط الجماهير الفلسطينية(وهو ما تشير له الدراسة).وإن من يتصدر عملية الترويج لتلك الطروحات ،هو ذلك الجناح من مثقفي اليسار الذي انضم لصفوف المثقفين الليبراليين المهزومين،بعد تحوله من موقع التبعية للمركز السوفييتي السابق،إلى موقع التبعية للمركز الإمبريالي الأمريكي،متنصلاً مما كان يدافع عنه من قيم ومبادئ ثورية بات ينظر لها باعتبارها مجرد شعارات رومانسية وخيالية لم تورث شعوبنا غير الهزائم والنكبات.أي أن تلك الطروحات الهروبية، لم تأت وليدة أزمة الفعل المقاوم كما يعتقد واضعو الدراسة،بقدر ما جاءَت وليدة أزمة قوى اليسار الفلسطينية والعربية،التي انحسر دورها في ميدان المواجهة مع الحلف الاستعماري لعوامل ذاتية وموضوعية.ونضيف هنا،بأن واضعي الدراسة لم يغفلوا الحديث عن هذه الأزمة للقوى القومية والماركسية ،لكنهم ومن موقعهم الجغرافي،لم يدركوا مدى عمق هذه الأزمة في الوسط اليساري الفلسطيني الذي ظلت قواه الأساسية وعلى مدى أكثر من ربع قرن،مترددة بين نهج التسوية ونهج المقاومة والتحرير،بما أدى إلى تخلخل وهزال بناها التنظيمية.  

وبشأن ما تطرحه الدراسة عن أزمة الفعل المقاوم الفلسطيني،فإننا نريد القول بأن هذا الفعل قد دخل مرحلة جديدة من المواجهة يمكن اعتبارها تطوراً نوعياً ،تمثلت أولاً في أسر الجندي الصهيوني،وفي استخدام الصواريخ المصنعة محلياً ،وفي استمرار تهريب السلاح إلى المقاومين،وفي تقدم عملية تدريب المقاتلين وإعدادهم لمواجهة واسعة مع قوات العدو،وقد تحقق ذلك كله ،مع إجبار الصهاينة على ‘إخلاء قطاع غزة الذي بات برغم الحصار المضروب من حوله،منطقة محررة أمكن محاصرة دور العملاء فيها الذين كانوا عوناً للمحتلين.ومع إدراكنا لكون القطاع لم يتحوَّل إلى جنوب لبنان آخر،فقد أمكن تحويله بالفعل إلى جبهة يقف أمامها العدو عاجزاً شأن وقوفه أمام الجبهات الإقليمية الأخرى التي يحسب حسابها هذا العدو ويتردد في إشعالها خشية الكشف عن هشاشة جبهته الداخلية التي لم تعد بمنأى عن أية مواجهة عسكرية ،بعكس ما كانت عليه الأوضاع على مدى ستين عاماً،وذلك بفعل التطوُّر الكبير الذي أدخل على صناعة الصواريخ في العالم،

وإذ نتوقف عند الانقسام السياسي والجغرافي الذي ضرب الساحة الفلسطينية،فإننا نقر بخطورة هذا الانقسام الذي بات يعم المنطقة نتيجة الفرز الحاد الذي أحدثه حجم التدخُّل الأمريكي في شؤون هذه المنطقة عقب احتلال العراق ونشر الوجود العسكري الأمريكي في أرجاء العالم العربي.وقد بات واضحاً بأن ما يمنع استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية ،هو القرار الأمريكي الحاسم بعدم تحقق هذه الوحدة إلا إذا جرت على قاعدة إنهاء نهج المقاومة ،لتغدو وحدة وهمية على المستوى الجغرافي،تقطعها مئات الحواجز الصهيونية،ووحدة التسليم بمؤامرة التصفية على المستوى السياسي.وغني عن القول بأن صمود التيار المقاوم في ظل هذه الظروف البالغة التعقيد،هو الضمانة الوحيدة لاستعادة الوحدة الوطنية على قاعدة استمرار الصراع مع المشروع الاستعماري الذي يتهدد مستقبل المنطقة.

وما يمكن قوله بشأن موضوعة الوحدة الوطنية،هو أن الدراسة لا تتوقف طويلاً عند دور قوى اليسار في تكريس الانقسام القائم ،إذ أنه من دون التحاق هذا اليسار بنهج أوسلو ودعمه للتيار الذي بات أسير المشروع الأمريكي الصهيوني،فإنه ما كان بمقدور التيار المذكور ،أن يستمر في الرهان على هزيمة نهج المقاومة وعلى تراجع تيارها وخضوعه لإملاءات الحلف الأمريكي الصهيوني الرجعي والتحاقه بمشروع التصفية.

وقد نعيد إلى الأذهان ،بأن ما أنجزته الثورة الوطنية المعاصرة في إطار منظمة التحرير،هو استعادة وحدة الشعب الفلسطيني التي مزقها قيام الكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني (كوحدة نضالية تعوض غياب الوحدة الجغرافية)،وإن تجديد الثورة ،هو الكفيل باستعادة هذه الوحدة ،وذلك ما يدركه الحلف المعادي بوضوح تام،وهو يسعى إلى واد عملية التجديد عن طريق إنهاء المقاومة وهزيمة تيارها.

 وبالنسبة لموضوعة التهدئة ،فمن الواضح أن فرضها كان حاجة صهيونية كما هو حاجة بالنسبة للتيار المقاوم الفلسطيني، لتكون هذه التهدئة الهشة،بمثابة استراحة محارب على جانبي جبهة القتال والمواجهة،الأمر الذي يدركه الطرفان المتجابهان وهما يستعدان لجولة حاسمة قد لا تتأخر طويلاً.

وعن قبول حركة حماس لحل الدولة في حدود عام 1967،فإنه يمكن القول ،بأن الوعي العام الفلسطيني قد تجاوز الخلاف حول هذه المسألة،مدركاً أنه لا يمكن إلحاق الهزيمة بالمشروع الصهيوني بضربة واحدة،ليكون الخلاف كما هو جارٍ الآن ،وكما جرى منذ إقرار البرنامج المرحلي في دوائر منظمة التحرير،هو حول سبيل تحقيق هذا الانجاز المرحلي،والذي يشكل تحققهُ تقدماً تاريخياً على طريق إلحاق الهزيمة النهائية بهذا المشروع،ولذلك فهو لن يتحقق عن طريق التعويل،  على الإرادة الدولية المنحكمة لإرادة القوى الضالعة في هذا المشروع،وإنما عن طريق استمرار المقاومة وتصاعدها عبر خطة تركِّز على نقاط الضعف في جبهة العدو التي لم تعد خافية على المقاومين على امتداد الساحة العربية.

وبشأن تورُّط حركة حماس في أمور الحكم والسلطة كما تطرح الدراسة،فإن المسألة هنا ليست أحادية الجانب،إذ ليس من دواعي الثورية،أن يُُترك القرار السياسي في الساحة الفلسطينية بيد التيار الذي بات أسير الإملاءات المعادية،والذي غدا صاحب مصلحة في سحق التيار المقاوم ،وشريكاً في العدوان على هذا التيار .وفي ظل الوضع الذي نشأ على الساحة الفلسطينية عقب انتخابات المجلس التشريعي وتداعياتها،فإن المعركة الأساس ،هي تلك التي تدور مع جبهة الحلف الاستعماري التي يشكل الكيان قوتها الضاربة،وعلى قوى المقاومة،أن تنأى بنفسها عن الغرق في صدامات جانبية تستنزف قواها كما يخطط الأعداء مدركة بأن الحسم يتحقق حين يتم إحباط أهداف الاجتياح الصهيوني في القطاع،لكن عليها بالمقابل،ألا تقع فريسة التهويل حول تحريم تلك الصدامات الجانبية ،ذلك أن حماية المقاومة مع إبقاء باب المصالحة الوطنية مشرعاً ،هو جزء من المعركة التي فرضت على قوى الصمود والمقاومة في فلسطين والمنطقة.

وعن شعار "الدولة الإسلامية" الذي يطرحه التيار الإسلامي المقاوم كما تشير الدراسة،فإنه يمكن القول،بأن هذا الشعار لم يطرح بصورة معلنة في خطاب هذا التيار كما كان الحال بالنسبة لحزب الله في لبنان في مرحلة نشأته ،وقبل أن يغدو الأكثر حرصاً على صيغة التعايش اللبنانية من موقعه على خطوط القتال والمجابهة مع الكيان وحلفه الاستعماري.

وقد نشير هنا،بأن من يتصدى لمشاريع العدو ومن يتحمل العبء الأساس في عملية المجابهة،لا بد وأن يستوعب أهمية وحدة القوى التي تقوم على أساس التعددية.كما نشير أيضاً،بأن تقدماً على المستوى الفكري بات يعم الساحة العربية ومن ثم الفلسطينية،حول عدم موضوعية التناقض بين الإسلام وبين المشروع القومي التحرري للأمة العربية،ونشير في النهاية،بأن ما يعيق تقدم حماس والتيار الإسلامي بوجهٍ عام على طريق الشراكة الوطنية،هو حالة الضعف وفقدان الوزن التي تعيشها القوى ذات المرجعية القومية والماركسية الفلسطينية،بما جعل بعضها ملحقاً بتيار أوسلو ،وإننا إذ نقيِّم على هذا الصعيد،ما دعت له الدراسة من ضرورة نبذ موقف العداء تجاه التيار الإسلامي على الساحة الفلسطينية(والعربية بوجه عام)،فإننا ندعو واضعي الدراسة،إلى متابعة ما يصدر عن اليسار المأزوم،من خطاب التشكيك بالتيار المذكور والذي لا يمكن وضعه في باب النقد البنَّاء ،أو في باب الحرص على استعادة الوحدة الوطنية في إطار منظمة التحرير على أرضية نهج استمرار وتصعيد المقاومة وليس على قاعدة الأوهام حول إمكانية التعايش مع المشروع الصهيوني التي يعبر عنها أمين عام هذا التيار.

وفي الختام نقول،بأن حركة المقاومة الفلسطينية كما هو حال قوى الصمود والمقاومة العربية،تواجه صعوبات جدية،أما الأزمة والمأزق التاريخي،فهما باديان على جبهة القوى المعادية،التي أخذت تدرك حدود قوتها وهي تصطدم بمقاومة وقوى صمود عربية ،أمكنها وخاصة على مستوى الأداء القتالي ،استيعاب دروس الصراع المستمر على مدى عقود من الزمن مع المشروع الاستعماري الصهيوني .   

 

  

 

 

  

 

 

 

 
رجـوع