كتاب / القضية الفلسطينية أمام خطر التصفية

 

                                                                                               غطاس أبو عيطة

 

على مدى 560 صفحة من القطع الكبير،يتصدى الكاتب والباحث توفيق المديني،لعرض مجريات الصراع الفلسطيني – الصهيوني في إطار الصراع العربي - الصهيوني على امتداد عقود من الزمن،متوقفاً عند محطاتٍ بارزة في هذا الصراع ،ومبيناً أن ما يدور الآن،هو مواجهة بين قوى الصمود والمقاومة العربية،وبين المشروع الأمريكي الصهيوني الرامي إلى تصفية قضية فلسطين كمدخل لإقامة نظام شرق أوسطي جديد يهيل التراب على المشروع القومي التحرري للأمة العربية.

وخلال عرضه المستند إلى الشواهد التاريخية ،وإلى كمٍ وافرٍ من التحليلات والآراء المتباينة لمفكرين وباحثين واستراتيجيين عرب وصهاينة ومن أرجاء العالم،يبيِّن الكاتب بأن جذر الخطر على قضية فلسطين،تمثل في تعميم نهج التسوية على الساحتين الفلسطينية والعربية بتأثير هزيمة حزيران عام 1967،وذلك حين جرت المصالحة بين حركة التحرر العربية القائمة على أرضية المشروع القومي التحرري الذي قاده نظام عبد الناصر ،وبين النظم العربية التابعة التي ربطت نفسها بالمشروع الاستعماري النقيض ،والتي تجلت (هذه المصالحة) في مقررات قمة الخرطوم،التي قامت على أساس الفصل بين الكيان الصهيوني وبين القوى الاستعمارية الغربية راعية هذا الكيان والتي أشرفت على إقامته في قلب الوطن العربي خدمة لأطماعها في المنطقة،حيث تولى السادات استجابة لتوجيهات كيسنجر ،مهمة ترسيخ النهج المذكور،واضعاً أوراق المنطقة بيد الإمبريالية الأمريكية التي غدت منذ الحرب العالمية الثانية قائدة المراكز الاستعمارية.

وعلى هذا الصعيد ،يتابع الكاتب خطوات القيادة التي هيمنت على منظمة التحرير الفلسطينية على طريق التلاؤم مع فكر التسوية،طارحة في البداية،حل الدولة الديمقراطية لقضية فلسطين،التي تساوي بين حقوق الفلسطينيين بعد تحويلهم إلى جماعات طائفية،وبين حقوق المستوطنين اليهود،ومنتقلة بعد ذلك إلى حل الدولتين تحت شعار المرحلية،بما رافق ذلك من تنظير يستجدي تعاطف ما يسمى بالمجتمع الدولي من خلال إظهار النوايا الحسنة تجاه المستوطنين اليهود،نازعاً عن مشروعهم الاستعماري الاستيطاني صفته الاغتصابية والعنصرية والعدوانية،الأمر الذي أفضى إلى اتفاق أوسلو الذي يقوم على أرضية المشروع الاستعماري النقيض للمشروع القومي التحرري للأمة العربية وفي قلبه المشروع الوطني التحرري للشعب الفلسطيني.

وما يكشف عنه الكاتب، هو أن صفقة أوسلو التي جرى الترويج لها على أنها تجسيد للمرحلية،وأنها تشكل خطوة على طريق تحرير فلسطين ،قد أفضت عبر الوقائع التي أفرزتها،إلى وضع قضية فلسطين على سكة التصفية،وإلى فتح الباب واسعاً أمام النظام الشرق أوسطي الذي سارعت مجموعة النظم العربية التابعة إلى الانخراط فيه عبر المؤتمرات الاقتصادية التي انعقدت في العواصم العربية وعبر علاقات مع الكيان، وهي التي عملت على مدى عقود من الزمن، لإيصال منظمة التحرر الفلسطينية إلى موقع التسليم بالمشروع الاستعماري انسجاماً مع الوقائع التي فرضها هذا المشروع.

ويتوقف الكاتب، عند مقاومة الشعب الفلسطيني لمسار التصفية، مفجراً انتفاضته الكبرى الأولى عام 1987،رداً على مقررات قمة عمان في العام ذاته،ومجدداً مقاومته المسلحة للمشروع الصهيوني الذي حقق قفزة في ظل أوسلو سواء على طريق تهويد الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967،بما قاد إلى تبديد حلم الدولة المستقلة،أو على طريق التغلغل في المحيط العربي،وذلك حين أطلق هذا الشعب انتفاضته الكبرى الثانية في أيلول عام 2000، والتي سجلَّت بروز دور الحركات الإسلامية في النضال التحرري الفلسطيني، مجددة طاقات شعب فلسطين بعد أن توهم الأعداء بتلاشيها على وقع أوهام الحلول السلمية التصفوية.

ومع انتفاضة الأقصى وتنامي حضور تيار المقاومة على الساحة الوطنية الفلسطينية ،جاء الانقسام الذي ضرب الساحة ،وذلك في موازاة الانقسام الذي عم المنطقة وطال كل ساحة عربية،وهو انقسام بين نهج الصمود والمقاومة من جهة، وبين نهج الخضوع للمشروع الاستعماري من جهة ثانية، والذي دخلت على خطه الإمبريالية الأمريكية بكل ثقلها ،بعد أن غدت منذ نشر قواتها في المنطقة، وغزوها للعراق،لاعباً أكثر فاعلية فيما يتعلق بمسار الأحداث في المنطقة، موسعة اعتمادها على نظم وقوى سياسية وفئوية عربية عملت على بناء تحالفٍ بينها وبين القاعدة الصهيونية التي بقيت ركيزة أمريكا الأساسية في سعيها  لفرض هيمنتها على دول وشعوب المنطقة.

ورغم تعقُّد الصراع في ظل ضراوة الهجمة الاستعمارية التي تقودها أمريكا على المنطقة العربية والإسلامية ،فقد حققت قوى الصمود والمقاومة انتصارات مؤزرة على الحلف الاستعماري وأعوانه،حيث تم إخراج قوات الاحتلال من قطاع غزة وتفكيك مستوطناته،وإلحاق هزيمة مدوية بآلة العدو الصهيوني العسكرية على يد المقاومة اللبنانية،وترافق ذلك مع الغرق الأمريكي في المستنقع العراقي بفضل مقاومة شعب العراق البطولية،ومع صمود سورية بوجه التهديدات ومخطط الحصار والعزل،وفشل الحلف الاستعماري في تطويع الموقف الإيراني المناهض لمؤامرة إعادة رسم خريطة المنطقة.

وما يبينه الكتاب من خلال عرضه لتداعيات الأحداث في المنطقة وعلى الساحة الفلسطينية ،هو أن الخطر ما زال قائماً على قضية فلسطين ،وأن مخطط التصفية لم تجر هزيمته،ذلك أن القوى الاستعمارية ما زالت متمسكة بمشروعها،وما زالت قادرة على الد فع بهذا المشروع بأساليب جديدة تعمل على ابتكارها معتمدة على ما تملكه من مصادر القوَّة، وعلى من أمكنها تجنيدهم على أرضية هذا المشروع من قوى إقليمية ودولية لا يستهان بإمكاناتها.  

وعلى هذا الأساس يختتم الكاتب رحلته الشاقة، خائضاً عباب أكداس من الأحداث والتطورات، ومن المراجع والوثائق والتحليلات ووجهات النظر المتباينة والمتعارضة، مقسماً كتابه إلى مقدمة وعشرة فصول وخاتمة، لتشمل العناوين الرئيسية : (( أمريكا وإسرائيل : الإرهاب سلاح الأقوياء )). ((إخفاق ولادة الشرق الأوسط الجديد من فوضى الحروب )). ((انهيار عملية التسوية والانتفاضة الفلسطينية الثانية)). ((الفلسطينيون وتلاشي حلم الدولة )). ((ما بعد عرفات)).((الانسحاب من غزة ونهاية الإمبراطورية الإسرائيلية)).((حرب لبنان الثانية وتأثيراتها المدمرة على إسرائيل)). ((المأزق الاستراتيجي للمقاومة الفلسطينية)).((أزمة السلطة الفلسطينية ومخاطر الحرب الأهلية)). ((قيام مؤتمر أنا بوليس هل كان لإقامة الدولة الفلسطينية أم لتصفية قضية فلسطين)). وهي عناوين لا تنعكس مضامينها بالوضوح المطلوب في المادة التي يجري عرضها ،ويعود ذلك في رأينا ،إلى ضخامة المهمة التي تصدى لها الكاتب،والتي تحتاج إلى العديد من الدراسات والمجلدات التي يختص كل منها بجانب من جوانب هذه الملحمة التاريخية.

وذلك ينقلنا إلى الملاحظات التي يمكن وضعها على سياق ومادة الكتاب:-

1-   بسبب طول المدة التاريخية التي يتعرض لها الكتاب ،وبفعل تشابك الأحداث وتعقدها وخاصة في المرحلة الأخيرة من الصراع ،ونتيجة استمرار هذا الصراع الذي لم تتحقق فيه الغلبة لطرفٍ على الطرف الآخر رغم بلوغ التردي الرسمي العربي ذروته في هذه المرحلة،وبروز المأزق التاريخي للمشروع الصهيوني بالمقابل،وتداعي زخم حملة الإخضاع الأمريكية ،فإن مادة الكتاب تبدو وكأنها غير مترابطة،وأنها تفتقد إلى سياق واضح يمكن معه رسم مآل الصراع الدائر والذي يقوم محوره على مستقبل القضية الفلسطينية.ففي الوقت الذي تقول فيه بعض عناوين الكتاب ،بأن الانسحاب الصهيوني من غزة ،شكل إيذانا بنهاية الإمبراطورية الإسرائيلية ،وأن حرب لبنان الثانية،تركت تأثيرات مدمرة على الدولة الصهيونية ،تأتي عناوين أخرى لتقول العكس،متحدثة عن((انتحار المشروع الوطني الفلسطيني))وذلك في معرض التهويل بمخاطر الحرب الأهلية الفلسطينية عقب الانسحاب الصهيوني من غزة.

ولعل السبب الرئيسي في عدم وضوح وجهة السياق، هو وقوع الكاتب تحت إغراء عرض كل ما جمعه من مواد حول مجريات الصراع ،فنراه على سبيل المثال، يبرز بتوسع ظاهر،مطالعة شارون بشأن قرار الانسحاب من غزة،والتي تتحدث عن تفرُّغ الصهاينة لتكثيف الاستيطان في الضفة ولاستكمال تهويد القدس،وكأن الكيان الصهيوني غير قادر على ذلك من دون الخروج من غزة،وكذلك في إظهار الانسحاب وكأنه مكيدة صهيونية لإثارة الصدامات الفلسطينية الفئوية حول من سيحكم غزة، مع أن الانقسام  الفلسطيني نجم عن تصادم طبيعي بين نهج التحرير ونهج التسوية وهو الانقسام الذي ذر قرنه على امتداد الساحة العربية،وهكذا فإن الكاتب وبرغم العنوان الموحي الذي يضعه لحدث الانسحاب من غزة ،فإنه لا يسلط الضوء على مضمون هذا الانسحاب الذي يضرب أساس المشروع الصهيوني القائم على الاستيطان،حيث كان شارون قد أعلن قبل اضطراره للانسحاب من غزة وتفكيك المستوطنات فيها،بأن التخلي عن أي مستوطنة في غزة،يعني التخلي عن تل أبيب.  

2-   وإذ يتحدث الكاتب عن صعود دور التيار الإسلامي في النضال التحرري الفلسطيني، فهو لا يربط بصورة وثيقة،بين هذا الصعود ،وبين حركة الجماهير الفلسطينية في ساحة الداخل،التي أمسكت بقضيتها الوطنية بعد أن غدت هذه القضية في موقع الخطر الداهم،جراء خضوع النظام الرسمي العربي لمخطط التصفية كما أبرزت ذلك مقررات قمة فاس الثانية عام 1982،ومن ثم مقررات قمة عمان عام 1987،لتأتي الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في ذات العام،فتشكل حاملاً لنهوض فلسطيني جديد،أو لتجدد في الواقع حركة التحرر الوطني الفلسطينية بقيادة جديدة،وهكذا فإنه كان على الكاتب بدل أن يعمد إلى البحث عن شرعية تاريخية لهذا التيار ، متتبعاً دوره في تاريخ النضال التحرري الفلسطيني،أن يعمل على  إبراز هذه الشرعية،بالحديث عن  إمساك هذا التيار بزخم الحركة الجماهيرية التي انعزلت عنها قيادة منظمة التحرير المتحولة إلى سلطة، ومن الواضح أن هذه الرؤية،هي ما باتت تتلمسها قيادة التيار الإسلامي في حركتي حماس والجهاد،منطلقة من فكرة أن هذا التيار ليس منفصلاً وليس بديلاً عن قوى الحركة الوطنية الفلسطينية،وأنه امتداد موضوعي لهذه الحركة التي أفرزت في كل مرحلة من مراحل النضال التحرري الفلسطيني قيادة تعبر عن طاقات الجماهير الفلسطينية .   

3-   وما لا يبرزه الكتاب بالوضوح المطلوب،هو أن مآل منظمة التحرير الفلسطينية الذي انتهى إلى أوسلو ،قد ارتبط إضافة للعامل الذاتي ،بالواقع الذي كان مهيمناً على الساحة العربية قبل أن يبرز في الساحة نمط جاد من المقاومة التي تعبر عن طاقات الجماهير الشعبية في تعارض مع حركة النظام الرسمي والقوى المرتبطة بنهجه،وذلك لكي يحسم رؤيته،بأن الحركة الوطنية الفلسطينية التي تجددت في خضم الانتفاضة الكبرى ومن ثم انتفاضة الأقصى، إنما تستمد صلابتها من الواقع العربي الجديد،الذي يشكل انتصار المقاومة اللبنانية على القاعدة العدوانية الصهيونية في حرب تموز 2006 أحد عناوينه البارزة،الأمر الذي يضعف المخاوف التي يسوقها البعض بشأن مسار الحركة الوطنية الفلسطينية المتجددة،والتي ترى إمكانية خروج هذه الحركة،عن سكة التحرير تحت ضغط الحلف الأمريكي الصهيوني الرجعي،وهي رؤية لا تأخذ في الاعتبار،تجذر ثقافة المقاومة وسط الجماهير العربية .

4-   لقد حرص الكاتب – ونحن نتفهم ذلك من قبل باحث جاد على إبراز مساحة الضعف التي تغطي الواقع الفلسطيني والعربي دون إغفال منه لمواقع القوَّة.لكن ملاحظتنا،هو أنه لم ينظم نقاط القوَّة ضمن سياق صاعد ،يمتد من حرب تشرين إلى حرب لبنان الثانية،ويمر بتطهير قطاع غزة من جيش الاحتلال ومن مستوطناته،وذلك في موازاة المأزق الأمريكي في العراق،وإزاء صمود سورية وإيران،والسبب أن هذا السياق قد انحكم لطبيعة مادة الكتاب،التي بدت وكأنها دراسات متفرقة تحت عناوين مختلفة ،وكما ذكرنا سابقاً فإن اتساع الأحداث التي يتناولها الكتاب،هو ما أملى على الكاتب تقطيع تلك الأحداث بما أضعف سياقها العام.

ونود القول في الختام،بأن ما يقدمه الكاتب من مادة غنية على امتداد صفحات كتابه،من شأنه أن يلهم وأن يساعد باحثين آخرين،على القيام بقراءَة نقدية لمسار الصراع على الساحة الفلسطينية،بما يكشف الإنجازات الهامة والتاريخية التي حققتها الثورة الوطنية المعاصرة للشعب الفلسطيني عبر تضحيات جسام قدمتها الجماهير والقيادة أيضاً،وذلك لكي يكون النهوض الكفاحي الذي أطلقته انتفاضة عام 1987 على هذه الساحة،ومن ثم انتفاضة الأقصى ثم صمود غزة بوجه العربدة الصهيونية،امتدادا صاعدا لمسيرة هذا الشعب النضالية التي لم تتوقف على مدى قرابة القرن،لكي لا تقع القيادة الجديدة لهذا النضال في الأخطاء السابقة،من موقع تعاليها على تجربة قيادة منظمة التحرير،وعدم استيعابها للدروس الغنية التي اختزنتها تلك التجربة بما صاحبها من مظاهر إيجابية وسلبية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
رجـوع