|
الوطن العربي في الإيديولوجيا الصهيونية
غطاس أبو عيطة
إذا انطلقنا من حقيقة أن المشروع الصهيوني في المنطقة هو نتاج
المشروع الاستعماري الغربي ،وأن الحركة الصهيونية منذ نشأتها هي
وليدة الحركة الاستعمارية الأوروبية، فلا بد أن نرى بأن
الإيديولوجيا الصهيونية في نظرتها للوطن العربي وللشعوب العربية،قد
تشكلت على أرضية الإيديولوجيا التي صاغتها الحركة الاستعمارية
ومنظروها تسويغاً لغزو المنطقة العربية ، باستنادٍ إلى الموروث
التاريخي الأوروبي في النظر إلى شعوب المنطقة العربية والإسلامية
والذي يضرب بجذوره إلى ما قبل الحروب الصليبية،مع إضافة الخصوصية
اليهودية لتلك الإيديولوجيا التي تقوم على أساس نظرة عدائية تجاه
الشعوب الأخرى (الغوييم)،التي تكرست عبر التاريخ بفعل هيمنة أرباب
المال اليهود على الجماعات اليهودية في المجتمعات الشرقية في
الحضارات القديمة ثم في المجتمعات الغربية في العصور الوسطى
والحديثة.
فمرآة الاستشراق المرتبطة بالحركة الاستعمارية (وهناك استشراق غير
استعماري) ،بلورت صورة نمطية للإنسان العربي والإسلامي وللإنسان
الشرقي بصورة عامة،تصفه باللاعقلانية التي تفضي إلى العنف، وإلى
منع تطوره وتقدمه، وإلى كره الآخر الذي يتفوق عليه بصنع الحضارة
،خاصة ذلك الذي ينتمي للحضارة الغربية العقلانية،التي أوصلت
المجتمعات الغربية إلى الديمقراطية،فيما بقيت المجتمعات الشرقية
وخاصة العربية والإسلامية على بدائيتها، وظلت أسيرة الاستبداد
،والدكتاتورية،وكل ما يتعارض مع النظم العقلانية التي أقامها الغرب
والتي بنيت على أساس التعاقد الحر بين مكونات المجتمع(؟).
وهنا يمكن القول،بأن الأيديولوجيا الصهيونية كامتدادٍ للأيديولوجيا
الاستعمارية الغربية، عملت على ترسيخ فكرتين مترابطتين بالنسبة
لشعوب المنطقة، أولاهما أن هذه الشعوب بقيت بدائية طيلة تاريخها
وهي لم تنتج حضارات ،وثانيهما أن ما يظهر من آثارٍ حضارية في
المنطقة وليس في فلسطين وحدها، هو من نتاج الحضارة اليهودية التي
تشكل عبر التوراة إلى جانب الحضارة اليونانية ،أساس الحضارة
الغربية المتفوقة.وقد وُجد من يقول على هذا الصعيد،بأن أهرامات مصر
بناها اليهود الذين جاء خروجهم من مصر بسبب إضطهادهم من قبل الشعب
المتخلف هناك .
وقد نشير هنا ،إلى أن الحركة الصهيونية وداعميها من القوى
الاستعمارية ،أفادوا في تزويرهم للتاريخ ،من واقع أن الثقافة
اليهودية القديمة كما تعكسها التوراة هي جزء من ثقافة المنطقة ،
وكما لاحظ إنجلز ،فإن التوراة قد دوَّنت ثقافات شعوب المنطقة
ونسبتها لليهود.وغني عن القول بأن الحركة الصهيونية راحت تقدم
التراث الفلسطيني باعتباره ملكاً للمستوطنين الصهاينة.وفي الكتب
المدرسية الصهيونية،يتم تقديم العواصم والمدن العربية بدون عمرانها
الحضاري،ولعله في هذا السياق،جرى تدمير وسرقة الآثار الحضارية في
بغداد والعراق عقب الغزوة الأمريكية.
وإنه انطلاقاً من هذه النظرة تجاه شعوب المنطقة العربية والاسلامية،أتت
نظرية هنتنجتون الأمريكي تلميذ برنارلويس بشأن تفوق الحضارة
الغربية على الحضارات الأخرى،التي تقوم في أسفل سلمها الحضارة
الإسلامية من حيث عدائها لقيم الديمقراطية واستعصائها على
العقلانية،وهي النظرية التي أعادت إنتاج الإيديولوجيا الاستعمارية
الغربية بسمة أمريكية أشد عنصرية،لتكون في خدمة الحملة العدوانية
الأمريكية ضد شعوب المنطقة،تحت ذريعة نشر قيم الحضارة الغربية وسط
تلك الشعوب،بما يخلص البشرية مما تشيعه حضارتها وثقافتها الإسلامية
والشرقية من حروب ومن عدم استقرار في المنطقة وفي العالم.
وانطلاقاً من الرؤية ذاتها،أتت محاضرة البابا بندكت السادس عشر في
إحدى الجامعات الألمانية ،والذي اعتبر فيما طرحه،بأن الحضارة
الشرقية هي نقيض العقل والعقلانية،وأن الحضارة اليونانية الغربية
ومن ثم وليدتها الهلِّينية ،هي من أدخل العقلانية إلى المسيحية
،والتي بدونها كانت ستبقى هذه الديانة ذات النشأة الشرقية،أسيرة
الانفصال عن العقل كما هو حال الديانة الإسلامية التي حافظت على
روحها الشرقية،وكما هو حال حركة الإصلاح الديني المسيحية في
الغرب،التي دعت للعودة بالمسيحية إلى ينابيعها الشرقية،ومن هذا
المنطلق – كما يشير البابا في محاضرته – يمكن فهم لماذا استندت
الديانة الإسلامية إلى العنف والذراع والسيف وليس إلى الإقناع
ومنطق العقل في انتشارها،بعكس ما فعلت المسيحية التي لقحت بقيم
الحضارة الغربية القائمة على قوة العقل والمنطق(؟).
لقد عمدت الحركة الصهيونية برغم كونها حركة علمانية في الأصل ،إلى
ربط مشروعها الاستعماري الاستيطاني بأسطورة أرض الميعاد التوراتية
،في سعيها لإضفاء شرعية دينية على هذا المشروع، تلقى تجاوباً لدى
الجماعات اليهودية، ودعماً من الأوساط المسيحية الغربية التي نزعت
إلى الصهينة في عقائدها الإصلاحية.كما ربطت مشروعها بفكرة حل
المسألة اليهودية .وهنا نشير إلى حقيقة أن الحركة الصهيونيةقد نشأت
مع تحول الحركات القومية الأوروبية عن فكر التنوير الذي جسدته
مبادئ الثورة الفرنسية حول الحرية والآخاء والمساواة،إلى الفكر
العنصري الرجعي الذي يبرر استعمار الشعوب الآخرى في آسيا
وإفريقياوفي العالم الجديد.إذ على هذه الخلفية العنصرية ،جرى تلفيق
قوميةٍ يهودية تنزع للاستعمار ،وتقيم دولة يهودية على أساس حل
الغيتو للمسألة اليهودية وليس على أساس الحل الذي يقوم على اندماج
الجماعات اليهودية في إطار الدول التي يعيشون فيها على قاعدة فكر
التنوير .
وقد لاحظ الدكتور.مجدي حماد في دراسته المقارنة حول طبيعة النظم
الاستعمارية الاستيطانية، بأنها جميعاً قد أضفت الطابع الديني على
غزوها الاستعماري ،مظهرةً أن اختيار البلاد المستعمرة من قبل
المستعمرين المهاجرين ،تم بوحي من الإرادة الإلهية.وبالنسبة
للمهاجرين البريطانيين الذين غزوا أمريكا الشمالية،فقد اعتبروا
أنفسهم يهود الروح الأهم من يهودية الدم واللحم،وأنهم إنما خرجوا
من بريطانيا التي تمثل مصر القديمة ،بدعوة إلهية لإقامة إسرائيل
الجديدة لشعب الله المختار في أرض كنعان .وهذا الإرث الديني
المنغرس في وعي المهاجر الأمريكي،هو ما يدفع رئيس أمريكي بثقافة
بوش الإبن الاسطورية ،إلى إظهارِ كل ذلك الهوس في دعم الدولة
اليهودية التي هي دولة مهاجرين شأن الدولة الأمريكية،بل إنه حول
هذه الرابطة الروحية بين أمريكا و
إسرائيل، تحدث مؤخراً أكثر من مسؤول أمريكي ،وهناك اعتقاد وسط
كنائس أمريكية متصهينة يرى بأن عودة المسيح مرتبطةٌ بسيطرة إسرائيل
على المنطقة وتجمع اليهود فيها .
لقد مضت الإيديولوجيا الاستعمارية الغربية ومن ضمنها الصهيونية
بعيداً في تصنيفها للشعوب وحضاراتها،نازعة لدواعي المصلحة
الاستعمارية ،السمة الإنسانية عن الشعوب غيرالغربية.فما بنيت عليه
رواية الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت بشأن قيام الولايات المتحدة
الأمريكية على أنقاض سكان أمريكا الشمالية الأصليين،هو أن هؤلاء
السكان ليسو شعباً ،وأن وجودهم في تلك"البراري التائهة"كان جزءاً
من الحياة البرية فيها التي تشمل الحيوانات والنباتات،بما يعني أن
ما قام به المهاجرون المستعمرون في هذه القفار،هو أنسنتها بعد أن
كانت خارج نطاق الحياة الإنسانية،وسنرى بأن الرواية الصهيونية بشأن
إقامة استعمارها الاستيطاني على أرض فلسطين،قد استندت إلى ذات
الأطروحة،وهي أن فلسطين هي أرض بلا شعب ،وأن من كانوا منتشرين فيها
هم جزء من الحياة البرية،وأنهم بسبب بريتهم أو بدائيتهم، حولوا هذه
الأرض إلى صحاري قاحلة،وأن ما يعمل عليه المستوطنون اليهود هو
إعادة الحياة إلى تلك الأرض.ولم يتأخر ونستون تشرشل وزير
المستعمرات البريطاني ثم رئيس الوزراء إبان الحرب العالمية
الثانية،عن تبرير الجريمة التاريخية التي أقدمت عليها بريطانيا
بإقامة الدولة الصهيونية على أنقاض الشعب الفلسطيني،بقوله:((إنه
حين يقيل كلب في مكانٍ ما فترة طويلة من الزمن فإن ذلك لا يعني بأن
هذا المكان أصبح ملكاً له))في إشارة إلى الوجود الفلسطيني القائم
منذ آلاف الأعوام.
وإنه إذ نزعت الحركة الصهيونية صفة الشعب عن الوجود السكاني
الفلسطيني سائرة في ذلك على هدي الحركة الاستعمارية الغربية ،فقد
فعلت كذلك ،وعلى خطى القوى الاستعمارية أيضاً فيما يتعلق بنظرتها
إلى وجود أمة عربية تتطلع نحو إنجاز وحدتها القومية كحال الأمم
الأخرى في عصر القوميات،وكما زُرع الكيان الاستيطاني الصهيوني على
يد القوى الاستعمارية كحاجز بشري في قلب الوطن العربي ،وكقاعدة
عدوانية تقوم على حماية ما فرض من تجزئة وتأخر على هذه الأمة ،فقد
عمد هذا الكيان ،ووفق ما ورد في وعد بلفور ،إلى التعامل مع ما تبقى
من الوجود الفلسطيني داخل الكيان،على أنه مجموعة من الأقليات التي
لا جامع بينها من هوية وطنية أو قومية ،لتسحب هذه النظرة على
الشعوب العربية في دول التجزئة،التي لا تعدو كونها جماعات أقلوية
في نظر الحركة الصهيونية كما القوى الاستعمارية الغربية،فرض عليها
أن تتساكن عن طريق القوة القسرية التي مثلتها الفتوحات الإسلامية
وما أنشأته من إمبراطوريات دكتاتورية انتهت بالإمبراطورية
العثمانية،والتي أطلق انهيارها آفاق تحرر تلك الأقليات أولاً عن
طريق التجزئة الاستعمارية،ومن ثم عبر مساعدتها على استكمال حريتها
بإقامة كياناتها الأقلوية(العرقية،والطائفية،والمذهبية،والقبلية)
على يد التحالف الاستعماري – الصهيوني الذي تقوده قيم الحضارة
الغربية(؟).
ولتبرير عدوانها على الشعوب، ولإضفاء الشرعية على غزوها واستعمارها
من أجل نهب ثرواتها، اعتبرت القوى والدول الاستعمارية، أنها تقوم
بمهمة حضارية إزاء تلك الشعوب بما يخدم مجموع البشرية.وهكذا فإنه
على الرغم من كون الحركة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية في
فلسطين،قامت على مبدأ احتلال الأرض والعمل ،وعلى أساس نفي الوجود
المادي والمعنوي لسكان فلسطين الأصليين،فإنها لم تُغفل تطعيم
إيديولوجيتها بالمزاعم التحضيريَّة،مدعية على سبيل المثال ،بأن ما
تأخذه من أرض من سكان البلاد الأصليين،تعوضه من خلال تحديث الزراعة
لديهم،بل في إدخال الصناعة إلى اجتماعهم،لتصل هذه المزاعم فيما بعد
إلى مجموع المنطقة العربية،حين أعلن شمعون بيرز عن دور القاعدة
الصهيونية الحضاري في بناء "الشرق الأوسط الجديد"،الذي يتزاوج فيه
المال العربي واليد العاملة العربية مع العقل اليهودي الإسرائيلي
الذي ينتمي للحضارة الغربية.
لكن الشعوب المتخلفة شأن الشعوب العربية،لا يمكن أخذها إلى الحضارة
وإلى القيم الديمقراطية طوعاً بحسب الإيديولوجيا الاستعمارية،بسبب
ما تنطوي عليه ثقافتها من الانغلاق ومن الاعتياد على الحياة
الاستبدادية ،وهنا تكون القوّة مبرَّرة في التعامل مع شعوب طال
خضوعها لمنطق القوَّة،وعلى هذه الأرضية الاستعلائية والعنصرية
والعدوانية،جرى اللقاء بين رؤية شمعون بيرز،ورؤية بنيامين نتنياهو
لمستقبل المنطقة،حيث أعلى الأخير في كتابه ((مكان تحت الشمس))من
دور الغلبة العسكرية في بناء مستقبل المنطقة،فيما أبرز توأمه
العنصري ،المكاسب الاقتصادية والحضارية لشعوب المنطقة حين تقودها
الدولة الصهيونية،وهي قيادة لا تتحقق من دون القوة ومن دون الغلبة
العسكرية خاصة مع النظم والقوى التي تقف عقبة أمام رخاء وتقدم
واستقرار المنطقة(؟).
ومن هذا المنطلق وجرياً على نهج القوى الاستعمارية،عمدت القاعدة
الصهيونية إلى تضخيم قدراتها العسكرية منذ البداية،وسعت عبر حروبها
العدوانية،لأن تُدخل في روع الإنسان العربي بأنه لا جدوى من تفكيره
بامتلاك أسباب القوَّة في مواجهة جيش لا يقهر،لأن تفوق هذا الجيش
إنما يستند إلى فجوة حضارية لا يمكن ردمها دون مساعدة القوى
الاستعمارية.
ومع دخول الإمبراطورية الأمريكية الكولنيالي على ساحة المنطقة إثر
التراجع النسبي للتفوق العسكري الصهيوني الذي برز في حرب تشرين ومن
ثم عبر المقاومة التي انطلقت على الأرض اللبنانية عقب اجتياح عام
1982،تكثَّف الهجوم الإيديولوجي على العقل العربي والإسلامي،لكي
يسلِّم بعدم جدوى المواجهة مع القوَّة الأكثر جبروتاً في تاريخ
البشرية.وتكيفاً مع هذه الهجمة الإيديولوجية الاستعمارية
والصهيونية،برز على الساحة العربية،من ينظِّر لعدم جدوى
المقاومة.ووجد من يطرح وعبر صحيفة وطنية ترى في تنوع وجهات النظر
مظهراً حضارياً((بأن الحروب التي سيقت إليها الشعوب العربية على يد
النظم الدكتاتورية القومية،لم تجلب لهذه الشعوب سوى الهزائم.. وسوى
الهبوط تلو الهبوط في مؤشرات التعليم والصحة وفرص العمل ومستوى
المعيشة،وأنه الآن ومع صعود الخطاب الديني- السياسي في لبنان
والعراق وفلسطين،فإن الشعوب العربية برغم إرادتها،تنزلق نحو المزيد
من توسيع دائرة الخصوم والأعداء،ونحو تصعيد لهجة الإنذارات
والتهديدات بالحروب والصراعات الحاسمة والنهائية ،فيما يبدو الطرف
المقابل كمن يرحب باندلاع حرب جديدة طالما أن نتيجتها ستكون المزيد
من الفوضى والدمار في أرض ومجتمع ومستقبل أصحاب هذا الخطاب))،وغني
عن القول ،بأن ما يطرحه هذا المنظِّر لثقافة الاستسلام ،يختزل خطاب
أقرانه من مروجي تلك الثقافة استجابة لما يراد فرضه على الوعي
العربي من التسليم بالهزيمة.
وإذ نوضح على هذا الصعيد،بأنه قد وجد دائماً وسط الشعوب التي تعرضت
للغزو من سلَّم بالهزيمة ومن نظَّر لفكرها باسم الموضوعية
والعقلانية،وأن ما نشهده على ساحتنا الثقافية من انحدارٍ يكاد يغرق
مراكز الإعلام العربية تعبيراً عن التسليم بالهزيمة ليس جديداً
وهولم يبدأ مع الهجمة المتجددِّة التي تقودها ضد شعوبنا
الإمبريالية الأمريكية في إعادة إنتاج للكولنيالية،فإننا نؤكد وعلى
الصعيد ذاته ،بأن الشعوب بصورة عامة لم تخضع يوماً لثقافة
الهزيمة،وأن شعوبنا العربية ليست أقل حصانة بوجه هذه الثقافة،وأن
تأخر هذه الشعوب في إنجازها لمشروعها القومي التحرري، ليس مرده ضعف
طاقاتها النضالية،أو ضمور وعيها واستعدادها للتضحية ،بقدر ما يعود
ذلك،إلى ضراوة الهجمة التي تعرض له مشروعها،ارتباطاً بأهمية
منطقتها على المستوى الاستراتيجي والنفطي،وبسبب أهمية دور هذه
الشعوب التاريخي في هزيمة الحركة الاستعمارية الغربية التي يهدد
استمرارها مستقبل الحياة على الأرض كما تجمع على ذلك الحركات
المناهضة للعولمة في صيغتها المتوحشة الأمريكية .
ولا بد من الإشارة هنا ،إلا أن النظام الاستعماري الاستيطاني في
قلب المنطقة العربية ،قد عجز عن التحول إلى دولة طبيعة في المنطقة
تحظى بشرعية من جانب سكان البلاد الأصليين في فلسطين ومن جانب
الشعوب العربية ،ذلك أن السلام الذي يراد فرضه على شعوب المنطقة،هو
سلام الخضوع للمشروع الاستعماري الغربي- الصهيوني
،الأمر الذي يبقي هذا النظام في حالة صراعٍ مع هذه الشعوب .وإنه مع
تنامي قدرات شعوبنا العربية النضالية،أخذ يبرز داخل هذا النظام،من
يعرب عن قلقه على مستقبل الكيان،ومن يعبر عن شكه بالأساس
الأيديولوجي الذي قام عليه والذي لم يحل المسألة اليهودية بقدر ما
فاقم من الخطر على حياة اليهود،وبدد من خلال جرائمه بحق الشعب
الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى التعاطف الذي ساد المجتمعات
الغربية مع اليهود باعتبارهم ضحايا المحرقة النازية.ومن هنا تأتي
علامة الإستفهام على استمرار وجود هذا النظام الإستيطاني الذي يشكل
آخر نظامٍ استيطاني في العالم بعد تحول النظم الإستيطانية في
العالم الجديد إلى دول طبيعية بعد القضاء على مقاومة شعوبها،وبعد
انهيار نظام الأبارتيد في جنوب إفريقيا وغيرها من البلدان
الإفريقية.
إن ما يقوم على أساسه المشروع الصهيوني،هو تدمير الهوية الوطنية
الفلسطينية ،وإهالة التراب على الهوية القومية للشعوب العربية ،وفي
حين ينزع دعاة الاستسلام إلى التصالح مع هذا المشروع ووقف الصراع
معه،فهم إنما يسلمون بما يرمي له من أهداف ،وهنا نود على هذا
الصعيد،أن ننوِّه بعظمة البعد الرؤيوي الذي يحكم موقف قوى الصمود
والمقاومة على الساحة العربية والإسلامية،والذي يتم التعبير من
خلاله- برغم ما يسود المنطقة من انحدار لم تشهد مثيله في تاريخها
المعاصر-عن الثقة التامة بهزيمة المشروع الاستعماري في المنطقة
وبانهيار ركيزته الصهيونية ،مؤكدين على أن هذه الروح الثورية،هي
التي تعبر عن طاقات الأمة ،وهي التي تقوم برسم مستقبلها بعيداً عن
المشاريع الاستعمارية،وفي اتجاه معاكس مع ما يشيعه دعاة الاستسلام
من أنه لا جدوى من مواصلة الصراع مع تلك المشاريع العدوانية
الإلغائية.
وهكذا نعود إلى الاستخلاص،بأن الإيديولوجيا الصهيونية تجاه الوطن
العربي هي ذاتها الإيديوليوجيا الاستعمارية الغربية،وإن المقاومة
الجادة التي طورتها قوى التحرر العربية خلال مسيرتها الكفاحية التي
لم تتوقف منذ حلول الاستعمار ،هي في سبيلها لإلحاق الهزيمة
النهائية بتلك الإيديولوجيا،ولاستعادة الثقة بمشروعنا القومي
التحرري الذي يشكل النقيض التاريخي لمشروع صهينة المنطقة الذي يتم
الترويج له تحت عنوان الشرق الأوسط الجديد والكبير.
(( تنويه: إنني لا أحمل اللقب العلمي الدكتور، فأرجو التصحيح))
|