|
|
||||||||||
|
||||||||||
رداً على هجاء المقاومات العربية !
غطاس أبو عيطة
يواصل مروجو ثقافة الاستسلام ،حملتهم ضد مراكز وقوى الصمود والمقاومة في المنطقة ،في تناغم بات مكشوفاً ومعلناً مع حملة التزوير والتضليل التي تشنها ماكنة الإعلام الاستعمارية .
فبعد التنظير الذي أتحفنا به حازم صاغية في باب هجاء المقاومات بصورة عامة " التي تؤسس جميعها للاستبداد "، ها هو المدعو عدنان مكية ومن ذات المنبر الإعلامي، يصبّ هجاءَه على المقاومات العربية، التي أدخلت المنطقة حسب رؤيته (أو تهدد بإدخالها)، في حالة من الصراعات المدمّرة .
فما يراه السيد مكية في قراءَته لمسار الأحداث التي شهدتها المنطقة والعالم منذ العقد الأخير للقرن العشرين ، هو أن "معظم العالم، قد مضى نحو حالة من السلم والاستقرار عقب الزلزال الذي أطاح بالاتحاد السوفيتي ومعسكره، كون هذا الزلزال قد أنهى حالة الاستقطاب التي كان يعيشها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي ظلت تثير النزاعات والحروب في أرجاء المعمورة .... لكنه بعكس الوجهة التي عمت العالم، بدت منطقتنا وكأنها وحدها التي تعرضت لتوابع الزلزال المذكور، والسبب في ذلك، هو بروز حركات مقاومة في هذه المنطقة، تدير ظهرها لمسار الأحداث في العالم، باستنادها إلى إيديولوجيا غيبية تتخذ من فهمها المغلق للاسلام مرجعية فكرية، ومن ثم، وجود نظمٍ استبدادية، تسعى إلى إطالة زمن وجودها من خلال دعم تلك الحركات التي تتولّى نشر الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة مغطية على شذوذ تلك النظم"(؟).
" وعلى الرغم من بروز نمطين مختلفين من هذه المقاومات الإسلامية – يمضي صاحبنا محللاً - ، بحيث تسلّم النمط الأول، لواء النضال الوطني المسلح كحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي وأمثالها على الساحة العراقية، فيما تسلّم النمط الثاني لواء النضال الأممي، كمنظمة القاعدة وتوابعها، فإن النتيجة كانت واحدة ارتباطاً بفعل النمطين المذكورين، وهي إبقاء المنطقة في حالة من عدم الاستقرار، بما بات يهدد مستقبل ومصير دول وشعوب المنطقة"(؟).
"فارتباطاً بإيديولوجيا هذه الحركات – المنفلتة من العقال السياسي - كما يقول السيد مكية، كان أن انزلقت نحو الدخول على خط الانقسامات الفئوية التي ما زالت تنخر بنية دولنا ومجتمعاتنا العربية، مفجرة تلك الانقسامات .... ثمّ نتيجة حاجة تلك الحركات للدعم المالي وغيره من أشكال الدعم، فقد غدت رهينة الجهات الداعمة لها الإقليمية والدولية، في انفصال عن إرادة وعن مصلحة شعوبها .... كما غدت إلى جانب ذلك ، أسيرة ردات الفعل المتناقضة، كونها لا تُخضع فعلها لمرجعية عقلانية تضبط هذا الفعل وتوجهه نحو غاية واضحة .وهكذا فإنه فيما أغرقت هذه المقاومات بنمطيها المذكورين أرض العراق في بحر من الدماء، فقد مضت حركة حماس،على طريق تحويل حرمة الدم الفلسطيني من خط أحمر – كما كانت تردد دائماً - ، إلى شبكة من الخطوط الخضراء،وذلك حين برّرت من خلال إيديولوجيتها المفتوحة على كل الاجتهادات(الفتاوي)، خوض حرب تحرير في غزة ضد من أسمتهم عملاء فتح .... وبالنسبة إلى ساحة لبنان، فإنه رغم مناقبية وصدقية قيادة حزب الله، إلا أن الأمور تمضي في ذات الاتجاه كما يجمع المراقبون، وخاصة حين يحرك الحزب قاعدته المذهبية لأجل أغراض سياسية، في دولة تقوم على أساس المحاصصة الطائفية والمذهبية، بما يدفع أتباع الطوائف والمذاهب الأخرى لأن يردوا بالمثل، مسكونين بقلقهم المبرّر إزاء سلاح المقاومة، الذي لن يتسنى له استمرار الوقوف خارج التجاذبات الداخلية،وذلك ما دلّلت عليه أحداث 23 و 25 كانون الثاني عام 2007 التي كادت أن تطلق شرارة الحرب الأهلية، وأكدته بعد ذلك، حادثة اغتيال الزيادين، التي أقدم على تنفيذها وسطٌ من القاعدة الاجتماعية لحزب الله لم ينضبط لتوجهات قيادته"(؟).
"وهكذا فإن المنطقة برمتها – كما يخلص صاحبنا – باتت تندفع نحو الهاوية، فيما يواصل حزب الله احتفاله بنصره الإلهي على العدو الأمريكي الصهيوني،وفيما يتغنى المتحمسون في محيطنا العربي، بمنجزات المقاومين الكارثية على الساحة العراقية،وتمعن قيادة حماس في الإعلاء من شأن انتصارها على العملاء والفاسدين،دون أن تلقي بالاً للمآل المظلم الذي دخلته قضية فلسطين جراء هذا الانتصار".(؟).
وإذ نرد على قراءَة السيد مكية لمسار الأحداث في المنطقة، فإننا نرد في الواقع، على خطاب تيار سياسي وثقافي،يستمد منطقه من حملة التضليل الأمريكية الصهيونية التي تأتي مترافقة مع حرب الإبادة العنصرية التي يشنها هذا الحلف الاستعماري ضد شعوب المنطقة تحت لافتة مكافحة الإرهاب .
فما يجمع عليه أصحاب هذا الخطاب من الباب، هو تجاهل أن هناك هجمة إمبريالية صهيونية على المنطقة، تسعى إلى إعادة رسم خريطتها مستندة إلى الوضع المستجد في موازين القوى الدولية،فحديث الهجمة الإمبريالية والمشروع الاستعماري الذي يراد فرضه على المنطقة بقوة العدوان ،هو في نظر أصحاب هذا الخطاب ، مجرد أكاذيب طالما عمدت على تعميمها النظم والقوى الاستبدادية،لكي تبرر عدوانها على شعوبها، متمترسة خلف الشعار السيئ الذكر،بأن" لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". فما يقوله السيد مكية على هذا الصعيد، هو أن منطقتنا العربية والإسلامية،كانت في سبيلها إلى التحرر من تلك الأكاذيب بعد إفلاس مطلقيها من القوى القومية واليسارية،لولا ظهور قوى أصولية تولت إعادة إنتاج الأكاذيب ذاتها،مستندة في ذلك إلى إيديولوجية دينية لا تختلف في جوهرها عن إيديولوجية القوى السابقة لأنها جميعاً تلتقي على تمجيد العنف"وعلى إعلاء ثقافة الموت"(؟).
وما يجمع عليه أصحاب هذا الخطاب بالمقابل،هو تبهيت المنجزات التي حققتها قوى الصمود والمقاومة في تصديها للمشروع الأمريكي الصهيوني،فمأزق الغزاة في العراق غير قائم في رؤية هؤلاء المتباكين على الاستقرار الذي ثمنه الخضوع والخنوع وضياع الحقوق .... واندحار الصهاينة عن قطاع غزة،جرى في نظرهم وفقاً للتكتيكات الصهيونية التي لا صلة لها بفعل المقاومة .... والنصر التاريخي الذي حققته المقاومة اللبنانيةعلى"الجيش الذي لا يقهر"مفتتحةً مرحلة جديدة في توازن القوّة مع الكيان الغاصب ووظيفته العدوانية يغدو مثاراً للهزء لدى هذا التيار،بعد أن وضع نفسه في موقع المهزوم إلى جانب الحلف الأمريكي الصهيوني الغربي .
وواضحٌ أن ما يسوقه هذا الخطاب من اتهامات للتيار الذي يتصدر في هذه المرحلة ، عملية المواجهة(وهو هنا التيار الإسلامي)، إنما يأتي استعادة لذات الاتهامات التي جوبه بها التيار القومي عندما كان يتولى قيادة عملية الصراع .... وكأن تجربة عقود من الزمن ، انقضت منذ بدء ما سمي بعملية السلام الإمبريالية ، لم تقنع أصحاب هذا الخطاب ، بأن السلام مع الحلف الإمبريالي ، يعني المزيد من الحروب ومن سفك الدماء والدمار، والمزيد من التطاول على الحقوق العربية ، كما يعني في نظر المستعمرين ، الخضوع لمنطق القوّة، لأن عدم الخضوع يعني رفض قيم السلام التي يحدد مضامينها الطرف المنتصر الذي يفرض مصطلحاته على الطرف المهزوم .
وإنه إذ يركز هذا الخطاب هجومه على القوى الإسلامية،(باعتبارها مصدر عدم الاستقرار في المنطقة وليس مشاريع السيطرة الاستعمارية)، فهو يطمس حقيقة أن الفرز الجاري على الساحة العربية ، هو بين من أعلنوا التحاقهم بالمشروع الاستعماري بغض النظر عن مرجعيتهم الفكرية أو انتمائهم الفئوي، وبين من وقفوا في خندق التصدي لهذا المشروع.ذلك أن حزب الله ، ليس وحده من يقف بكل شموخ في مواجهة تحويل لبنان إلى مركز اختبار لتطبيق مشروع الشرق الأوسط الجديد،بل يقف معه ، تيار واسع يضم مختلف القوى السياسية من مختلف الفئات الطائفية والمذهبية .... وأن حركة حماس من موقعها في التصدي لمؤامرة تصفية قضية فلسطين،قداجتذبت أوساطاً مسيحية أعطت أصواتها لهذه الحركة في الانتخابات التشريعية، حيث لم تربك هذه الأوساط ، المواقف الانتهازية لقوى تدعي العلمانية واليسارية، والديمقراطية والعصرية. وحين يستهجن هذا الخطاب ، تحالف نظام ذي مرجعية قومية في سورية مع حزب الله ومع حركة حماس ، فإنه يغفل وقوف قوى قومية وإسلامية ويسارية في العراق ، على أرضية واحدة ، وهي أرضية العمل على دحر الغزاة المحتلين واستعادة وحدة واستقلال العراق وصيانة هويته العربية الإسلامية .
ونود أن نوضح في الختام بأن الصفاقة الحادة التي بات يتسم بها خطاب تيار الاستسلام،إنما هي مؤشّر على إفلاس هذا الخطاب الذي بنى منطقه على الثقة التامة بأن المشروع الأمريكي الصهيوني هو قدر لا راد له بالنسبة لمآل الأوضاع في المنطقة"التي بقيت على امتداد قرون من تاريخها،تتحدد مصائرها وفق مشيئة الخارج"(؟) .... فمثل هذه الصفاقة،تمليها روح المكابرة لدى أصحاب هذا الخطاب.وذلك ضمن محاولة يائسة لإقناع أنفسهم،بأن ما تعرض له المشروع الاستعماري من ضربات حاسمة،يمكنه فقط أن يعيق تقدم هذا المشروع لكنه لن يغيّر مسار الأحداث (؟). غير أن الثقة التي يتظاهر بها هؤلاء في تعويلهم على حتمية انتصار المشروع الاستعماري،لا يتفق مع ظاهرة تهاوي فرسان هذا المشروع على الساحتين الأمريكية والصهيونية وعلى الساحة الأوروبية أيضاً،ثم مع ما يشهده العالم من تحوّلٍ باتجاه قيام نظام دولي متعدد القطبية على أنقاض النظام الذي حلمت به إدارة بوش الإبن وهي تخطط لحكم العالم انطلاقاً من تحكمها بهذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية والنفطية .