|
أيها العرب : كفو عن
مقاومة الحلف الاستعماري؟!
غطاس أبو عيطة
أحد كتبة الأعمدة في صحافتنا
العربية،وبعد قراءَة سريعة يقدمها لنا حول تقدير الصحافة الأمريكية
لاحتمال نشوب حرب في المنطقة أو عدم نشوبها ،ينتقل بنا إلى الإعلان
،بأن الحروب في المنطقة العربية ومهما كانت نتيجتها المباشرة على
مستوى المواجهة العسكرية،لا تحمل غير الخسارة الصافية للشعوب
العربية،وذلك ما لا تريد إدراكه حسب رؤيته القوى المسببة
للحروب،وهي تواصل تقديم الذرائع ((للطرف المقابل))لكي يشن حروباً
جديدة على الجانب العربي ،وهو يعلم بالتجربة أثر هذه الحروب
المدمِّر على المجتمعات العربية.
فما يقوله كاتبنا في هذا الصدد
:-
-
"أن
الحروب تؤدي إلى تظهير كل المكنونات التفتيتية في بلداننا العربية
بما يفوق ما حل بالعراق من التفتيت بعد الاحتلال الأمريكي".
-
" كما
تؤدي إلى تعميق الردة الثقافية والاجتماعية،وإلى تعميم الظلامية
الفكرية والسياسية في العالم العربي ،وإنه في كل مرة يسير فيها
العرب إلى القتال،فإنهم يهملون ما يجره الصراع الدموي من انعكاسات
خطيرة على مجتمعاتهم،وهكذا عاشت تلك المجتمعات الهبوط تلو الهبوط
في مؤشرات التعليم والصحة وفرص العمل ومستوى المعيشة .. الخ نتيجة
الحروب المتكررة(؟)".
-
" ومن
يستجر الحروب الآن في المنطقة - حسب رؤيته – بعد أن وصلت إلى ما
وصلت إليه من انحدار على المستوى الفكري والسياسي والاجتماعي،هو
تلك القوى ذات الخطاب الديني- السياسي في لبنان والعراق
وفلسطين(قوى المقاومة)،الذي انزلق بالمنطقة نحو المزيد من توسيع
دائرة الأعداء والخصوم،وإلى تصعيد لهجة الإنذارات والتهديدات
بالحروب والصراعات الحاسمة والنهائية،في الوقت الذي يبدو فيه الطرف
المقابل كمن يرحب باندلاع حرب جديدة،طالما أن نتيجتها ستكون المزيد
من الفوضى والدمار في أرض ومجتمع أصحاب الخطاب الهجومي".
وإذ
نحاكم السياق الذي يضع فيه الكاتب أمور المنطقة،ونرد على المنطق
الذي يستخدمه في تخريج هذا السياق ،فإننا نقول التالي:
أولاً
– إن هذا
الكاتب شأن أترابه من مروجي ثقافة الاستسلام،يحمِّل الطرف المعتدى
عليه وهو هنا الشعوب العربية،مسؤولية ما يتعرض له من عدوان.ومنطقه
في ذلك،بأنه ما دام العرب هم الطرف الضعيف،فإن عليهم أن يسلموا
بضعفهم،وأن يقبلوا بما يمليه عليهم الطرف القوي من شروط فيما يتعلق
بقضاياهم،لأن قبول تلك الإملاءات ومهما كانت مجحفة وغير عادلة،تظل
أقل ضرراً على الجانب العربي مما تحمله الحروب واستمرارالصراع(؟).
وما
يغفله الكاتب هنا ،شأنه شأن أترابه من مروجي ثقافة الاستسلام،هو
واقع أن شروط من يسميه بالطرف المقابل -أي العدو الاستعماري
الصهيوني - لا يمكنها أن تقف عندحدود،لأن ما يستهدفه هذا الطرف في
نهاية المطاف،هو إيصال الجانب العربي إلى وضعٍ لا يعود فيه قادراً
على مجرد التفكير بالدفاع عن أبسط حقوقه أو مصالحه.وذلك ما يرمي
إلى بلوغه مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يمزق الدول العربية
القائمة على أساس مكوناتها الفئوية ما دون الوطنية،بعد أن بدا لهذا
العدو ،بأن التجزئة التي فرضت على العرب ، والدور العدواني الذي
اضطلعت به القاعدة الصهيونية التي زرعت في قلب العالم العربي
لحراسة التجزئة والتخلف،لم يعودا كافيين لضمان استمرار سيطرة هذا
العدو على المنطقة،واستمرار نهبه للثروات العربية.
ثانياً –
ويغفل الكاتب – كما يفعل غيره من مروجي ثقافة الاستسلام- بأن
((مكنونات التفتيت))القائمة في الأقطار العربية، إنما هي وليدة
التجزئة، ووليدة سعي العدو الدائم لضرب وإجهاض أي محاولة للنهوض
بالمشروع القومي العربي المناهض للتجزئة.وما تفعله أمريكا في
المرحلة الراهنة،هو منع أي تقارب عربي يقوم على أساس الرابطة
القومية،مدركة أن ذلك هو السبيل لإطلاق نزعات التفتيت داخل كل قطر
عربي لإنتاج الشرق الأوسط الجديد.وعليه تغدو المعادلة معكوسة عما
يطرحه الكاتب،أي أن مواجهة العدو الاستعماري هي مواجهة لمسار
التفتيت،والدعوة لعدم المواجهة إنما هي دعوة للتسليم بما يحمله
المشروع الاستعماري من التفتيت.وفي حالة العراق التي يطرحها
الكاتب،فإن ما يواجهه هذا البلد العربي من عملية التفتيت،هو من فعل
تدابير المحتلين وعلى رأسها حل الجيش الذي وحْده كان قادراًً على
حماية وحدة هذا البلد في ظل انحسار المشروع القومي الحاضن للوحدة
الوطنية.ثم إن من أوقف تقدم مخطط التفتيت على سائر الأقطار العربية
انطلاقاً من العراق ،إنما هو المقاومة البطولية التي فرضت على
الإدارة الأمريكية تغيير أولوياتها في المنطقة،متحالفة مع النظم
التي كانت اعتبرتها غير ديمقراطية لغرض الإطاحة بها وإطلاق مسار
التفتيت في أقطارها،ريثما تقضي – وفق حساباتها – على قوى الصمود
والمقاومة في المنطقة،لترتد بعد ذلك على تلك النظم،أو على من يقف
من بينها عقبة بوجه مخطط التذرير والتفتيت .
ونعود
إلى التذكير هنا،بأن انسحاب النظام المصري من خندق المواجهة مع
الحلف الاستعماري الغربي – الصهيوني، لم يحصِّن مصر أمام خطر
التفتيت الطائفي والجهوي الجاري التهيئة له،ولم يطلق طاقات شعبها
باتجاه البناء الاقتصادي والعلمي ونحو التقدم الاجتماعي،وإن ما
يحمي هذا البلد من الانهيار والفوضى وفق المخطط الأمريكي،هوخشية
أمريكا ممن يسميهم الكاتب بالقوى الظلامية غير مضمونة الخضوع
للمشروع الأمريكي.
ثالثاً –
وما يتوقف عنده الكاتب من ردة ثقافية واجتماعية تجتاح العالم
العربي،ومن ظلامية فكرية وسياسية معتبراً أنها وليدة الحروب،في حين
أن هذه الظاهرة هي وليدة ردة الفعل من ذات النوع على الهجمة
العنصرية التي تقودها أمريكا على دول وشعوب المنطقة.وبالنسبة
للخداع الذي يمارسه الكاتب،حين يوحي للقارئ دون أن ينص على ذلك،بأن
قوى المقاومة في لبنان والعراق وفلسطين هي التجسيد لما يتحدث عنه
من الردة والظلامية.وهنا نسأل الكاتب وفيما يتعلق بالساحة
اللبنانية،إن كان من مارس القتل على الهوية إبان الحرب
الأهلية،ونفذ المجازر الهمجية في إطار هويته الفئوية،هو الأكثر
حرصاً على وحدة لبنان وعلى رخاء شعبه،حين يدعي بأن الخروج من
الصراع مع العدو الأمريكي الصهيوني هو سبيل لبنان إلى الوحدة
والرخاء،أم أن التجربة قد دللت عكس ذلك،وهي أن من تمسك بخيار
المقاومة،هو من نجح في عدم الانجرار إلى الصراعات الداخلية ومن
أرسى مناخاً من الوحدة الوطنية بلسم العديد من جراح الحرب
الأهلية،وهو من قدم بعد نصره على العدو الصهيوني عام 2000،أرقى
نموذج عرفه العالم ،من التسامح مع من تحولوا إلى أدوات يستخدمها
العدو لتنفيذ المهام القذرة ضد مواطنيهم،وهو النموذج الذي تجهد قوى
المقاومة الأخرى لأن تبلغه على الساحة العربية،مدركة ومن خلال
التجربة،بأنه لا انفصال بين الجهاد ضد العدو،وبين جهاد الذات
الأمارة بردة الفعل على الفعل الاستعماري وبالانغلاق على الآخر
المختلف على صعيد المرجعية الفكرية.
رابعاً –
وبشأن الخطاب العالي النبرة لقوى المقاومة العربية نريد القول، بأن
شعوبنا العربية وبعفويتها السليمة،قد اعتبرت بأن خطاب سيد المقاومة
اللبنانية- موضوع نقد الكاتب -، هو امتداد عضوي لخطاب بطل المشروع
القومي العربي.وإنه عبر هذا الوعي العفوي الأكثر علمية من كل ما
يدعيه مروجو ثقافة الاستسلام،أمكن لشعوبنا أن تتجاوز ما يدبَّر
لوعيها من انزلاق نحو الفئوية المذهبية المدمِّرة ،التي يشكل
استفحالها المدخل لانتصار المشروع الأمريكي الصهيوني الذي يشكل
النقيض التاريخي لمشروع الأمة القومي التحرري والنهضوي.
ومن غير
الاستفاضة في الرد على كل ما يطرحه الكاتب في مقاله،فإننا نجمل
القول ،بأن ما يرمي له عبر هذا المقال وما يعبر عنه من خطاب ،هو
إضفاء شرعية على نهج من التحقوا بالمشروع الأمريكي الصهيوني من
النظم والقوى ،على اعتبار أن التحالف مع عدو عاقل ،هو خير من
التحالف واللقاء مع صديق ظلامي يعلي من ثقافة الدماء والموت(؟)،لكن
ما يحاول هذا الخطاب طمسه وهو يحوِّل الضحية إلى جلاد ،هو ما
يمارسه عدوه المتحضِّر من جرائم لا تقف عند حد الإبادة الجماعية
ينفذها بقنابله الذكية وغير الذكية التي يلقيها على شعوب لا يضعها
في مصاف الجنس البشري،بل تمتد إلى امتهان كرامة أبناء تلك الشعوب
بصورة لم يعرفها تاريخ النازية وبالأكيد تاريخ الغزوات البربرية
بكل ما ارتكبته من فظائع وجرائم.
|