|
الذكرى
الستون للنكبة
إن الذكرى الستين لنكبة شعبنا
الفلسطيني تعيد إلى الأذهان المؤامرة الاستعمارية الصهيونية التي
أدت إلى اغتصاب ما يقارب 80%من مساحة فلسطين وتشريد أكثر من نصف
شعبنا،لإقامة قاعدة استعمارية استيطانية للسيطرة على مقدرات
منطقتنا والتحكم في مصائر شعوبها.فالدول الاستعمارية التي أوجدت
الحركة الصهيونية عملت كل ما في وسعها وخاصة بريطانيا والولايات
المتحدة لدعم هذه الحركة،حيث عملت بريطانيا في فترة انتدابها على
تنفيذ وعد بلفور من خلال فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية، وتسهيل
انتقال الأراضي إلى اليهود وتسليمهم مفاتيح الاقتصاد الفلسطيني في
الصناعة والاستخراج والكهرباء والمصارف والتجارة والزراعة،وأتاحت
لهم إنشاء هياكل إدارية وفنية مدنية وعسكرية شكلت الأساس لإعلان
الدولة الصهيونية،مثل الهستدروت التي تولت استقبال المهاجرين
وتدبير شؤونهم،والوكالة اليهودية التي تولت إدارة أمورهم والإنفاق
على شراء الأراضي وبناء المستوطنات ،والهجانة والعصابات العسكرية
الأخرى التي كانت رديفاً لجيش الانتداب في ضرب الثورة
الفلسطينية،وفي مساعدة الجيش البريطاني في خلال الحرب العالمية
الثانية،وهي التي فرضت عملية الاغتصاب بالقوة العسكرية.وكذلك
الولايات المتحدة التي احتضنت الحركة الصهيونية منذ الحرب العالمية
الثانية وضغطت على بريطانيا للانسحاب من فلسطين،ووضعت ثقلها لتمرير
قرار التقسيم والاعتراف بالدولة الصهيونية.وقد جرت هذه المؤامرة في
ظل أوضاع فلسطينية وعربية بائسة،حيث كان الشعب الفلسطيني مقموعاً
وممنوعاً من التسلح والدول العربية التي أدخلت جيوشها إلى فلسطين
كانت ضعيفة وواقعة تحت النفوذ الاستعماري الغربي،ولم تستطع أن تحول
دون حدوث هذه المأساة.
ولقد أكدت السنوات الماضية
عدوانية الكيان الصهيوني وعنصريته وارتباطه بالاستراتيجيات
الاستعمارية،وأنه نظام ثكنة عمل على بناء قوة عسكرية متفوقة ومسلحة
بأعتى أنواع الأسلحة بما فيها النووية،وشن الحروب والاعتداءات على
الدول العربية خدمة للسياسات الاستعمارية،ولأهدافه التوسعية،حيث
شارك في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956،وقام عام 1967 بحربه
التوسعية واحتل ما تبقى من فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة
واحتل الجولان السوري وشبه جزيرة سيناء.وقام بعدوانات واسعة على
لبنان في عام 1978،و1982 حيث احتل أجزاءً واسعة من أراضيه التي
حررتها المقاومة فيما بعد،وفي عدوان 2006 الذي أراد إعادة فتح
الطريق لمشروع الشرق الأوسط الكبير وضرب المقاومة في لبنان.
وتاريخ هذا الكيان حافل منذ
ولادته وحتى اليوم بالمجازر والممارسات الوحشية ضد الشعب الفلسطيني
والأمة العربية،وهو في الأساس قام لمنع وحدة الأمة وتكريس
التجزئة،وهو يعمل ومن ورائه القوى الاستعمارية على بث كل أشكال
الفرقة والانقسام والفتن وتغذية النزعات الطائفية والأثنية
والعشائرية بين أبنائها ،وضرب الهوية القومية ،وإبقائُها في حال
التأخر الاجتماعي والاقتصادي والتبعية السياسية والاقتصادية للدول
الاستعمارية ،ووضع ثرواتها النفطية وتوظيف موقعها الاستراتيجي في
خدمة التطلعات الإمبراطورية الاستعمارية للولايات المتحدة على وجهة
الخصوص.
ولا بد من القول أن الشعب
الفلسطيني والأمة العربية وعلى الرغم من تخاذل غالبية النظم
الرسمية لم يتوقف عن مقاومة المشروع الصهيوني والتصدي له،وهو ما
تجلى في بروز حركة المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعربية
عموماً،وفي حرب تشرين عام 1973التي وجهت ضربة قوية للجيش
الصهيوني،وفي دحر الاحتلال الصهيوني عن جنوب لبنان عام 2000،وفي
انتفاضتي الشعب الفلسطيني عامي 1987و2000ودحر الاحتلال الصهيوني عن
قطاع غزة عام 2005،وهزيمة العدوان الوحشي على لبنان صيف عام 2006.
وإن أهم ما يمكن استخلاصه من
مسار الصراع مع هذا الكيان خلال الستين عاماً الماضية هو أن
التعايش مع هذا الكيان غير ممكن بسبب طبيعته الاستيطانية
الاستعمارية العدوانية وطبيعة وظيفته ودوره،وأن الصراع معه مستمر
ومتواصل ،وأن المقاومة والتصدي لهذا الكيان هو ضرورة حياة بالنسبة
للشعب الفلسطيني والأمة العربية،وأن وحدة الجهود القومية،وتفعيل
البعد الإسلامي والأممي الإنساني لإسناد هذه المقاومة ضروري ولا
غنى عنه لتحقيق أهدافها في دحر أهداف المشروع الصهيوني،ومن أجل
نهضة الأمة ،وتحرير فلسطين.
وإن معطيات الصراع وما أخذ يظهر
على جسد هذا الكيان من تعب وطرح التساؤل حول إمكانية بقائه،وحول
جدوى تجميع اليهود في هذه البقعة من العالم،والحديث عن تآكل الحلم
الصهيوني مع ما يواجهه الكيان الصهيوني من مآزق وأزمات متعددة
الأشكال،يؤكد أن هذا النظام الاستيطاني الاستعماري الذي قام على
الظلم والعدوان،ونظام الثكنة والتمييز العنصري هو إلى زوال ،وهو لن
يتمكن من الاستقرار وسط بحر من شعوب المنطقة العربية والإسلامية
المتجذرة في تاريخها منذ آلاف السنين،وكل ما يقوم على اغتصاب حق
الآخرين لن يدوم.
|