البابا بنديكت السادس عشر على خطى هنتنجتون بقلم:غطاس أبو عيطة

في أطروحته حول (صدام الحضارات ) يطالعتا المنظر الأمريكي صموئيل هنتنجتون، بفكرة أن العالم قد دخل مرحلة جديدة من الصراع تتمحور حول صدام الحضارات، حيث تقف الحضارة الغربية التي ارتقت بالاجتماع الإنساني في جانب، فيما تقف الحضارات الأخرى التي حالت دون تقدم المجتمعات الإنسانية في الجانب الآخر، وأن خلاص البشرية النهائي والحاسم يتم عن طريق إلحاق الهزيمة بتلك الحضارات لإخراجها من المسرح العالمي، بما يفرض على أتباع الحضارة الغربية بقيادة أمريكا خوض صراع لا هوادة فيه مع أتباع الحضارات المنحطة لتحريرهم من ثقافتهم كي يعيش العالم في أمن وسلام مسوقا بقيم الحضارة الغربية .
وقد كان واضحا بأن هذه الأطروحة قد أتت متساوقة مع ما طرحه قادة أمريكا عقب إنهيار معسكر الدول الإشتراكية من أن الفرصة باتت سانحة لأمريكا كي تفرض هيمنتها على العالم، بتحويل الحلفاء في دول حلف الأطلسي إلى أتباع يدورون في الفلك الأمريكي، وتحويل الشعوب المتخلفة من خارج هذا الحلف إلى عبيد يخدمون سادة العالم .
ومع أن هنتنجتون في تعداده للحضارات المنحطة، قد تطرق للحضارة الصينية الكونفوشسية،وللحضارة المسيحية الشرقية الأورثذكسية في روسيا واليونان وغيرهما، ولثقافة بلدان أمريكا اللاتينية التي باتت تشكل تهديدا جادا لهوية أمريكا الغربية عن طريق تدفق الهجرة لشعوب تلك البلدان إلى أمريكا، مستثنيا ربما الحضارة اليابانية من هذا التصنيف كونها قد أنقذت من خلال خضوعها للسيطرة الأمريكية، إلا أنه خص الحضارة الإسلامية بأقصى مشاعر العداء مستجيبا في الواقع لأولوية المنطقة الإسلامية في اهتمام قادة أمريكا لما تمثله من أهمية استراتيجية ونفطية.
فما الذي طرحه البابا في محاضرته التي القاها في جامعة رغنسبورغ بألمانيا وأثارت موجة من الغضب وسط الشعوب الإسلامية ؟ ذلك ان المدقق في نص محاضرته، لايرى أنه قد خرج عن السياق الذي اتبعه هنتنجتون، حيث أكد على ان المسيحبة الغربية التي ربطت بين الدين الذي مصدره الوحي وبين العقل الذي ارتقت به الحضارة اليونانية المنتقلة للغرب عبر الهلينية وعبر الحضارة الرومانية،هي التي أوصلت حضارة الغرب إلى ما وصلت إليه من رقي فيما بقيت الديانة الإسلامية والعقائد المسيحية التي فصلت الدين عن العقل بذريعة إعادة المسيحية إلى منابعها الأصلية (الشرقية)أسيرة الغرائز الجسدية لتبقى مصدرا للعنف الذي يهدد إستقرار العالم .
وما يقوله البابا في محاضرته، هو ان الإلتقاء بين المسيحية وبين العقل لكي تنتج العقيدة الغربية المتميزة التي هي في اساس ارتقاء الحضارة الغربية الإوروبية والأمريكية، قد تم على يد الإنجيلي يوحنا، وذلك من خلال العبارة التي استهل بها إنجيله والتي تقول : ( في البدء كانت الكلمة وكانت الكلمة هي الله ) فالكلمة في الفلسفة اليونانية هي العقل والمنطق، وأن يرى الله على أنه الكلمة التي هي بدء الكون فإن ذلك يعني أن الله هو تجسيد للعقل المطلق اللامتناهي. غير أن الكلمة لم تبق متعالية على عالم الإنسان كما يمضي هذا الإنجيلي موضحا فنزول المسيح إلى الأرض قد جاء تأكيدا لمعنى أن يخص الله الإنسان بالعقل من دون سائر المخلوقات ليكون العقل لدى الإنسان هو سبيله إلى الإرتقاء بكينونته فيغدو جديرا بالمكانة التي خصه بها الخالق. وإن مثل هذه االمعاني كما يرى البابا قد استعصت على أتباع الديانة الإسلامية مثلما استعصت على اتباع العقائد المسيحية التي أبقت الخالق متعاليا على عالم الإنسان برفضها مكون العقل في الإيمان الديني مبقية على مصدر الوحي وحده في هذا الإيمان بحيث يصبح إيمانا من دون عقل بما جعل هذا الإيمان مصدرا للحروب والعنف والصراعات، ومبررا لنشر الإيمان بالسيف كما فعل أتباع الديانة الإسلامية وذلك بدل الإعتماد على منطق العقل في نشر الإيمان انسجاما مع حقيقة الخالق الكلمة .

وهذه المعاني التي أدركها الإنجيلي يوحنا منذ فترة مبكرة متجاوزا ما عبرت عنه التوراة وأناجيل العهد الجديد الإخرى من فهم تلقيني للمسيحية استطاع البابا تمثلها واستيعابها كما يشرح لنا عبر مساره التأملي العقلاني الذي رافقه منذ كان طالبا ثم عندما أصبح أستاذا في الجامعة التي يعود إليها بعد غيبة طويلة لكن ما بدا على أنه تفاحة نيوتن بالنسبة للبابا هو ما وقع عليه من تحليلات حول الإسلام ومصدر العنف فيه جاءت في سياق تأملات الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني التي دونها عندما كان الأتراك المسلمون يحاصرون عاصمته والتي ذهب فيها إلى أن إبقاء الله متعاليا على عالم الإنسان في الإيمان الإسلامي هو ما أبعد أتباع هذا الإيمان عن السمات العقلانية والروحية للخالق وجعلهم أسرى منطق الجسد الذي لا يفهم غير لغة القوة والعنف، إذ جعلهم يأخذون الأوامر التي تحضهم على الجهاد وعلى خوض الحروب المقدسة لنشر الدين الذي يؤمنون به بمعزل عن إعمال العقل الذي أدخلته المسيحية الغربية في صلب الإيمان الديني . وهكذا فإن خلاص المسلمين وخلاص أتباع المسيحية الأخرى شأن جماعة لاهوت التحرير من مصدر عنفهم إنما يتم عن طريق انضوائهم في رحاب الحضارة الغربية التي تمثل الوريث الحصري للحضارة اليونانية والهلينية التي فتحت الباب واسعا أمام ارتقاء العقل والذي يبقى الإيمان الديني حارسا لهذا العقل من المغالاة ومن الإنحرافات الضارة بمصالح البشرية.
ومع اننا نملك الكثير مما يمكن الرد به على هذه الرؤية إلا اننا نكتفي ببعض الملاحظات نسوقها على النحو التالي :
أولا : إن ما جاء به الإنجيلي يوحنا ليس نسيج وحده في الخيرات الروحية الإنسانية، ففي إطار الخبرات العربية الإسلامية ظهرت الحركات الصوفية التي طرحت رؤية بشأن علاقة الإنسان بالخالق تماثل الرؤية التي طرحها هذا الإنجيلي .وذلك يعني بأن ما يدعيه البابا من عقلانية محصورة في المسيحية الغربية لا يصمد امام معطيات التاريخ، والتي تدلنا على أن جميع الحضارات تملك ذات الغنى والتنوع ،وان العقل لا يمكن أن يكون حكرا على حضارة معينة أو على ديانة وعقيدة دون باقي العقائد والديانات .
ثانيا : أن المفكر الحاذق (وهي الصفة التي يلصقها البابا بالإمبراطور المذكور لكي ينسبها لنفسه) يمكنه إذا كان كذلك أن يفرق بين الحروب التي تخاض لكي تحقق تطلعات تاريخية بشرية وبين مسألة نشر الإيمان أو تعميم ثقافة من الثقافات فالبابا ومثله الإمبراطور الذي يبدي إعجابه بطروحاته لا يجدان في حروب وفتوحات الإسكندر المكدوني وما نجم عنها من نشر الثقافة اليونانية خروجا على العقل والمنطق فيما هما يجدان ذلك في الفتوحات العربية الإسلامية،ومن ثم في الفتوحات التركية الإسلامية، أما الحروب الصليبية فهي لا ترد إلى ذهنهما بالمطلق، ورأينا أن نظرة البابا ومن قبله هذا الإمبراطور إلى قوانين التاريخ تحكمها نظرة مسبقة لا صلة لها بالعقل ولا بالرؤية العلمية التاريخية .
ثالثا : وما لا يستطيع هذا البابا فهمه وهو يقيم حاجزا صلبا بين الديانات وبين مختلف العقائد الدينية،هو ان العنف الذي تمارسه وتنظر له جماعات إسلامية إنما يمثل الفهم والفعل المعاكسين لما ينفذه الغرب الأمريكي والصهيوني والأوروبي من عنف همجي ضد الشعوب العربية والإسلامية . كما أن ما لن يقدر البابا على رؤيته من منطلقه العنصري، هو ان المجتمعات العربية والإسلامية قد بدات بإفراز حركات ثورية، لا تصدر عن ردة الفعل، معيدة للإسلام ولحضارات الشرق مكانتهما في التاريخ الإنساني لما يجتمع فيهما من الدين والحكمة التي لا يمكن اعتبارهما تخفيضا للعقل إلاعند أصحاب الرؤية المحدودة التي تقصر العقل على ما تجسده الحضاره الغربية .
رابعا : أن ما ادعاه البابا من أن محاضرته الفلسفية قد أتت في باب حوار الأديان والحضارات هو إدعاء زائف، ذلك أن ما دعا له في محاضرته، هو أن يغادر أتباع الديانات والحضارات والعقائد الإخرى ولا سيما المسلمون مواقع إيمانهم وثقافتهم وان يلتحقوا بالإيمان وبالقيم التي أرستها المسيحية والحضارة الغربيتين . وهو في ذلك لا يختلف عما دعا له هنتنجتون، ولعله لم يكن من قبيل الصدفة أن تأتي هذه المحاضرة بعد اسبوع واحد من حديث الرئيس الأمريكي عن الإسلام الفاشي، لكي توضح جذور الفاشية القائمة في صلب التوجيهات القرآنية التي تخلت كما يرى البابا عن مبدأ أنه لا إكراه في الدين بعد أن أصبح المسلمون في موقع القوة .
وختاما : نقول، بأن ما عبر عنه البابا من نزعة إلغائية تجاه الديانات والحضارات والعقائد الإخرى يجب أن يدفعنا كأصحاب حضارة قامت على أساس التعددية إلى الموقع المواجه والنقيض . ذلك أن مصدر قوة الإسلام الذي نهض على أرضية الحضارات الشرقية إنما تنبع من إيمانه بالتعددية وعدم نفي الآخر وإن ما يطمسه التاريخ في ظل هيمنة القراءة الغربية، هو أن الإسلام قد شكل بمجيئه في القرن السابع الميلادي انتصارا للعقائد المسيحية الشرقية التي واجهت اضطهادا وإلغاء من جانب العقائد الغربية، وذلك ما يفسر استقبال المسيحيين الشرقيين في سورية ومصر والإندلس وربما في شمال أفريقيا للجيوش الإسلامية بل هو يفسر سرعة تقبلهم للرسالة الإبراهيمية الجديدة التي تفتحت في ظلالها كل ما تختزنه حضارات الشرق من نزعات إنسانية