مفردات الحملة ضد تيار المقاومة؟ بقلم: غطاس أبو عيطة

 

                                 مفردات الحملة ضد تيار المقاومة؟
                                                                    غطاس أبو عيطة
الحملة على تيار ونهج المقاومة التي تشنها قوى ورموز الاستسلام على امتداد الساحة العربية ، تحمل ذات المضمون، ويعبر عنها بذات الخطاب بل بذات المفردات،فهي تقول بأنه لا جدوى من المواجهة مع الحلف الأمريكي الصهيوني الغربي في عدوانه على المنطقة،لأن المواجهة في ظل ميزان القوى القائٌّم هي بمثابة انتحار.
وهذه المسلّمة ، هي ما تعمل قوى الغزو دائماً على تعميمها في أوساط الشعوب المغزوَّة،ومن هنا نلحظ كيف يسارع الحلف الاستعماري بزعامة أمريكا،إلى احتضان من تبنوا تلك المسلّمة راضخين باعتبارهم قوة سلام في المنطقة، فيما يمثل من لا يرضخ لذلك، قوة عدوان وإرهاب.
وفي حين يعمد بعض مروجي ثقافة الهزيمة في المحيط العربي إلى التظاهر بالموضوعية،"داعياً إلى حساب الربح والخسارة بشأن ما حققه نهج المقاومة"، فإن البعض الآخر ، وفي استكمال لمهمة أقرانه،يعمد إلى الهجوم المقذع على المقاومين(( الذين لا يريدون التخلي عن الاسطوانة المشروخة التي خدَّرت الوعي العربي من خلال تحويلها الهزائم إلى انتصارات.... والتي آن الأوان للثورة ضدها ، ومجابهة مروجيها الذين يقيمون زعاماتهم على دماء شعوبهم))(؟).
وهكذا فإنه إزاء العدوان الهمجي الذي تعرض له قطاع غزة في الآونة الأخيرة تحت مسمى حملة الشتاء الساخن الصهيونية، والذي أودى بحياة أكثر من 130 مواطناً فلسطينياً بينهم عدد كبير من الأطفال، طالعتنا صحيفة تنطق بالعربية ، بمقالين في ذات العدد،يفند الأول منهما طروحات تيار المقاومة وعلى رأسه حركة حماس، بشأن ملابسات هذا العدوان، وبشأن جدوى استمرار المقاومة المسلحة على الساحة الفلسطينية،فيما يطلق الثاني صرخة مدوية بوجه قادة هذا التيار، بأن كفى استهانة بالدماء الفلسطينية التي تسفح على مذبح تعطشهم للسلطة، والذي يتم تمويهه (تعطشهم للسلطة)بشعارات دينية، تعيد على مسامعنا ذات الخطاب الظفروي الذي سئمته الجماهير العربية(؟).
فبمعزلٍ عما يعتبره طروحات مضللة أطلقتها حركة حماس حول العدوان المذكور،يقرر كاتب المقال الأوَّل:(( بأن العدوان الوحشي الذي تعرض له قطاع غزة مؤخراً،كان بمثابة الرد الطبيعي من جانب عدوٍ مدججٍ بالسلاح، على الصواريخ التي دأبت على إطلاقها حركة حماس على هذا العدو بعد سيطرتها على القطاع عن طريق القوَّة.... وإن ضخامة الخسائر البشرية التي نجمت عن هذا العدوان، هو نتيجة متوقعة، كون تلك الصواريخ يجري إطلاقها في غالب الأحيان من المناطق المأهولة.وعليه،فإنه لا معنى للمحاولة التي عمدت لها قيادة تلك الحركة ، بتحميل المسؤولية عن ذلك كله للسلطة الفلسطينية، لمجرد أن هذه السلطة، قد أبدت اعتراضها على إطلاق الصواريخ دون حساب ردة فعل العدو المعروف بوحشيته،والذي لا يوجد ما يردعه عن ارتكاب أية أعمال همجية بحق الشعب الفلسطيني الأعزل))(؟).
((وإنه حين تدعي قيادة حماس – يمضي صاحبنا قائلاً - ، بأن العدو الاسرائلي ليس في حاجة إلى الذرائع لكي يصعِّد عدوانه ضد الشعب الفلسطيني.فإن الوقائع والأرقام ، يمكنها أن تدحض هذا الإدعاء،لأنه خلال الانتفاضة الأولى وبين عامي 87و1993،لم يتجاوز عدد من قتلو جراء الاعتداءات الإسرائيلية ال 1600فلسطيني، وذلك ارتباطاً بالطابع الشعبي لهذه الانتفاضة، في حين وصل العدد في الانتفاضة الثانية،بين أواخر عام 2000وأواخر عام 2007 وبسبب عسكرة هذه الانتفاضة، إلى أكثر من 5500 ضحيَّة، والأمر ذاته ينطبق عل تفاوت نسبة الخسائر البشرية بين الضفة والقطاع ،خاصة بعد أن بات خاضعاً لسيطرة حماس، وموضوعاً تحت رحمة نهجها الذي لا يتسم بالعقلانية))(؟).
((كما تثبت الأرقام والوقائع –كما يضيف صاحبنا -،خطل الوهم الذي تحاول حماس تسويقه على الجماهير الفلسطينية والعربية،من أن صواريخها قد خلقت حالة من توازن الرعب مع الاسرائيلين،وذلك في الوقت الذي لا تهدد فيه تلك الصواريخ، سوى بضعة عشرات الألوف من الإسرائيليين،ولم تقتل طيلة عام 2007 سوى 11إسرائيلياً،في حين أن صواريخ وقذائف الرد الإسرائيلية، تهدد كل سكان القطاع ،وقد قتلت خلال العام ذاته أكثر من 400 فلسطيني))(؟).
ويخلص الكاتب بعد ردوده "المفحمة" على طروحات حماس،إلى نفض اليد من هذه الحركة"التي لا تتسم بروح المسؤولية"،والتي سرعان ما تهرب إلى الخطاب العاطفي في مواجهتها لخطاب السلطة الذي يتسم بالحكمة والدراية،بل إلى الاحتماء بالحتمية الإلهية في إدخالٍ للديني في شأن دنيوي،مبتعدة في ذلك ،عن أي محاكمة واقعية بشأن جدوى استمرار المقاومة المسلحة ضمن ظروف النضال التحرري الفلسطيني،مغلقة وعيها أمام تجارب حركات التحرر التي كثيراً ما عمدت إلى التهدئة،لكي تعيد النظر بإستراتيجيتها وسياساتها،منطلقة من الفهم بأن المقاومة المسلحة ليست هي الشكل الوحيد لمقاومة المحتلين))(؟).
أما الكاتب الآخر ، فهو يعمد إلى وصف المشهد المروِّع الذي نجم عن العدوان ،والذي " رقصت فوقه قيادة حماس وهي تتغنى بانتصارها على الصهاينة"، حيث يقول :(( دورة الموت والبؤس في قطاع غزة التي حصدت مئات القتلى والجرحى من الفلسطينيين ، والتي تصدرتها صور أشلاء الأطفال الممزقة،والجثث المتناثرة في الأزقة والشوارع والأحياء المدمَّرة،هي الحصيلة للسياسة التي تعيد على مسامعنا تلك الاسطوانة المشروخة حول تحقيق النصر على العدو،الذي لم يستطع أن يحقق أهداف عدوانه،كونه لم يتمكن من وقف إطلاق الصواريخ أو من المس بالقيادة التي يشكل بقاؤها هدفاً مركزياً للأمة ولحقوقها ووجودها))(؟).
وإذ يحاول هذا الكاتب ،أن يعيد تلك القيادة إلى رشدها،فهو يبشِّرها:(( بأن ما قامت به إسرائيل عبر عدوانها،هو جولة أولى سوف تعقبها جولات،وأنها بالاستناد إلى استخباراتها وإلى قدراتها العسكرية،سوف تتمكن من بلوغ غايتها المرسومة،ممثلة في تدمير الصواريخ ووقف انطلاقها،وفي اجتثاث كل من هو مسؤول عن الصواريخ أو عن التفجيرات داخل مناطق ال 48 التي تستهدف المدنيين، وفيما يتعلق بوقف التهريب على معبر فيلادلفيا،وبإضعاف حركة حماس وصولاً إلى إنهاء وجودها))(؟).
وإذ نحاكم هذا الخطاب الذي يعبر عنه كاتبانا الموتوران،فإننا نقول التالي:-
أولاً- إن هذا الخطاب لا يأتي بجديد حين يحمِّل المقاومين مسؤولية ما يحل بشعوبهم من مآسٍ على يد الغزاة المحتلين،فقد طالما فعل ذلك مدَّعو الحكمة والعقلانية الذين أخذوا بالمثل القائل )): اليد التي لا تستطيع أن تعضها بوسها))، غير أن من استمعت له الشعوب التي نكبت بالاحتلال والغزو مثل الشعب الفلسطيني ، هو من عبَّر عن إحساسها بكرامتها الذي يعادل سبب وجودها ،دون أن تلقي بالاً لدعاة التخاذل والاستسلام.وذلك بداية،هو القانون العام الذي يحكم العلاقة بين المحتل والخاضع للاحتلال ،وليس القانون الذي يسوقه كاتبنا الأول ،الذي يرى في مقاومة الغزاة المحتلين وليس الغزو والاحتلال ذاته، هو أساس دورة العنف التي يتحمل مسؤوليتها وفق قانونه،من لا يذعن لميزان القوَّة مع المحتلين.
ثانياً- وإننا حين نتسائَل ،لماذا احتدم الصراع مع العدو الصهيوني خلال انتفاضة الأقصى المجيدة والمباركة(رغم أنف المستسلمين الذين يشطبون اسم الأقصى من أدبياتهم لدى حديثهم عن انتفاضة عام 2000)،فنحن نرى بأن ذلك هو من طبيعة الأشياء ، فحين ترى الجماهير الفلسطينية،بأن الرد الصهيوني على التنازل الذي أقرته قيادتها العقلانية،عن 78%من أرضها ، هو المزيد من الاستيطان والعدوان، فلا بد وأن تعيد هذه الجماهير ، صراعها مع هذا العدو إلى القانون الذي يحكمه والذي يقول بوضوح تام ، بأنه إما نحن كشعب فلسطيني،وإما هذا العدو الغاصب الذي لا تقف أطماعه عند حدود.الأمر الذي لا بد وأن يقود إلى احتدام المواجهة،بعيداً عن أوهام التعايش مع المشروع الصهيوني،وأن يتعاظم جراء ذلك حجم التضحيات.وما يبرز في مثل هذا المنعطف،هو أن من يريد حماية مكاسبه الرخيصة التي يقدمها له المحتلون ثمناً لدوره في محاولة نزع الشرعية عن المقاومة، هو من تهاله تلك التضحيات وليست الجماهير التي تغدو مستعدة لتقديمها،مدركة بأنه لا سبيل لاستعادة كرامتها الوطنية والإنسانية من دون تضحيات.
ثالثاً- إن أهمية الصواريخ"البدائية"التي تطلقها قوى المقاومة من قطاع غزة باتجاه تجمعات المستوطنين الصهاينة،تأتي كونها العنوان لفشل كل الإجراءات التي عمد لها العدو،وكل الممارسات الإجرامية التي نفذها،والتي استهدفت إخراج دور المقاومة المسلحة من الصراع.حيث لم ينفع هذا العدو،انسحابه الأحادي الجانب من قطاع غزة وتفكيك مستوطناته من أرضه.ولم يسعفه ما راهن عليه من صراع دموي فلسطيني بعد الانسحاب،يتم عن طريقه تدمير المقاومة على يد الطرف الذي قدم له كل الدعم الحلف الاستعماري المعادي وكل أذنابه على الساحة العربية،ولم يأته الحصار والتجويع وأعمال القتل والتدمير بالنتيجة التي توخاها بعزل تيار المقاومة عن قاعدته الشعبية ، بل هاله ما أقدمت عليه هذه القاعدة الملتفة حول خيار المقاومة ،من اقتحام للحدود المقفلة مع مصر ،بما شكل إنذاراً له،بأن تلقى الحواجز وجدران الفصل التي أقامها مع الشعب الفلسطيني وبين تجمعاته المصير المماثل.وكل ذلك بالإضافة لما تعد به تلك الصواريخ،من إسقاطٍ لوظيفة جدار الفصل الذي أريد له حماية التجمعات الاستيطانية الصهيونية من هجمات المقاومين.
رابعاً- وبالانتقال لفعالية هذه الصواريخ التي طالما تعرضت لمحاولات التسخيف، فإننا نذكِّر كاتبنا، بأن قيادته في رام الله، ظلت تتحدث عن فشل تلك الصواريخ في جرح أي مستوطن صهيوني مقابل ما يترتب على إطلاقها من خسائر فلسطينية.ذلك أنه حين يعترف بأن الصواريخ المعنية قد قتلت 11 صهيونياً،دون أن يقر باتساع مجال تهديدها لتجمعات المستوطنين الصهاينة،فإن في ذلك إقراراً غير مقصود،بأن تلك الصواريخ،ماضية نحو إقامة توازن رعب مع الجانب الصهيوني،وذلك ما حفز حماة الكيان الاستعماري الاستيطاني(كما رأينا في تصريحات وزيري خارجية فرنسا وايطاليا)،إلى نصيحة هذا العدو ،بأن يبحث عن مخرج لمأزقه عن طريق الحوار مع حماس،التي باتت تشكل واقعاً لا يمكن تجاوزه في معادلة الصراع،وذلك قبل أن تصل الأمور بالنسبة للعدو إلى ما وصلت إليه في الجنوب اللبناني .
خامساً- وكي لا نُتهم بأننا نرسم صورة خادعة بشأن معادلة القوَّة مع هذا العدو،الذي ما زال يملك قدرات غير محدودة يضعها في جبهة المواجهة على كل الساحات العربية والإقليمية،فإننا نذكِّر ،بما تكشفت عنه قدراته من نقطة ضعف جوهرية،ترتبط بضعف استعداد مستوطنيه للتضحية مقابل مخزون التضحية العربي.ذلك أن ما قدمه الشعب الفلسطيني من تضحيات،لا يُعدُّ خروجاً عما قدمته الشعوب التي تعرضت للغزو والاحتلال حين قررت أن تدفع ثمن حريتها وكرامتها الإنسانية.وما نعنيه بذلك ، هو أن هذا العدو، سوف يعمد كما فعل في لبنان في حرب تموز عام 2006،وكما فعل في حملة شتائه الساخن على غزة،إلى جرائم لاحدود لهمجيتها،لكنه وبالرغم من كل هذه الهمجية،لم يعد قادراً على تغيير مسار الأحداث ،فكما أوضح سيد المقاومة الذي تثق بصوته جماهير الأمة،فإن وجهة التقدم الوحيدة التي بقيت أمام هذا العدو هي التقدم إلى الخلف ،وذك ما لا يريد استيعابه من أنكروا على المقاومة اللبنانية نصرها في حرب تموز،ومن أنكروا على قوى المقاومة الفلسطينية في القطاع قدرتها على تدفيع الصهاينة ثمن عدوانهم.
سادساً- وإذ نتوقف عند موضوعة التهدئة التي يطرحها ذات الكاتب،فإننا نميِّز بين نمطين من التهدئة،هما النمط الذي يقر بالهزيمة أمام همجية العدو،والآخر الذي يرفض التسليم بالهزيمة.وإن من يرجِّح غلبة نمط على آخر،هو موقف الجماهير الفلسطينية واستعدادها لتحمل أعباء المواجهة.ونود هنا أن يقنعنا كاتب المقال،بأن هذه الجماهير ،يمكن أن تنحاز لصف من زكمت رائحة فسادهم الأنوف ،وليس إلى جانب من يشاركها في تقديم التضحيات الجليلة،والمسألة هنا لا علاقة لها بعواطف يراد لها أن تخدع الجماهير ،ولا بخطاب إلهي يضرب على وتر مشاعر الجماهير الدينية.ذلك أن ما دللت عليه تجارب حركات التحرر في العالم،هو أن الجماهير تلتف بملئ وعيها حول من يرفع راية حريتها بغض النظر عن الأساس الذي تقوم عليه مرجعيته الفكرية.
وبغض النظر ،عن كل ما يطرحه الكاتب الثاني،الذي تربى في مدرسة أمين عام تيار الاستسلام في الساحة الفلسطينية،فإنه يمكننا القول ،بأن المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق،قد قلبت كل حسابات المستعمرين وأذنابهم،بحيث باتت الاسطوانة المشروخة التي تحول الهزائم إلى انتصارات،من نتاج زعيم القوى الاستعمارية الغربية المقيم في البيت الأبيض ،أما قوى الصمود والمقاومة العربية .فقد أدركت دائماً- وعبرت عن ذلك في خطابها المتفائل من منظور تاريخي-بأن النصر هو حليف الشعوب التي تدافع عن كرامتها وعن وجودها،وأن الهزيمة هي من نصيب من يفتئتون على تلك الكرامة والوجود.

 

 

 
رجـوع