|
|
||||||||||||
|
||||||||||||
عن أسباب ضعف الدولة العربية
غطاس أبو عيطة
إزاء الخطر الداهم الذي بات يحدق بوجود الدولة في العالم العربي تحت ضغط الهجمة النيوكولنيالية التي تقودها أمريكا ، يجهد المفكرون وأصحاب الرأي ، في الكشف عن أسباب ضعف هذه الدولة الذي يجعلها عرضة للانهيار في ظروف المرحلة التي دخلها النظام العالمي .
وعبر مقالات صحفية مجتزأة ، يذهب بعض هؤلاء المفكرين وأصحاب الرأي ، إلى اختزال عوامل ضعف الدولة العربية في عامل واحد ، هو غياب أو تغييب الديمقراطية ، مغفلين الظروف التي نشأت فيها هذه الدولة ، والعقبات التي وقفت بوجه تطورها ، وهم في ذلك لا يسهمون في وضع اليد على العوامل الحقيقية والموضوعية لهذا الضعف ، ولا يساعدون بالتالي على تحديد المهام المطروحة راهناً التي تمكّن من تجاوز خطر التمزيق والتذرير الذي تجابهه دولنا وشعوبنا العربية .
ففي مقال نشرته صحيفة المجد لمفكر عربي نحترم إسهامه الفكري ، جرت العودة إلى النظرية الأثيرة لدى تيار الليبراليين الجدد ، والتي تحمّل النظم والقوى الوطنية التي تتصدى لحملة الإخضاع الأمريكية الصهيونية ، مسؤولية ما يعانيه الواقع العربي من ضعف عام ، مسلّطين نار حقدهم على تلك النظم والقوى في التقاء واضح مع الهجمة الضارية التي تشنها على ذات النظم والقوى ماكنة الاعلام الاستعمارية .
وملخص ما يطرحه مفكرنا في هذا المقال ، هو " أن الحركات الانقلابية التي استولت على السلطة في البلدان العربية بعد سنوات معدودة من الاستقلال ، هي المسؤولة عن المأزق الذي تعيشه الدولة العربية في المرحلة الراهنة ، ذلك أن هذه الحركات الانقلابية بما أقامته من نظم قمعية منذ ذلك التاريخ ، قد أغلقت الطريق بوجه مقدمات بناء الدولة ومؤسساتها التي شرعت في إطلاقها ( تلك المقدمات ) القوى الوطنية الاستقلالية التي تسلمت الحكم بعد رحيل المستعمر ، بحيث بات سبيل الخروج من المأزق الذي تواجهه الدولة العربية في اللحظة الراهنة مسدوداً تماماً ، كون المجتمعات العربية ، ليس بمقدورها العودة إلى الإرث الذي ارتبط ببرامج وسياسات القوى الاستقلالية بعد أن جرى طمسه على يد الحركات الانقلابية ونظمها القمعية وذلك ضمن عملية أسهم في تنفيذها عدد من الباحثين الذين اعتبروا بأن تاريخ دولنا العربية قد ابتدأ مع قيام النظم القمعية التسلّطية " .
وإمعاناً منه في تشويه صورة النظم الوطنية ذات المرجعية القومية ، يقول مفكرنا : " وهذه الحركات الانقلابية ونظمها القمعية التسلطية ، استمدت الدعم في المرحلة السابقة ، من النظام القائم في الاتحاد السوفيتي ، ولدى تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار منظومة الدول الاشتراكية ، أخذت تستند إلى حوافز غربية في سعيها لاستكمال منظومتها الاستبدادية ، ليكون سقوط العراق في هذه المرحلة ، هو القاعدة التي يمكن تعميمها على مجموع الدول العربية القائمة ، ذلك أن الاستبداد السلطوي المركب إنما يشكل التأسيس لاستجلاب الأغيار الساعين إلى إزالة حدود الدول في المرحلة التاريخية الراهنة " .
وعلى هذا الصعيد ، يربط مفكرنا بين قوانين العولمة ، وبين ما يسمى بالنظام العالمي الجديد الذي تسعى إلى فرضه على مستوى العالم ، الإمبريالية الأمريكية ، معتمدة- كما يشير – نظرية الفوضى الخلاّقة سبيلاً للإطاحة بوجود الدول في المنطقة العربية ، وفي المناطق ذات الحضارات المتخلفة وفق رؤية هنتنجتون ، وذلك حين يقول : " إن النظام العالمي الجديد الذي برز في ظل التطور الهائل على صعيدي الاتصالات والمواصلات ، وضع على أجندته ، مهمة تفكيك الحدود الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وخصوصاً فيما يتعلق بالدولة ومؤسساتها ، ومع حلول هذا النظام ، بدا واضحاً بأن الدولة العربية لم تكن قائمة في يوم ما ، لأن ما كان قائماً – حسب نص مقاله – هو النظم القمعية الاستبدادية التي اختزلت وجود تلك الدولة ،محتلةً فضاءها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي " .
وفي التعرّض للرؤية التي يعبر عنها مفكرنا نود القول :-
أولاً- إن النظرية التي يعرضها هذا المفكر حول أسباب ضعف أو " عدم قيام الدولة العربية في يوم ما " ، لا تنطبق إلا على بعض الدول في العالم العربي " التي خضعت – كما يقول – للحركات الانقلابية التي أنهت مقدمات بناء الدولة " ، في حين أن غالبية هذه الدول ، لم تخضع لمثل تلك الحركات ، ولعلنا نلحظ الارتباك في السياق الذي يعتمده هذا المفكر للتدليل على صحة منطلقه، حين يتطرق في مقاله إلى التجربة اللبنانية ، إذ نجده عندها يتحدث عن أسباب أخرى لهشاشة وضعف الدولة في هذا البلد العربي غير الأسباب المتعلقة بدور الحركات الانقلابية ونظمها القمعية ، ممثلةّ : " في الحضور الكثيف للطائفية السياسية ، وفي ضآلة حضور الأحزاب الوطنية العلمانية ، ثم في عدم وجود مجلس دستوري " وذلك يؤكد بأن الإشكالية التي تعيشها الدولة العربية ، هي أكثر تعقيداًّ من أن يتم اختزالها في دور " الحركات الانقلابية " .
ثانياً- وحين يعبر مفكرنا ( وتياره) . عن الحنين إلى النظم التي أقامتها الزعامات الإقطاعية والبرجوازية الكبيرة عقب الاستقلال ، فإنه إنما يرسم صورة خيالية لتلك النظم ، مفترضاً لها مساراً لا يأخذ في حسابه تعقيدات الواقع الذي خلفه الاستعمار ومن ضمنه زرع القاعدة الاستيطانية العدوانية الصهيونية في قلب دول التجزئة العربية . وهو على هذا الصعيد ، لا يضع في اعتباره ، استعداد مثل هذه الزعامات لمهادنة مشاريع الهيمنة الاستعمارية والصهيونية ، مع أن مثل هذا الاستعداد ، قد عبرت عنه في حينه تلك الزعامات الليبرالية في مصر والعراق وغيرها من البلدان العربية ، فيما سلّمت مثل هذه الزعامات في الجزائر ، بفرنسية بلدها ، مطالبة لمحافظاته حقوقاً تساوي حقوق باقي المحافظات في " البلد الأم ".وما نعتقده هو أن بروز ما يسمى بالنظم أو " الدول المعتدلة " في هذه المرحلة ،إنما هو عودة من جانب تلك النظم للسياسة التي كانت ستعتمدها تلك "القوى الوطنية الاستقلالية "التي يتحدث عنها مفكرنا ، وذلك في نكوص عن النهج التحرري الذي اعتمدته تلك النظم التي يسميها انقلابية .
وإذ نطرح السؤال على هذا الصعيد، هل كانت تجربة تلك القوى الوطنية الاستقلالية – كما يصفها مفكرنا ولا نعلم لأي سبب – في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم في مجال بناء مؤسسات الدولة ، ستكون أكثر نجاحاً ، من القوى التي استمدت الدعم من الدولة السوفيتية ؟ . والجواب على ذلك ، تقدمه تجربة النظم العربية التي ناهضت المشروع القومي التحرري باعتباره قد صنع في الاتحاد السوفيتي منحازة إلى معسكر الدول الرأسمالية " الديمقراطية "، فتجربة هذه النظم ، لا يمكن اعتبارها متقدمة على تجربة النظم الأخرى الانقلابية ، بما يدلل على أن الاشكالية بالنسبة للدولة العربية ، هي أكثر تعقيداً مما يتوهم عشاق الديمقراطية التي تقام حسب وجهة نظرهم ، بقرار إرادوي يتجاوز كل العقبات بوجه هذه الديمقراطية .
ثالثاً- وإذ يعمد مفكرنا إلى الخلط بين قوانين العولمة المرتبطة بثورة الاتصالات والمواصلات ، وبين المشروع النيوكولنيالي الذي تعمل أمريكا وحلفها الغربي والصهيوني لفرضه على المنطقة الشرق أوسطية ، فهو إنما يريد إقناعنا ، بأن الخضوع للمشروع النيوكولنيالي المطروح ، هو بمثابة انسجامٍ مع معطيات النظام العالمي الجديد وذلك كي لا تخرج دولنا ومن ثم شعوبنا من التاريخ . ومن هنا نلحظ هجوم التيار الذي يعبر عن خطابه مقال مفكرنا ، على " من يعلّقون القصور العربي على مشجب الإمبريالية .. ومن يتخذون من شعارات مجابهة الإمبريالية الأمريكية ومشروعها الاستعماري المعلن في المنطقة ، غطاء لسلطتهم الاستبدادية ولانغلاقهم أمام حركة التاريخ" . (؟) .
وعلى هذا الصعيد نود التوضيح ، بأن ما أنجزه تقدم العلم هو محرزٌ سيكون في خدمة البشرية ، وأن القوى الاستعمارية لن تستطيع مهما امتلكت من القوّة ، أن تحتكر هذا الانجاز ليكون محصوراً في خدمة مصالحها . وعلى مستوى المنطق النظري يمكننا القول ، بأنه في الوقت الذي تعمل فيه القوى الاستعمارية والاستغلالية على فرض نموذجها للنظام العالمي في ضوء منجزات الثورة العلمية ، فإن القوى المضادة ، تعمل هي الأخرى من أجل انتصار نظامها النقيض ، وبإنزال هذا المنطق النظري على ما يشهده العالم من حراك شعبي ضد نظام الأوليغارشية المالية الذي يهدد مستقبل البشرية ، يمكننا أن ندرك بأن حركة التاريخ لم تتوقف عند لحظة تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار منظومة الدول الاشتراكية مسجلة الانتصار النهائي لليبرالية المتوحشة .
رابعاً- وبالنسبة " للقاعدة العامة " التي خلص لها مفكرنا ، من أن " الاستبداد السلطوي المركب ، كالذي كان قائماً في العراق ، هو الذي يؤسس لاستجلاب الغزاة ، فإنه إضافة لما تتضمنه هذه الرؤية من تبرئة لأولئك الغزاة الذين ما فتئوا يخططون للاستحواذ على هذه المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية ومن ثم النفطية ، فهي تتضمن كذلك ، إدانة للنظم والقوى العربية التي ترفض الخضوع للسيطرة الاستعمارية ، والرضوخ لإملاءات المشروع الاستعماري المعلن ، باعتبارها المسئولة عن " استجلاب الأغيار " . ومثل هذه النظرية ، تنسحب في وعي مفكرنا والتيار الذي يعبر عنه ، على نظام عبد الناصر ، الذي استجلب هزيمة حزيران عام 1967 ، وعلى سورية، والمقاومة الفلسطينية ، والحركة الوطنية اللبنانية ، التي استجلبت الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 ، وكذلك على حزب الله ( الحزب الشمولي وفق تعبير وليد جنبلاط ) الذي استجلب العدوان الأمريكي الصهيوني على لبنان في تموز عام 2006 ، وهي تنسحب من ثم ، على قوى المقاومة الفلسطينية " التي حرفت الانتفاضة الشعبية عن إطارها السلمي الديمقراطي" فاستجلبت تدمير آلة الحرب الصهيونية وبالمقابل ، فإن ما تزكّيه هذه الرؤية هو نهج النظم والقوى " المعتدلة " التي تخضع دولها وشعوبها للمشاريع الاستعمارية المطروحة ، والتي يواصل قادة أمريكا والغرب والكيان الصهيوني كيل المديح لها ودعمها في مواجهة شعوبها باعتبارها نظماً وقوىً ديمقراطية .
خامساً- ولعل النظرة المسبقة التي تخرج عن قوانين المنطق الصُوري ، هي ما أوصل مفكرنا إلى الربط بين أهداف الاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي ، وبين أهداف القوى الاستعمارية ، في دعمهما للنظم الاستبدادية العربية تهيئة للغزو الخارجي . فمثل هذا الربط ، هو بيان إدانة ضد حركات التحرر في العالم ومن ضمنها حركة التحرر العربية التي نهضت في ظروف توازن القوّة النسبي بين المعسكرين المتجابهين عبر الحرب الباردة ، بل هو بيان إدانة ، للمبادئ والقيم الثورية " التي ثبت فشلها في بناء دول قابلة للحياة " ، بعكس السياسة الانتهازية التي تدير ظهرها للقيم وللمبادئ التي تستفز القوى الغازية ، القادرة على تدمير الدول التي لم يكتمل بناؤها (؟) .
في الختام نقول ، بأن عوامل مركبة هي التي حالت دون ترسّخ بنية الدولة العربية ، وأن الدول الراسخة البنيان في العالم ، لم تؤسسها في كل الظروف نظم ديمقراطية تفتح بلدانها للتغلغل والتحكم الخارجي باسم عدم الانغلاق . وإنه إذا كانت النظم والقوى التحررية العربية على اختلاف مرجعياتها الفكرية ، لم تتمكن من دحر مشاريع الاستعمار ، ومن إزالة خطر تلك المشاريع على بقاء الدولة في المحيط العربي ، فإنها استطاعت بالمقابل ، أن تدفّع المستعمرين ثمن عدوانهم وأطماعهم في هذا المحيط ، وأن توصل المشروع الأمريكي الصهيوني الراهن إلى المأزق باعتراف رئيسة الدبلوماسية الأمريكية في تعليقها على فشل العدوان الأمريكي الصهيوني على لبنان ، وعلى حال قواتها الغازية فوق الأرض العراقية .
وفي رؤية أشمل لمجريات المواجهة الدائرة في العالم في هذه المرحلة الانتقالية من تاريخ العالم ، يمكننا أن نشير إلى حقيقة أن المشروع الإمبراطوري الأمريكي الذي يضفي عليه مفكرنا سمة العولمة ، قد تعرض لضربات قاصمة في الفناء الخلفي لهذه الإمبراطورية ،أي في بلدان أمريكا اللاتينية التي طال خضوعها لسياسة النهب والاستعباد من قبل الجار الأمريكي ، وذلك دون أن تسعف قوانين العولمة هذا الجار ، فتمكنه من دفع الدول القريبة منه إلى الانهيار .
عن أسباب ضعف الدولة العربية
غطاس أبو عيطة
إزاء الخطر الداهم الذي بات يحدق بوجود الدولة في العالم العربي تحت ضغط الهجمة النيوكولنيالية التي تقودها أمريكا ، يجهد المفكرون وأصحاب الرأي ، في الكشف عن أسباب ضعف هذه الدولة الذي يجعلها عرضة للانهيار في ظروف المرحلة التي دخلها النظام العالمي .
وعبر مقالات صحفية مجتزأة ، يذهب بعض هؤلاء المفكرين وأصحاب الرأي ، إلى اختزال عوامل ضعف الدولة العربية في عامل واحد ، هو غياب أو تغييب الديمقراطية ، مغفلين الظروف التي نشأت فيها هذه الدولة ، والعقبات التي وقفت بوجه تطورها ، وهم في ذلك لا يسهمون في وضع اليد على العوامل الحقيقية والموضوعية لهذا الضعف ، ولا يساعدون بالتالي على تحديد المهام المطروحة راهناً التي تمكّن من تجاوز خطر التمزيق والتذرير الذي تجابهه دولنا وشعوبنا العربية .
ففي مقال نشرته صحيفة المجد لمفكر عربي نحترم إسهامه الفكري ، جرت العودة إلى النظرية الأثيرة لدى تيار الليبراليين الجدد ، والتي تحمّل النظم والقوى الوطنية التي تتصدى لحملة الإخضاع الأمريكية الصهيونية ، مسؤولية ما يعانيه الواقع العربي من ضعف عام ، مسلّطين نار حقدهم على تلك النظم والقوى في التقاء واضح مع الهجمة الضارية التي تشنها على ذات النظم والقوى ماكنة الاعلام الاستعمارية .
وملخص ما يطرحه مفكرنا في هذا المقال ، هو " أن الحركات الانقلابية التي استولت على السلطة في البلدان العربية بعد سنوات معدودة من الاستقلال ، هي المسؤولة عن المأزق الذي تعيشه الدولة العربية في المرحلة الراهنة ، ذلك أن هذه الحركات الانقلابية بما أقامته من نظم قمعية منذ ذلك التاريخ ، قد أغلقت الطريق بوجه مقدمات بناء الدولة ومؤسساتها التي شرعت في إطلاقها ( تلك المقدمات ) القوى الوطنية الاستقلالية التي تسلمت الحكم بعد رحيل المستعمر ، بحيث بات سبيل الخروج من المأزق الذي تواجهه الدولة العربية في اللحظة الراهنة مسدوداً تماماً ، كون المجتمعات العربية ، ليس بمقدورها العودة إلى الإرث الذي ارتبط ببرامج وسياسات القوى الاستقلالية بعد أن جرى طمسه على يد الحركات الانقلابية ونظمها القمعية وذلك ضمن عملية أسهم في تنفيذها عدد من الباحثين الذين اعتبروا بأن تاريخ دولنا العربية قد ابتدأ مع قيام النظم القمعية التسلّطية " .
وإمعاناً منه في تشويه صورة النظم الوطنية ذات المرجعية القومية ، يقول مفكرنا : " وهذه الحركات الانقلابية ونظمها القمعية التسلطية ، استمدت الدعم في المرحلة السابقة ، من النظام القائم في الاتحاد السوفيتي ، ولدى تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار منظومة الدول الاشتراكية ، أخذت تستند إلى حوافز غربية في سعيها لاستكمال منظومتها الاستبدادية ، ليكون سقوط العراق في هذه المرحلة ، هو القاعدة التي يمكن تعميمها على مجموع الدول العربية القائمة ، ذلك أن الاستبداد السلطوي المركب إنما يشكل التأسيس لاستجلاب الأغيار الساعين إلى إزالة حدود الدول في المرحلة التاريخية الراهنة " .
وعلى هذا الصعيد ، يربط مفكرنا بين قوانين العولمة ، وبين ما يسمى بالنظام العالمي الجديد الذي تسعى إلى فرضه على مستوى العالم ، الإمبريالية الأمريكية ، معتمدة- كما يشير – نظرية الفوضى الخلاّقة سبيلاً للإطاحة بوجود الدول في المنطقة العربية ، وفي المناطق ذات الحضارات المتخلفة وفق رؤية هنتنجتون ، وذلك حين يقول : " إن النظام العالمي الجديد الذي برز في ظل التطور الهائل على صعيدي الاتصالات والمواصلات ، وضع على أجندته ، مهمة تفكيك الحدود الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وخصوصاً فيما يتعلق بالدولة ومؤسساتها ، ومع حلول هذا النظام ، بدا واضحاً بأن الدولة العربية لم تكن قائمة في يوم ما ، لأن ما كان قائماً – حسب نص مقاله – هو النظم القمعية الاستبدادية التي اختزلت وجود تلك الدولة ،محتلةً فضاءها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي " .
وفي التعرّض للرؤية التي يعبر عنها مفكرنا نود القول :-
أولاً- إن النظرية التي يعرضها هذا المفكر حول أسباب ضعف أو " عدم قيام الدولة العربية في يوم ما " ، لا تنطبق إلا على بعض الدول في العالم العربي " التي خضعت – كما يقول – للحركات الانقلابية التي أنهت مقدمات بناء الدولة " ، في حين أن غالبية هذه الدول ، لم تخضع لمثل تلك الحركات ، ولعلنا نلحظ الارتباك في السياق الذي يعتمده هذا المفكر للتدليل على صحة منطلقه، حين يتطرق في مقاله إلى التجربة اللبنانية ، إذ نجده عندها يتحدث عن أسباب أخرى لهشاشة وضعف الدولة في هذا البلد العربي غير الأسباب المتعلقة بدور الحركات الانقلابية ونظمها القمعية ، ممثلةّ : " في الحضور الكثيف للطائفية السياسية ، وفي ضآلة حضور الأحزاب الوطنية العلمانية ، ثم في عدم وجود مجلس دستوري " وذلك يؤكد بأن الإشكالية التي تعيشها الدولة العربية ، هي أكثر تعقيداًّ من أن يتم اختزالها في دور " الحركات الانقلابية " .
ثانياً- وحين يعبر مفكرنا ( وتياره) . عن الحنين إلى النظم التي أقامتها الزعامات الإقطاعية والبرجوازية الكبيرة عقب الاستقلال ، فإنه إنما يرسم صورة خيالية لتلك النظم ، مفترضاً لها مساراً لا يأخذ في حسابه تعقيدات الواقع الذي خلفه الاستعمار ومن ضمنه زرع القاعدة الاستيطانية العدوانية الصهيونية في قلب دول التجزئة العربية . وهو على هذا الصعيد ، لا يضع في اعتباره ، استعداد مثل هذه الزعامات لمهادنة مشاريع الهيمنة الاستعمارية والصهيونية ، مع أن مثل هذا الاستعداد ، قد عبرت عنه في حينه تلك الزعامات الليبرالية في مصر والعراق وغيرها من البلدان العربية ، فيما سلّمت مثل هذه الزعامات في الجزائر ، بفرنسية بلدها ، مطالبة لمحافظاته حقوقاً تساوي حقوق باقي المحافظات في " البلد الأم ".وما نعتقده هو أن بروز ما يسمى بالنظم أو " الدول المعتدلة " في هذه المرحلة ،إنما هو عودة من جانب تلك النظم للسياسة التي كانت ستعتمدها تلك "القوى الوطنية الاستقلالية "التي يتحدث عنها مفكرنا ، وذلك في نكوص عن النهج التحرري الذي اعتمدته تلك النظم التي يسميها انقلابية .
وإذ نطرح السؤال على هذا الصعيد، هل كانت تجربة تلك القوى الوطنية الاستقلالية – كما يصفها مفكرنا ولا نعلم لأي سبب – في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم في مجال بناء مؤسسات الدولة ، ستكون أكثر نجاحاً ، من القوى التي استمدت الدعم من الدولة السوفيتية ؟ . والجواب على ذلك ، تقدمه تجربة النظم العربية التي ناهضت المشروع القومي التحرري باعتباره قد صنع في الاتحاد السوفيتي منحازة إلى معسكر الدول الرأسمالية " الديمقراطية "، فتجربة هذه النظم ، لا يمكن اعتبارها متقدمة على تجربة النظم الأخرى الانقلابية ، بما يدلل على أن الاشكالية بالنسبة للدولة العربية ، هي أكثر تعقيداً مما يتوهم عشاق الديمقراطية التي تقام حسب وجهة نظرهم ، بقرار إرادوي يتجاوز كل العقبات بوجه هذه الديمقراطية .
ثالثاً- وإذ يعمد مفكرنا إلى الخلط بين قوانين العولمة المرتبطة بثورة الاتصالات والمواصلات ، وبين المشروع النيوكولنيالي الذي تعمل أمريكا وحلفها الغربي والصهيوني لفرضه على المنطقة الشرق أوسطية ، فهو إنما يريد إقناعنا ، بأن الخضوع للمشروع النيوكولنيالي المطروح ، هو بمثابة انسجامٍ مع معطيات النظام العالمي الجديد وذلك كي لا تخرج دولنا ومن ثم شعوبنا من التاريخ . ومن هنا نلحظ هجوم التيار الذي يعبر عن خطابه مقال مفكرنا ، على " من يعلّقون القصور العربي على مشجب الإمبريالية .. ومن يتخذون من شعارات مجابهة الإمبريالية الأمريكية ومشروعها الاستعماري المعلن في المنطقة ، غطاء لسلطتهم الاستبدادية ولانغلاقهم أمام حركة التاريخ" . (؟) .
وعلى هذا الصعيد نود التوضيح ، بأن ما أنجزه تقدم العلم هو محرزٌ سيكون في خدمة البشرية ، وأن القوى الاستعمارية لن تستطيع مهما امتلكت من القوّة ، أن تحتكر هذا الانجاز ليكون محصوراً في خدمة مصالحها . وعلى مستوى المنطق النظري يمكننا القول ، بأنه في الوقت الذي تعمل فيه القوى الاستعمارية والاستغلالية على فرض نموذجها للنظام العالمي في ضوء منجزات الثورة العلمية ، فإن القوى المضادة ، تعمل هي الأخرى من أجل انتصار نظامها النقيض ، وبإنزال هذا المنطق النظري على ما يشهده العالم من حراك شعبي ضد نظام الأوليغارشية المالية الذي يهدد مستقبل البشرية ، يمكننا أن ندرك بأن حركة التاريخ لم تتوقف عند لحظة تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار منظومة الدول الاشتراكية مسجلة الانتصار النهائي لليبرالية المتوحشة .
رابعاً- وبالنسبة " للقاعدة العامة " التي خلص لها مفكرنا ، من أن " الاستبداد السلطوي المركب ، كالذي كان قائماً في العراق ، هو الذي يؤسس لاستجلاب الغزاة ، فإنه إضافة لما تتضمنه هذه الرؤية من تبرئة لأولئك الغزاة الذين ما فتئوا يخططون للاستحواذ على هذه المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية ومن ثم النفطية ، فهي تتضمن كذلك ، إدانة للنظم والقوى العربية التي ترفض الخضوع للسيطرة الاستعمارية ، والرضوخ لإملاءات المشروع الاستعماري المعلن ، باعتبارها المسئولة عن " استجلاب الأغيار " . ومثل هذه النظرية ، تنسحب في وعي مفكرنا والتيار الذي يعبر عنه ، على نظام عبد الناصر ، الذي استجلب هزيمة حزيران عام 1967 ، وعلى سورية، والمقاومة الفلسطينية ، والحركة الوطنية اللبنانية ، التي استجلبت الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 ، وكذلك على حزب الله ( الحزب الشمولي وفق تعبير وليد جنبلاط ) الذي استجلب العدوان الأمريكي الصهيوني على لبنان في تموز عام 2006 ، وهي تنسحب من ثم ، على قوى المقاومة الفلسطينية " التي حرفت الانتفاضة الشعبية عن إطارها السلمي الديمقراطي" فاستجلبت تدمير آلة الحرب الصهيونية وبالمقابل ، فإن ما تزكّيه هذه الرؤية هو نهج النظم والقوى " المعتدلة " التي تخضع دولها وشعوبها للمشاريع الاستعمارية المطروحة ، والتي يواصل قادة أمريكا والغرب والكيان الصهيوني كيل المديح لها ودعمها في مواجهة شعوبها باعتبارها نظماً وقوىً ديمقراطية .
خامساً- ولعل النظرة المسبقة التي تخرج عن قوانين المنطق الصُوري ، هي ما أوصل مفكرنا إلى الربط بين أهداف الاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي ، وبين أهداف القوى الاستعمارية ، في دعمهما للنظم الاستبدادية العربية تهيئة للغزو الخارجي . فمثل هذا الربط ، هو بيان إدانة ضد حركات التحرر في العالم ومن ضمنها حركة التحرر العربية التي نهضت في ظروف توازن القوّة النسبي بين المعسكرين المتجابهين عبر الحرب الباردة ، بل هو بيان إدانة ، للمبادئ والقيم الثورية " التي ثبت فشلها في بناء دول قابلة للحياة " ، بعكس السياسة الانتهازية التي تدير ظهرها للقيم وللمبادئ التي تستفز القوى الغازية ، القادرة على تدمير الدول التي لم يكتمل بناؤها (؟) .
في الختام نقول ، بأن عوامل مركبة هي التي حالت دون ترسّخ بنية الدولة العربية ، وأن الدول الراسخة البنيان في العالم ، لم تؤسسها في كل الظروف نظم ديمقراطية تفتح بلدانها للتغلغل والتحكم الخارجي باسم عدم الانغلاق . وإنه إذا كانت النظم والقوى التحررية العربية على اختلاف مرجعياتها الفكرية ، لم تتمكن من دحر مشاريع الاستعمار ، ومن إزالة خطر تلك المشاريع على بقاء الدولة في المحيط العربي ، فإنها استطاعت بالمقابل ، أن تدفّع المستعمرين ثمن عدوانهم وأطماعهم في هذا المحيط ، وأن توصل المشروع الأمريكي الصهيوني الراهن إلى المأزق باعتراف رئيسة الدبلوماسية الأمريكية في تعليقها على فشل العدوان الأمريكي الصهيوني على لبنان ، وعلى حال قواتها الغازية فوق الأرض العراقية .
وفي رؤية أشمل لمجريات المواجهة الدائرة في العالم في هذه المرحلة الانتقالية من تاريخ العالم ، يمكننا أن نشير إلى حقيقة أن المشروع الإمبراطوري الأمريكي الذي يضفي عليه مفكرنا سمة العولمة ، قد تعرض لضربات قاصمة في الفناء الخلفي لهذه الإمبراطورية ،أي في بلدان أمريكا اللاتينية التي طال خضوعها لسياسة النهب والاستعباد من قبل الجار الأمريكي ، وذلك دون أن تسعف قوانين العولمة هذا الجار ، فتمكنه من دفع الدول القريبة منه إلى الانهيار .
عن أسباب ضعف الدولة العربية
غطاس أبو عيطة
إزاء الخطر الداهم الذي بات يحدق بوجود الدولة في العالم العربي تحت ضغط الهجمة النيوكولنيالية التي تقودها أمريكا ، يجهد المفكرون وأصحاب الرأي ، في الكشف عن أسباب ضعف هذه الدولة الذي يجعلها عرضة للانهيار في ظروف المرحلة التي دخلها النظام العالمي .
وعبر مقالات صحفية مجتزأة ، يذهب بعض هؤلاء المفكرين وأصحاب الرأي ، إلى اختزال عوامل ضعف الدولة العربية في عامل واحد ، هو غياب أو تغييب الديمقراطية ، مغفلين الظروف التي نشأت فيها هذه الدولة ، والعقبات التي وقفت بوجه تطورها ، وهم في ذلك لا يسهمون في وضع اليد على العوامل الحقيقية والموضوعية لهذا الضعف ، ولا يساعدون بالتالي على تحديد المهام المطروحة راهناً التي تمكّن من تجاوز خطر التمزيق والتذرير الذي تجابهه دولنا وشعوبنا العربية .
ففي مقال نشرته صحيفة المجد لمفكر عربي نحترم إسهامه الفكري ، جرت العودة إلى النظرية الأثيرة لدى تيار الليبراليين الجدد ، والتي تحمّل النظم والقوى الوطنية التي تتصدى لحملة الإخضاع الأمريكية الصهيونية ، مسؤولية ما يعانيه الواقع العربي من ضعف عام ، مسلّطين نار حقدهم على تلك النظم والقوى في التقاء واضح مع الهجمة الضارية التي تشنها على ذات النظم والقوى ماكنة الاعلام الاستعمارية .
وملخص ما يطرحه مفكرنا في هذا المقال ، هو " أن الحركات الانقلابية التي استولت على السلطة في البلدان العربية بعد سنوات معدودة من الاستقلال ، هي المسؤولة عن المأزق الذي تعيشه الدولة العربية في المرحلة الراهنة ، ذلك أن هذه الحركات الانقلابية بما أقامته من نظم قمعية منذ ذلك التاريخ ، قد أغلقت الطريق بوجه مقدمات بناء الدولة ومؤسساتها التي شرعت في إطلاقها ( تلك المقدمات ) القوى الوطنية الاستقلالية التي تسلمت الحكم بعد رحيل المستعمر ، بحيث بات سبيل الخروج من المأزق الذي تواجهه الدولة العربية في اللحظة الراهنة مسدوداً تماماً ، كون المجتمعات العربية ، ليس بمقدورها العودة إلى الإرث الذي ارتبط ببرامج وسياسات القوى الاستقلالية بعد أن جرى طمسه على يد الحركات الانقلابية ونظمها القمعية وذلك ضمن عملية أسهم في تنفيذها عدد من الباحثين الذين اعتبروا بأن تاريخ دولنا العربية قد ابتدأ مع قيام النظم القمعية التسلّطية " .
وإمعاناً منه في تشويه صورة النظم الوطنية ذات المرجعية القومية ، يقول مفكرنا : " وهذه الحركات الانقلابية ونظمها القمعية التسلطية ، استمدت الدعم في المرحلة السابقة ، من النظام القائم في الاتحاد السوفيتي ، ولدى تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار منظومة الدول الاشتراكية ، أخذت تستند إلى حوافز غربية في سعيها لاستكمال منظومتها الاستبدادية ، ليكون سقوط العراق في هذه المرحلة ، هو القاعدة التي يمكن تعميمها على مجموع الدول العربية القائمة ، ذلك أن الاستبداد السلطوي المركب إنما يشكل التأسيس لاستجلاب الأغيار الساعين إلى إزالة حدود الدول في المرحلة التاريخية الراهنة " .
وعلى هذا الصعيد ، يربط مفكرنا بين قوانين العولمة ، وبين ما يسمى بالنظام العالمي الجديد الذي تسعى إلى فرضه على مستوى العالم ، الإمبريالية الأمريكية ، معتمدة- كما يشير – نظرية الفوضى الخلاّقة سبيلاً للإطاحة بوجود الدول في المنطقة العربية ، وفي المناطق ذات الحضارات المتخلفة وفق رؤية هنتنجتون ، وذلك حين يقول : " إن النظام العالمي الجديد الذي برز في ظل التطور الهائل على صعيدي الاتصالات والمواصلات ، وضع على أجندته ، مهمة تفكيك الحدود الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وخصوصاً فيما يتعلق بالدولة ومؤسساتها ، ومع حلول هذا النظام ، بدا واضحاً بأن الدولة العربية لم تكن قائمة في يوم ما ، لأن ما كان قائماً – حسب نص مقاله – هو النظم القمعية الاستبدادية التي اختزلت وجود تلك الدولة ،محتلةً فضاءها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي " .
وفي التعرّض للرؤية التي يعبر عنها مفكرنا نود القول :-
أولاً- إن النظرية التي يعرضها هذا المفكر حول أسباب ضعف أو " عدم قيام الدولة العربية في يوم ما " ، لا تنطبق إلا على بعض الدول في العالم العربي " التي خضعت – كما يقول – للحركات الانقلابية التي أنهت مقدمات بناء الدولة " ، في حين أن غالبية هذه الدول ، لم تخضع لمثل تلك الحركات ، ولعلنا نلحظ الارتباك في السياق الذي يعتمده هذا المفكر للتدليل على صحة منطلقه، حين يتطرق في مقاله إلى التجربة اللبنانية ، إذ نجده عندها يتحدث عن أسباب أخرى لهشاشة وضعف الدولة في هذا البلد العربي غير الأسباب المتعلقة بدور الحركات الانقلابية ونظمها القمعية ، ممثلةّ : " في الحضور الكثيف للطائفية السياسية ، وفي ضآلة حضور الأحزاب الوطنية العلمانية ، ثم في عدم وجود مجلس دستوري " وذلك يؤكد بأن الإشكالية التي تعيشها الدولة العربية ، هي أكثر تعقيداًّ من أن يتم اختزالها في دور " الحركات الانقلابية " .
ثانياً- وحين يعبر مفكرنا ( وتياره) . عن الحنين إلى النظم التي أقامتها الزعامات الإقطاعية والبرجوازية الكبيرة عقب الاستقلال ، فإنه إنما يرسم صورة خيالية لتلك النظم ، مفترضاً لها مساراً لا يأخذ في حسابه تعقيدات الواقع الذي خلفه الاستعمار ومن ضمنه زرع القاعدة الاستيطانية العدوانية الصهيونية في قلب دول التجزئة العربية . وهو على هذا الصعيد ، لا يضع في اعتباره ، استعداد مثل هذه الزعامات لمهادنة مشاريع الهيمنة الاستعمارية والصهيونية ، مع أن مثل هذا الاستعداد ، قد عبرت عنه في حينه تلك الزعامات الليبرالية في مصر والعراق وغيرها من البلدان العربية ، فيما سلّمت مثل هذه الزعامات في الجزائر ، بفرنسية بلدها ، مطالبة لمحافظاته حقوقاً تساوي حقوق باقي المحافظات في " البلد الأم ".وما نعتقده هو أن بروز ما يسمى بالنظم أو " الدول المعتدلة " في هذه المرحلة ،إنما هو عودة من جانب تلك النظم للسياسة التي كانت ستعتمدها تلك "القوى الوطنية الاستقلالية "التي يتحدث عنها مفكرنا ، وذلك في نكوص عن النهج التحرري الذي اعتمدته تلك النظم التي يسميها انقلابية .
وإذ نطرح السؤال على هذا الصعيد، هل كانت تجربة تلك القوى الوطنية الاستقلالية – كما يصفها مفكرنا ولا نعلم لأي سبب – في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم في مجال بناء مؤسسات الدولة ، ستكون أكثر نجاحاً ، من القوى التي استمدت الدعم من الدولة السوفيتية ؟ . والجواب على ذلك ، تقدمه تجربة النظم العربية التي ناهضت المشروع القومي التحرري باعتباره قد صنع في الاتحاد السوفيتي منحازة إلى معسكر الدول الرأسمالية " الديمقراطية "، فتجربة هذه النظم ، لا يمكن اعتبارها متقدمة على تجربة النظم الأخرى الانقلابية ، بما يدلل على أن الاشكالية بالنسبة للدولة العربية ، هي أكثر تعقيداً مما يتوهم عشاق الديمقراطية التي تقام حسب وجهة نظرهم ، بقرار إرادوي يتجاوز كل العقبات بوجه هذه الديمقراطية .
ثالثاً- وإذ يعمد مفكرنا إلى الخلط بين قوانين العولمة المرتبطة بثورة الاتصالات والمواصلات ، وبين المشروع النيوكولنيالي الذي تعمل أمريكا وحلفها الغربي والصهيوني لفرضه على المنطقة الشرق أوسطية ، فهو إنما يريد إقناعنا ، بأن الخضوع للمشروع النيوكولنيالي المطروح ، هو بمثابة انسجامٍ مع معطيات النظام العالمي الجديد وذلك كي لا تخرج دولنا ومن ثم شعوبنا من التاريخ . ومن هنا نلحظ هجوم التيار الذي يعبر عن خطابه مقال مفكرنا ، على " من يعلّقون القصور العربي على مشجب الإمبريالية .. ومن يتخذون من شعارات مجابهة الإمبريالية الأمريكية ومشروعها الاستعماري المعلن في المنطقة ، غطاء لسلطتهم الاستبدادية ولانغلاقهم أمام حركة التاريخ" . (؟) .
وعلى هذا الصعيد نود التوضيح ، بأن ما أنجزه تقدم العلم هو محرزٌ سيكون في خدمة البشرية ، وأن القوى الاستعمارية لن تستطيع مهما امتلكت من القوّة ، أن تحتكر هذا الانجاز ليكون محصوراً في خدمة مصالحها . وعلى مستوى المنطق النظري يمكننا القول ، بأنه في الوقت الذي تعمل فيه القوى الاستعمارية والاستغلالية على فرض نموذجها للنظام العالمي في ضوء منجزات الثورة العلمية ، فإن القوى المضادة ، تعمل هي الأخرى من أجل انتصار نظامها النقيض ، وبإنزال هذا المنطق النظري على ما يشهده العالم من حراك شعبي ضد نظام الأوليغارشية المالية الذي يهدد مستقبل البشرية ، يمكننا أن ندرك بأن حركة التاريخ لم تتوقف عند لحظة تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار منظومة الدول الاشتراكية مسجلة الانتصار النهائي لليبرالية المتوحشة .
رابعاً- وبالنسبة " للقاعدة العامة " التي خلص لها مفكرنا ، من أن " الاستبداد السلطوي المركب ، كالذي كان قائماً في العراق ، هو الذي يؤسس لاستجلاب الغزاة ، فإنه إضافة لما تتضمنه هذه الرؤية من تبرئة لأولئك الغزاة الذين ما فتئوا يخططون للاستحواذ على هذه المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية ومن ثم النفطية ، فهي تتضمن كذلك ، إدانة للنظم والقوى العربية التي ترفض الخضوع للسيطرة الاستعمارية ، والرضوخ لإملاءات المشروع الاستعماري المعلن ، باعتبارها المسئولة عن " استجلاب الأغيار " . ومثل هذه النظرية ، تنسحب في وعي مفكرنا والتيار الذي يعبر عنه ، على نظام عبد الناصر ، الذي استجلب هزيمة حزيران عام 1967 ، وعلى سورية، والمقاومة الفلسطينية ، والحركة الوطنية اللبنانية ، التي استجلبت الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 ، وكذلك على حزب الله ( الحزب الشمولي وفق تعبير وليد جنبلاط ) الذي استجلب العدوان الأمريكي الصهيوني على لبنان في تموز عام 2006 ، وهي تنسحب من ثم ، على قوى المقاومة الفلسطينية " التي حرفت الانتفاضة الشعبية عن إطارها السلمي الديمقراطي" فاستجلبت تدمير آلة الحرب الصهيونية وبالمقابل ، فإن ما تزكّيه هذه الرؤية هو نهج النظم والقوى " المعتدلة " التي تخضع دولها وشعوبها للمشاريع الاستعمارية المطروحة ، والتي يواصل قادة أمريكا والغرب والكيان الصهيوني كيل المديح لها ودعمها في مواجهة شعوبها باعتبارها نظماً وقوىً ديمقراطية .
خامساً- ولعل النظرة المسبقة التي تخرج عن قوانين المنطق الصُوري ، هي ما أوصل مفكرنا إلى الربط بين أهداف الاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي ، وبين أهداف القوى الاستعمارية ، في دعمهما للنظم الاستبدادية العربية تهيئة للغزو الخارجي . فمثل هذا الربط ، هو بيان إدانة ضد حركات التحرر في العالم ومن ضمنها حركة التحرر العربية التي نهضت في ظروف توازن القوّة النسبي بين المعسكرين المتجابهين عبر الحرب الباردة ، بل هو بيان إدانة ، للمبادئ والقيم الثورية " التي ثبت فشلها في بناء دول قابلة للحياة " ، بعكس السياسة الانتهازية التي تدير ظهرها للقيم وللمبادئ التي تستفز القوى الغازية ، القادرة على تدمير الدول التي لم يكتمل بناؤها (؟) .
في الختام نقول ، بأن عوامل مركبة هي التي حالت دون ترسّخ بنية الدولة العربية ، وأن الدول الراسخة البنيان في العالم ، لم تؤسسها في كل الظروف نظم ديمقراطية تفتح بلدانها للتغلغل والتحكم الخارجي باسم عدم الانغلاق . وإنه إذا كانت النظم والقوى التحررية العربية على اختلاف مرجعياتها الفكرية ، لم تتمكن من دحر مشاريع الاستعمار ، ومن إزالة خطر تلك المشاريع على بقاء الدولة في المحيط العربي ، فإنها استطاعت بالمقابل ، أن تدفّع المستعمرين ثمن عدوانهم وأطماعهم في هذا المحيط ، وأن توصل المشروع الأمريكي الصهيوني الراهن إلى المأزق باعتراف رئيسة الدبلوماسية الأمريكية في تعليقها على فشل العدوان الأمريكي الصهيوني على لبنان ، وعلى حال قواتها الغازية فوق الأرض العراقية .
وفي رؤية أشمل لمجريات المواجهة الدائرة في العالم في هذه المرحلة الانتقالية من تاريخ العالم ، يمكننا أن نشير إلى حقيقة أن المشروع الإمبراطوري الأمريكي الذي يضفي عليه مفكرنا سمة العولمة ، قد تعرض لضربات قاصمة في الفناء الخلفي لهذه الإمبراطورية ،أي في بلدان أمريكا اللاتينية التي طال خضوعها لسياسة النهب والاستعباد من قبل الجار الأمريكي ، وذلك دون أن تسعف قوانين العولمة هذا الجار ، فتمكنه من دفع الدول القريبة منه إلى الانهيار .