قراءة في كتاب/"انفجار المشرق العربي" لجورج قرم

  

                                                                      غطاس أبو عيطة                 

مقدمة

هذا الكتاب الذي يتعرض بالسرد والتحليل لتاريخ المشرق العربي- الذي لا ينفصل عن مجمل تاريخ العالم العربي- على امتداد نصف القرن المنصرم (من عام 1956 إلى عام 2006), هو حصيلة جهد كبير استمر على مدى ربع قرن قام به الدكتور جورج قرم أستاذ العلوم السياسية في الجامعات الفرنسية ووزير الاقتصاد اللبناني السابق، لتكتمل أجزاؤه التي توالى نشرها في كتب مستقلة منذ عام 1983 ليصدر مؤخراً في مجلد ضخم عن دار الفارابي البيروتية ضمن 863 صفحة، بعد إعادة ترجمته كاملاً عن الفرنسية وإعادة مراجعته تحت إشراف الكاتب.

            وفي صيغته النهائية، ضم الكتاب أربعة أجزاء توزعت على ثلاثة وعشرين فصلاً، إضافة إلى المدخل والخاتمة والملاحق الوثائقية، وفيما تعرض جزؤه الأول إلى مناقشة معمَّقة حول هوية المشرق العربي الجغرافية والسكانية والتي بقيت ملتبسة لعوامل متعددة أهمها هيمنة الرؤية الغربية تجاه هذه المنطقة، فقد تناولت الأجزاء الثلاثة الأخرى، مسار الأحداث في هذا المشرق التي خضعت لمؤثرات داخلية وخارجية متشابكة، ليكون الكتاب حسب تقييمنا، أهم محاولة لإلقاء نظرة شمولية على تاريخ المنطقة المعاش، وأنضج رؤية تاريخية يتقدم بها مفكر عربي يسكنه القلق على مستقبل ومصير الأمة العربية.

وفي إطار "تحقيبه" للفترة التاريخية موضوع الدراسة، يرى الكاتب، بأن مشرقنا ومن ثم عالمنا العربي، قد مر بمرحلتين متمايزتين، هما مرحلة النهوض القومي التحريري الذي قاده نظام عبد الناصر، وابتدأت مع قراره التاريخي بتأميم قناة السويس عام 1956. حيث تميزت هذه المرحلة بانتشار حالة من النهوض الثوري اجتاحت المنطقة العربية.. ثم المرحلة المتطاولة والمستمرة من انحسار المد الثوري، والتي ابتدأت مع هزيمة حزيران  عام 1967، وتواصلت بتأثير الفورة النفطية التي أعقبت حرب تشرين عام 1973، والتي عززت مكانة البلدان والنظم النفطية، التي كانت في منأىً، وفي تعارض مع المشروع القومي الناصري، والتي غدت داعمة للتيار الأصولي الذي انتشر في المنطقة، في مسعىً لوضعه في مواجهة التيار والمشروع القومي، لكي يسهل فرض المشروع الاستعماري على المنطقة الذي يشكل النقيض التاريخي للمشروع القومي التحريري والنهضوي للأمة وللشعوب العربية.

 لمحات فكرية تحليلية تضمنها الكتاب:

وإذ نعرض لبعض الأفكار التي استوقفتنا في سياق رؤية الكاتب التحليلية لمسار تاريخ المنطقة المعاصر، فإننا نتوقف بداية، عندما تطرق له من أن الفتنة الطائفية التي ضربت لبنان عام 1860 وامتد أثرها إلى المشرق العربي بوجه عام وإلى سورية خاصةً، قد أتت في أعقاب هزيمة مشروع محمد علي باشا الذي انطلق من مصر على يد تحالف الدول الاستعمارية الغربية، مشكلة (هذه الفتنة) مؤشراً على مسار التجزئة الذي دخلته المنطقة تحت ضغط القوى الاستعمارية، والتي استكملت سيطرتها على المنطقة المجزأة مع نهاية الحرب العالمية الأولى.. لتكون الفتنة الثانية (الحرب الأهلية) التي شهدها لبنان منذ عام 1975، التي اندلعت مع إسدال الستار على مشروع عبد الناصر الذي سار على خطى مشروع محمد علي بملامح قومية واضحة، وذلك مع دخول نظام السادات في مسيرة كامب ديفيد التي ابتدأت مع اتفاق فصل القوات مع العدو الصهيوني إثر حرب تشرين عام 1973، لتكون هذه الفتنة مدخلاً لولوج المنطقة مرحلة جديدة من الانكشاف أمام المشروع الاستعماري الغربي الذي يرمي إلى تمزيق المنطقة.. ليعود لبنان مجدداً ليكون مسرحاً للمواجهة بين المشروعين التاريخيين المتعارضين، مع الأزمة التي يعيشها في المرحلة الراهنة، والتي أعقبت سقوط بغداد عام 2003 أمام الغزوة النيوكولنيالية التي تقودها أمريكا على المنطقة في سياق مخططها لتمزيق وتذرير المنطقة، ليبدو للمتابع لتاريخ هذه المنطقة المعاصر، بأن تجزئتها وتمزيقها (انفجارها) على أرضية مشاريع السيطرة الاستعمارية، قد مرت دائماً عبر لبنان الذي كرس فيه التدخل الاستعماري تلك البنية السياسية الهشة التي تقوم على أساس الفئوية الطائفية.

كما نتوقف عند رؤية أشمل، وذات طابع فكري لدور التغلغل الاستعماري الغربي في زعزعة استقرار المنطقة، حيث يتناول الكاتب خلال الجزء الأول من كتابه كما أسلفنا، خصوصية هذه المنطقة(المشرق العربي) ، التي أطلق عليها الغرب تسميات تنطلق من اعتبار أوربا بأنها مركز العالم، لتوضع المنطقة تحت اسم الشرق الأدنى، والشرق الأوسط نسبة إلى موقعها من أوروبا، دون أن تحدد هذه التسميات حدود جغرافية المنطقة أو هوية سكانها. ويرى الكاتب هنا، بأن الغرب الأوروبي لم يرد ولم يستطع أن يستوعب تلك الخصوصية لهذه المنطقة من العالم، التي قامت هويتها الحضارية على أساس التعددية، حيث تمازجت على أرضها الحضارات التي تعاقبت عليها على مدى آلاف الأعوام، وتجانست فوق تربتها الأعراق التي توالت على الاستقرار فوق تلك التربة خاضعة لأجوائها المشرقية العربية، وفيما حرص من تعاطى من الغربيين مع قضايا المنطقة وخاصة في الحقبة الاستعمارية، على اختزال هوية المنطقة بالإسلام، وذلك ضمن رؤية عدائية تجاه هذه الديانة ترسخت في وعي الأوروبي الغربي عبر عصور من الصراع والحروب التي جرت مع العالم الإسلامي، فإن ما يوضحه الكاتب ردًا على هذه الرؤية، هو أن المنطقة التي شكلت مهد الحضارة الإنسانية، قد انصهرت مكوناتها السكانية في بوتقة وعيٍٍ ألف التعددية.. وإنه مثلما شكلت اللغة العربية- كامتداد وتطوير وإغناء للغة واللهجات السامية التي عرفتها المنطقة، والتي انتصرت منذ فترة مبكرة على اللغات الوافدة كاليونانية واللاتينية والفارسية-، حاضناً لهوية المنطقة الثقافية، كذلك فعلت الديانة الإسلامية، التي جاءت هي الأخرى امتداداً وإغناءً وتطويراً للإرث الروحي الإبراهيمي الذي انتسبت له اليهودية والمسيحية، لتكون هذه الديانة بحكم تمثلها لثقافة المنطقة، ومن خلال قبولها للرسالات السماوية الأخرى التي عرفتها هذه المنطقة، أداة توحيد لسكانها، وعامل استقرار فيها، ليستمر هذا الدور للإسلام قائماً وفاعلاً عبر الدول الإسلامية التي تعاقبت على المنطقة وصولاً إلى الدولة العثمانية، إلى أن بدأ النموذج الأوروبي الغربي للأمة وللدولة القومية بالتغلغل في المنطقة إبان ضعف الدولة العثمانية وفي ظل تعاظم قوة الحركة الاستعمارية، دافعاً نحو بروز النزعات الفئوية، العرقية والدينية والجهوية والقبلية..الخ، وذلك بالإضافة إلى تأثير المكائد الاستعمارية التي بدت واضحة في فتنة لبنان عام 1860. وقد فاقم من أزمة هوية المنطقة كما يشير الكاتب، زرع القوى الاستعمارية للدولة الصهيونية في قلب المنطقة التي أقيمت على أساس المكوّن الديني، لكي تستحضر عبر هذه الدولة، ذاكرة تجاوزها الزمن للمجموعات السكانية، التي تمازجت وانصهرت وتعايشت وتشكلت لها ذائقة واحدة في المطبخ، وفي الموسيقى، وفي الأدب، بحيث باتت متميزة عن المجموعات السكانية الأخرى من العالم.

لكنه مع تأكيد الكتاب على دور العامل الخارجي الاستعماري في استثارة التمايزات الفئوية في مشرق العالم العربي و مغربه، إلا أنه لا يغفل العامل أو العوامل الذاتية الداخلية التي تجادلت وتقاطعت مع العامل الخارجي  وسهلت تأثيراته السلبية. و على هذا الصعيد، يتحدث الكتاب عن ضعف التنمية الاقتصادية و البشرية في العالم العربي بما أبقاه ضعيفا أمام المؤثرات الخارجية، مبينا على سبيل المثال، بأن مجموع الدخل القومي السنوي لعشرين دولة عربية بما فيها النفطية، لم يتجاوز ال 650 مليار دولاراً في حين بلغ دخل إيطاليا القومي، و هي دولة أوروبية متوسطة، 1080 مليارا. كما يتطرق الكتاب، لواقع سيادة نمط الدولة الريعية في المحيط العربي والتي لاتكون مسؤولة أمام " رعاياها" الذين تتصدق عليهم بشروط معيشتهم. كما يتوقف مطولاً عند النتائج الكارثية للفورة النفطية التي أعقبت الهزيمة المذلة التي لحقت بالمشروع القومي التحرري في حرب حزيران، إذ نقلت هذه الفورة كما أسلفنا مركز قرار المنطقة إلى الدول النفطية التابعة، وخدرت الروح الثورية لدى الجماهير الشعبية ليبرز ذلك إبان الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982، وأنتجت في مدى أعوام محدودة، نماذج من الأثرياء العرب، الذين ارتبطوا بمراكز العولمة الرأسمالية من فوق رأس شعوبهم ودولهم منخرطين في مشروع النظام الإقليمي الشرق أوسطي، ويبرز الكتاب هنا نموذج رفيق الحريري. ونجم عن هذه الفورة كذلك، استقرار النظم الحاكمة عقوداً من الزمن، بما ترتب على ذلك من جمود في حركة التغيير في مختلف البلدان العربية. كما وفرت العائدات النفطية التي "عم خيرها" جميع البلدان العربية، إمكانية اعتماد النظم الحاكمة في حماية استقرارها على الأجهزة القمعية المضخمة، وما تبع ذلك، من ازدراء موقف الجماهير، ومن تغييب الديمقراطية التي تشكل شرطاً هاماً من شروط التغيير والتقدم وترسيخ ثقافة المواطنة على حساب الروابط الفئوية الانعزالية.

وما نود الإشارة له على هذا الصعيد، هو أن الكاتب في تشخيصه لأمراض العالم العربي انطلاقاً من مشرقه، يتجاوز النظرة الأحادية الجانب التي تقوم على جلد الذات، بحيث تصل في توجهاتها المريضة، إلى حد تبرئة القوى الاستعمارية مما تعانيه شعوب المنطقة، وإلى حدود الالتحاق بالمشاريع الاستعمارية باسم التقاء مصالح شعوبنا مع مصالح القوى الاستعمارية عند نقطة العداء للنظم الدكتاتورية وللتيار الأصولي. وذلك لا يعني بأن الكاتب قد بلغ مرحلة من التوازن في الرؤية لا تسمح  بإبداء أية ملاحظات نقدية على كتابه.

 ومما استوقفنا أيضا في مادة الكتاب، غنى مقاربة الكاتب لعوامل انحياز الغرب الأوروبي للمشروع الصهيوني في المنطقة، وانغلاق وعيه بالتالي أمام الحقوق العربية.

ومن أبرز العوامل التي يقف عندها الكاتب:ـ

ـ عقدة الشعور بالذنب لدى الأوربي تكفيراً عن تاريخه الطويل في معاداة السامية، و ما نجم عن ذلك من اضطهادات ومذابح عرفها الغرب الأوروبي ضد اليهود، والتي بلغت ذروتها مع ما سمي بالمحرقة النازية. ذلك أن هذا الغرب، لا يريد أن يعي جوهر الثقافة المشرقية التي تبناها الإسلام، والتي لم تعرف طيلة تاريخها مثل هذه العنصرية و الأقصائية تجاه اليهود أو غيرهم من الجماعات السكانية،وأنه انطلاقاً من هذه العقدة يقوم الغرب بمحاكمة قضايا الصراع العربي- الصهيوني.

-         وتحت تأثير هذه العقدة، يعتبر الغرب الأوروبي بأن قيام "إسرائيل"، قد شكل حلاً نهائياً للمسألة اليهودية التي لم يعرفها المشرق والعالم العربي والإسلامي، وهو لا يريد أن يستوعب موقف العرب والمسلمين من هذا الحل الذي قام على أرضية المشاريع الاستعمارية المتعلقة بالمنطقة، وبالتالي فهو يذهب في         عدم فهمه، إلى مواقف الدعم المطلق للعدوانية الصهيونية تجاه شعوب المنطقة، وإلى وصم مقاومة هذه الشعوب رداً على العدوان الواقع عليها بالإرهاب، معتبراً هذا الرد، على أنه نتاج رفض هذه الشعوب "للحل الإنساني" لتلك المسألة، على أساس أن الإسلام هو الذي يعيق تقبل شعوب المنطقة للفكر الحداثي والعصري والإنساني الذي هو نتاج الحضارة الغربية(؟).

-         ومن العوامل كذلك، ما تولد لدى الوعي الأوروبي من قناعة، بأن معافاة المجتمعات الأوروبية من معاداة السامية بعد قيام الدولة اليهودية، قد أوصل هذه المجتمعات إلى أعلى مراحل ليبراليتها وذلك من خلال تخلصها من آخر نزعاتها غير الليبرالية المتعلقة بمعاداة السامية. وبالنسبة لعداء شعوب المشرق والعالم العربي والإسلامي للدولة اليهودية لكونها قاعدة استعمارية عدوانية وكيان اغتصابي تم زرعه في قلب المنطقة. فهو في نظر الغرب الأوروبي، مرتبط بتخلف هذه الشعوب عن ركب الليبرالية التي تتعارض حسب رؤيتهم التبسيطية والاستعلائية والعدائية، مع جوهر الإسلام، ومع جوهر الحضارات الشرقية بوجه عام التي لا تنتج غير الثقافة والنظم الاستبدادية.

-         ومن العوامل البالغة الأهمية التي يتوقف عندها الكاتب، عامل انتقال مركز الغرب والحضارة الغربية إلى أمريكا التي تهيمن فيها الثقافة الأنجلوسكسونية التي برَّرت إبادة السكان الأصليين لأمريكا الشمالية، والتي لم تتطعَّم بثقافة عصر الأنوار العلمانية التي تتجاوز الانغلاق الديني والعرقي. وإنه فيما قام فكر النهضة الأوروبية على اعتبار أن الحضارة اليونانية والرومانية هما جذر الحضارة الغربية الأوروبية، فإن فكر الثقافة الأمريكية، بني على اعتبار أن الديانة اليهودية والفكر التوراتي هو الجذر لهذه الحضارة. ومع أن المسيحية المتصهينة قد لقيت رواجاً في المجتمع الأمريكي وخاصة في الوسط الأنجلوسكسوني، فإن أثر هذه المسيحية، قد امتد إلى الغرب الأوروبي الذي بات ينتسب تأثراً بالنظريات الأمريكية إلى ما يسمى بالحضارة اليهودية- المسيحية  وذلك في تراجع واضح عن تقاليد عصر الأنوار الفكرية.

-           وعلى أساس هذا الوعي المعمم في العقل الأوروبي- كما يوضح الكاتب-، أتت حماسة الشعوب الأوروبية لعملية السلام الأمريكية المنطلقة من مؤتمر مدريد، حيث عميَ هذا العقل عن طبيعة هذا السلام الذي تحمله موجة غزو استعماري جديدة، تفوق في عنصريتها وضراوتها كل ما عرفته الغزوة الاستعمارية الأوروبية في القرن التاسع عشر وامتدت إلى القرن العشرين، لكي تضعف وتنهار عقب الحرب العالمية الثانية.

-         وإذ بدأ الوعي الأوروبي وخاصةً الشعبي منه، ينتبه كما يشير الكاتب إلى حقيقة السلام الأمريكي الصهيوني المطروح على شعوب المنطقة، وذلك بتأثير الغزو الأنجلوأمريكي التدميري والتمزيقي للعراق، وعلى وقع جرائم  المحتلين الصهاينة بحق الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني، فقد تصاعد الابتزاز الصهيوني ضد شعوب أوروبا متحدثاً عن معاداة السامية، فيما سارعت إدارة بوش الابن الأمريكية إلى تطويب مجرم الحرب الصهيوني شارون كرجل سلام، متساوقة بحكم أيديولوجيتها مع التيار الأكثر عنصرية في اليمين الصهيوني.

 ـ   بشأن الملاحظات النقدية على الكتاب:              

وفي باب نقدنا لبعض التوجهات الفكرية السياسية التي تضمنها الكتاب، فإننا نشير إلى عاملين نعتقد أنهما أثرا في السياق الذي حكم تلك التوجهات، أولهما- توجُّه الكاتب في خطابه إلى القارئ الغربي الأوروبي محاولاً إقناعه بوجهة النظر العربية، وما اقتضاه ذلك من استخدام سياق يأخذ في الاعتبار مفاهيم العقل الغربي. ثانيهما – انطلاق الكاتب، من رؤية أن العقود التاريخية التي أعقبت هزيمة حزيران، هي عقود تراجع وانحدار في مسار المشرق والعالم العربي تحت ضغط المشروع الاستعماري، الأمر الذي دفعه إلى التقليل من شأن الظواهر الثورية التي شهدتها هذه العقود، والتي لم تكن برأينا مجرد عقبات واجهت المشروع المذكور، أو أنها من مخلفات مرحلة النهوض الثوري السابقة كما يذكر الكاتب، وأن هذه الظواهر التي تواصل بروزها برغم منحى التراجع، إنما أتت تعبيراً عن الطاقات التي تختزنها شعوب المنطقة، والتي غالباً ما تجري الاستهانة بها في مناخات الإحباط .

وما نود الوقوف عنده في هذا المجال:-

تقييم الكاتب للتجربة الناصرية؛ إذ ينظر الكاتب إلى هذه التجربة، باعتبارها استعادة لمشروع محمد علي الذي نشد النهوض لمصر والمشرق العربي، عن طريق استحضار "مظاهر تقدم" المجتمعات الغربية، أي تقليد تلك المجتمعات لعدم إدراك أن عملية التقدم، تحتاج نهضة فكرية شاملة، وهنا يذهب الكاتب إلى القول،  بأن هذا الاهتمام بمكونات التقدم الغربي، قد تحول في عهد خلف عبد الناصر (أنور السادات) إلى افتتان بالغرب، ليكون عهد السادات من هذه الزاوية، بمثابة امتداد لعهد ولرؤية عبد الناصر. ويبين الكاتب على هذا الصعيد، بأن لاءات قمة الخرطوم التي أتت إثر هزيمة حزيران، قد استثنت الغرب الداعم للكيان الصهيوني من تلك اللاءات، بما يدلل على الوشائج النفسية التي حكمت رؤية عبد الناصر تجاه الغرب، والتي أوصلته سريعاً، إلى التصالح مع النظم التابعة لهذا الغرب والتساوق مع موقفها تجاهه سواء في قمة الخرطوم أو في قبول مشروع روجرز.

وإذ يشيد الكاتب بخطاب عبد الناصر الذي يستثير من خلاله شعور الكرامة الوطنية والقومية لدى شعب مصر ولدى الشعوب العربية، فهو يرى بأن هذا الخطاب، لم يستند إلى نظرية ثورية متماسكة على المستوى الفكري، وذلك ما يفسر ضعف التيار الناصري بعد رحيل رمزه برغم الوداع الحار الذي شيعت به الجماهير العربية هذا الرمز.

وما نراه على هذا الصعيد في تعارض مع رؤية الكاتب، هو أن الناصرية قد بقيت فاعلة في ضمير ووجدان الشعوب العربية، وأنه ليس أدل على ذلك، من عودة الكاتب بذاكرته إلى الناصرية تحديداً، وهو يتحدث عن النصر التاريخي الذي حققته المقاومة اللبنانية في حرب تموز-آب الأخيرة على العدو الصهيوني، والذي أعاد إيقاظ الوعي العربي على قاعدة مشروع عبد الناصر القومي الوحدوي التحرري.

نظرة الكاتب إلى دور سورية في لبنان: إذ تغلب على نظرة الكاتب هنا لتجربة العلاقة السورية- اللبنانية، النزعة القطرية الضيقة التي برزت لدى أوساط من النخب اللبنانية. ليغدو دافع النظام السوري في التدخل العسكري في الأزمة اللبنانية، وفي سعيه لما يسميه الكاتب الإمساك بالورقة الفلسطينية، هو تعزيز مكانة هذا النظام الإقليمية وبأي ثمن، حتى لو تم ذلك على حساب شعاراته القومية وما يعلنه من عدائه للإمبريالية. وتساوقاً مع هذه النظرة، لا يبرز الكاتب أحداثاً ذات دلالة أفرزتها تلك العلاقة، التي لا يمكن أن تقوم بمعزل عن تجاذبات القوُّة التي تدور في المنطقة، فهو لا يتطرق مثلاً، إلى الصدام العسكري الذي لم يتردد النظام السوري في خوضه مع أمريكا دفاعاً عن المشروع القومي، ولا يتوقف عند دعم سورية للمقاومة اللبنانية- الفلسطينية التي قادت إلى اندحار القوَّات الغازية عن عاصمة وعن أرض لبنان، وهي قوات صهيونية  وأطلسية وأمريكية، أو عند دور الوجود السوري على أرض لبنان، في إسقاط اتفاق السابع عشر من أيار الذي أريد له تحويل لبنان إلى محمية صهيونية، ثم دور هذا الوجود السوري في فرض تفاهم نيسان على الحلف الأمريكي- الصهيوني عام 1996 والذي فتح الطريق أمام تحرير الشريط الحدودي اللبناني من الاحتلال الصهيوني عام 2000، وأخيراً دور سورية، في توفير الإمكانات المادية، التي مكنت حزب الله من إلحاق هزيمة إستراتيجية بالحلف الأمريكي الصهيوني  في حرب أو في عدوان تموز-آب على لبنان عام 2006.

 وفي الرد على هذه النظرة التي تبرز السلبيات وتعتم على منجزات هامة، يمكن التذكير، بأن أحداث التاريخ لا تأتي نقية كما تجري في مختبر، وأن من يبحث عن منجزات تاريخية خالية من كل الشوائب فهو لن يجد مثل تلك المنجزات.

-نظرة الكاتب إلى المقاومة الفلسطينية: إذ ينظر الكاتب إلى بروز المقاومة الفلسطينية على مسرح الأحداث في المنطقة، على أساس أنها من مخلفات الفوران الثوري الذي أطلقه عبد الناصر وانحسر بعد هزيمة حزيران. وهو يرى بأن المقاومة الفلسطينية، إثر خروجها من الأردن، بعد تصادمها مع النظام القائم، وعقب تمددها في لبنان على حساب سيادته الوطنية، لم تجلب لجماهير لبنان ولأبناء المخيمات الفلسطينية رداً على عملياتها العسكرية الاستعراضية ضد "إسرائيل"، غير الدمار والخراب والمآسي. وما أخطأت فيه قيادة هذه المقاومة، أنها لم تعلن حكومة في المنفى عام 1974، متعلقة ربما "بحكومتها الثورية" في الفاكهاني . وفي تقييمه لشخصية رئيس الوفد الفلسطيني في مؤتمر مدريد للسلام الدكتور حيدر عبد الشافي، يرى الكاتب بأنه قدَّم "صورة حضارية" للشعب الفلسطيني أمام العالم، على النقيض من صورة قادة المقاومة المتمنطقين بالمسدسات والتي لم يتقبلها العقل الغربي. إضافة إلى طرح الكاتب لحل الدولة الثنائية القومية في فلسطين والتي نراها تسليماً بالوقائع الاستيطانية الصهيونية وتسليماً لا واعياً بالمشروع الصهيوني.

ونرد على الكاتب هنا، بأن هذه المقاومة على جميع علاتها، قد شكلت نموذجاً، وأقامت مدرسة لقوى التحرر العربية، والتي يبرز فعلها الآن في العراق وفي الضفة و غزة، والذي برز بصورته الساطعة في المواجهة التي دارت على الأرض اللبنانية بين مقاومة وشعب لبنان، وبين الآلة العسكرية الصهيونية.

-النظرة إلى "التيار الأصولي": وهنا ينطلق الكاتب من رؤية نعتقد أنه بات قادراً ومعنياً بتجاوزها، مفادها أن انتشار التيار الأصولي في المنطقة، قد جرى بتشجيع ودعم من القوى الاستعمارية وأعوانها من النظم النفطية، ليكون في مواجهة التيار القومي التحرري العلماني والعقلاني، وأن انتصار ثورة الخميني في إيران، قد أعطى دفعاً لهذا التحوُّل على ساحة المنطقة باتجاه هيمنة التيار الأصولي. وهذه النظرة السلبية تجاه "التيار الإسلامي"، يمدها الكاتب على حزب الله، وخاصة بشأن علاقته مع النظام الشيعي الإيراني. وإذ نقر الكاتب حول دور القوى الاستعمارية والتابعة، في دعم تيار سياسي ذي مرجعية دينية أريد له التصادم مع التيار القومي، والتصدي لما اعتبر خطر التمدد السوفيتي في المنطقة، فإننا نشير إلى حقيقة أن هذا التيار السياسي الصاعد، سرعان ما أخذت أقسام واسعة منه في تبني الأهداف التحررية التي هي في المحصلة أهداف وطنية وقومية، وذلك ما انتبه إليه الكاتب في حديثه عن خطاب حزب الله إبان الحرب الأخيرة في مواجهة الحلف الأمريكي الصهيوني.

-الموقف من نظام صدام حسين: وعلى هذا الصعيد، يقوم الكاتب بعملية فضح ضارية لحملة التضليل الإعلامية التي شنتها أمريكا ضد هذا النظام لكي تبرر استهدافها للقطر العربي الذي يقوم فيه، مصورة صدام حسين على أنه هتلر جديد من حيث خطره على سلام واستقرار المنطقة والعالم. غير أن الكاتب، وهو يبرز أخطاء هذا النظام، لا يتطرق بكلمة تجاه ما أنجزه من بناء قاعدة صناعية علمية وقدرات عسكرية في بلده، بما شكل تهديداً للنظام الإقليمي الشرق أوسطي الذي يقوده المركز الصهيوني، ونعتقد أن مفكراً بحجم جورج قرم، كان بإمكانه أن يصدر عن رؤية أكثر توازناً في تقييمه لهذا النظام وذلك كما فعل د. خير الدن حسيب، الذي امتلك من الشجاعة، ما مكنه من الجهر بأن التاريخ سوف يعطي حكماً على النظام والرجل، لا يتفق مع النظرة المعممة عنه والتي روجت لها ماكنة الإعلام الأمريكية. وقد نشير هنا إلى ما ذكره الرئيس السوري عشية الغزو الأمريكي للعراق، بأن المستهدف من الغزو، هو آلاف العلماء العراقيين، ليكون مطلب وزير الخارجية الأمريكي من سورية عقب الغزو والاحتلال، هو عدم استقبالها لهؤلاء العلماء لكي يتسنى للموساد الصهيوني والمخابرات الأمريكية تصفيتهم وحرمان الأمة من إمكاناتهم العلمية.

خاتمة:

في الختام نعود إلى التأكيد على أهمية هذا الكتاب الذي يقدم رؤية شمولية لتاريخ المنطقة المعاصر، في ترابط عضوي مع التاريخ القديم للمنطقة، ومع المستقبل الذي ينتظر شعوبها عبر استمرار الصراع بين مشروعين متصادمين ومتعادمين، المشروع القومي التحرري  والنهضوي، ومشروع الهيمنة الاستعمارية الذي يرمي إلى دفع المنطقة نحو التفكك والتمزق لتغدو طيعة أمام الهيمنة.

كما نعود إلى التوضيح، بأن العنوان الذي وضعه الكاتب لمؤلَّفه بشأن انفجار المشرق العربي، والذي يأخذ الوقائع التي فرضها المستعمر وأفرزتها العوامل الداخلية في اعتباره وهو يبرز مسار الانفجار، فإن ما يخلص له الكاتب في خاتمة كتابه، لا ينطلق من أن الانفجار بات مصيراً حتمياً لهذه المنطقة، ليكون الكتاب في محصلته، بمثابة مراجعة نقدية للتاريخ المعاصر للمنطقة، يتم في ضوئها تجاوز الأوضاع التي مكنت الحلف الاستعماري من التقدم على طريق تمزيق المنطقة وتذريرها.

ونود أن نختم مقاربتنا للكتاب، بما نعتبره مراجعة من جانب الكاتب للسياق الذي غلب على كتابه، ومضمونه أن الفترة التي أعقبت حرب حزيران، هي مجرد محطات على طريق السقوط والانحدار، ثم أن بروز التيار الأصولي الإسلامي، إنما جاء تعبيراً عن هذا المسار من الانهيار أمام المشروع الاستعماري.. كما أنه مراجعة، لانشغال الكاتب بتغيير القناعات النمطية التي ترسخت في وعي الغرب تجاه شعوب المنطقة وتجاه هويتها الحضارية. ذلك أنه في الملحق الخاص  بحرب تموز-آب الصهيونية على لبنان، يستعيد الكاتب ثقته بنهج المقاومة، ويتجاوز نظرته بشأن التعارض بين التيارين القومي والإسلامي، وينفض يده من وجهة استنزاف الجهود في تغيير قناعة الرأي العام الغربي تجاه قضايا المنطقة، حيث يقول في هذا الملحق: -

"خلال تلك الأسابيع الحاسمة في تاريخ لبنان والمنطقة، ظهر السيد حسن نصر الله مرات عديدة على شاشات التلفزة، متحدثاً بخطاب وطني لبناني، وقومي عربي في آن، تميز عن كل ما سبقه من أنواع الخطابات العربية في زمن الحروب. فقد كان يظهر بتواضع كبير، ويتحدث بخطاب هادي وعقلاني لا يشوبه الانفعال فيشرح بكلمات مناسبة ومحددة المعاني أهداف كل من المقاومة والعدو، ويخاطب ضمير اللبنانيين والعرب بكل فئاتهم وعلى اختلاف حساسياتهم، بما أمكنه من نزع فتيل الفتنة بين اللبنانيين والعرب التي استهدف العدوان إثارتها وتفجيرها، وخاصة مع قيام ثلاث دول عربية باتخاذ مواقف ملتبسة من الحرب، وضعت من خلالها المسؤولية على حزب الله في اندلاعها خدمة لمشاريع دولة إقليمية في المنطقة غير عربية متناسية كل تاريخ إسرائيل الحافل بالحروب العدوانية ضد لبنان وضد كل المحيط العربي".

ويضيف الكاتب:

"لقد اعتراني شعور أيام الحرب، وأنا أتابع الأحداث والتحليلات على بعض قنوات التلفزة العربية، بأننا كعرب، أصبحنا نفهم العالم أكثر مما يفهمه الغرب وصانعي السياسة الغربية الذين باتوا أسرى مفاهيم ومقولات مبسطة وسخيفة. وقد ازددت قناعة وخاصة بعد ما بذلته من جهد عبر وسائل الإعلام الغربية، محاولاً إقناع الغرب بضرورة نبذ مواقف التأييد الأعمى للمنطق الأمريكي الصهيوني، بأننا كمفكرين وسياسيين عرب، يجب أن نركز جهودنا على الداخل العربي، وألا نستنزف طاقتنا في مخاطبة الغرب الذي دخل في سجن فكري أكثر ظلمة بما لا يقاس من السجن الذي نحن فيه بسبب ظروف الهزيمة".             

                   

s 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
رجـوع