الخطر ليس من المشروع الإمبريالي الصهيوني؟!

غطاس أبو عيطة

في دراسة مستفيضة نشرت مؤخراً في مجلة المستقبل العربي (تشرين الثاني 2006)، يعمل"الخبير في العلاقات الخليجية –الدولية" الأستاذ فتحي العفيفي من جامعة الزقازيق بالقاهرة، على رسم صورة عن واقع البلدان الخليجية العربية وواقع البلاد العربية بوجه عام، في ظل مفاعيل العولمة "التي زلزلت الشرعيات والاستراتيجيات التي كانت قائمة في المنطقة العربية على امتداد نصف القرن الماضي، بما أدى إلى تصارع شرعيات واستراتيجيات قديمة وجديدة، إقليمية ودولية، تسعى لأن تبسط سيطرتها على العالم العربي مستغلة الفراغ الناشئ فيه".

وإذ ندقق في مضمون الدراسة، مستبعدين ما تسهب به من تفصيلات زائدة لفرض التضليل والتعمية، فإننا نقع على رسالة محددة يسعى الباحث لأن يثبتها في وعي القارئ، مفادها: أن الخطر الداهم الذي يتهدد الوجود العربي في اللحظة الراهنة، هو ليس من الشروع الأمريكي الصهيوني الجاري فرضه عن طريق العدوان، والذي يرمي إلى استكمال تمزيق الوطن العربي بتحويله إلى كيانات أقلوية متنازعة فيما بينها وتنشد الحماية من المركز الإقليمي الصهيوني، بل هو من الامبرياليات الدولية الصاعدة وخاصة الروسية والصينية التي تتسلل إلى المنطقة بأساليب مختلفة، ومن ثم الإمبريالية الإقليمية الإيرانية التي تحاول بسط هيمنتها على المحيط العربي، مستخدمة في ذلك، التجمعات العربية الشيعية، والنظام السوري التابع لها، والحركات الإسلامية الراديكالية التي برز دورها في المنطقة عقب ثورة الخميني.

فما يعرضه هذا الخبير ضمن 32صفحة، يمكن تلخيصه عبر التسلسل التالي:

1-    لقد فقدت النظم الخليجية شأن مجموع الأنظمة العربية القائمة، شرعيتها التي حمت وجودها على مدى نصف القرن الماضي، وهي تظهر عجزها عن ترميم تلك الشرعية بلجوئها إلى مساحيق ديمقراطية غير مجدية، وبتسوُّلها لعلاقات مع الإمبريالية الإيرانية، وبمدها لخيوط واهية مع الإمبرياليات الدولية الفتية دون أن توقف اعتمادها على الإمبريالية الغربية التي فقدت الكثير من مظاهر قوتها. وإن نجاح تلك النظم في ضرب وإزاحة القوى العقلانية داخل بلدانها عن طريق القمع المنظم الذي مارسته ضد تعبيراتها السياسية، قد وضعها في مواجهة "الحركات الإسلاموية الراديكالية النفعية والتي تعتمد العنف سبيلاً لوصولها إلى السلطة"؟.

2-    وإنه مع تداعي شرعية تلك النظم الذي تكشَّف مع غزو شرعية منها لشرعية أخرى في آب عام 1990، "تحولت المنطقة إلى ساحة السعير، عندما تم اجتثاث الصنم الصَّدامي الذي يختزل شرعية سائر هذه النظم القائمة على البطش،  وذلك مع تغوُّل شرعية أخرى هي الشرعية الإمبريالية الغربية في لحظة هوس إمبراطوري أمريكي معولم داهم المنطقة كرد فعل على تجرؤ الشرعية الإسلاموية الراديكالية للضرب في العمق الأمريكي، من خلال إسقاط برجي التجارة العالمية في نيويورك بوصفهما رمز القوة والكبرياء للدولة العظمى"؟.

3-    لكن هذه الشرعية الإمبريالية الغربية المتمحورة حول قوة أمريكا، والتي قدمت لكي تملأ الفراغ في المنطقة الذي خلفه ضعف الشرعيات الرسمية العربية، وكي تتصدى لخطر الشرعية الإسلاموية الراديكالية، سرعان ما انكشف عجزها عن تحقيق إستراتيجيتها الثلاثية الأهداف، والتي تتمثل في حماية الدول الحليفة والصديقة لها، وفي تأمين النفط بأسعار معقولة للدول الغربية، وفي ضمان أمن إسرائيل. حيث ظهر هذا العجز، في عدم تمكنها من منع غزو الكويت من جانب النظام العراقي، وفي فشلها بوقف الاندفاعية المذهلة لسعر برميل النفط، وإخفاقها من ثم في إزالة التهديد على الدولة الصهيونية وذلك ن خلال فشلها في معالجة الملف النووي الإيراني، وفي إضعاف الحركات الإسلامية التي تدعمها إيران والتي يطال خطرها إسرائيل مثلما يطال الدول العربية الحليفة والصديقة(؟).

4-    وما نجم عن هذا الفراغ المزدوج في المنطقة الذي خلفه تداعي الشرعيات العربية الرسمية، وعجز الشرعية الإمبريالية الغربية عن الحلول محلها، هو نهوض شرعيات إمبريالية دولية غير غربية تحاول التسلل إلى المنطقة ممثلة في الإمبريالية الروسية والصينية، وبروز أطماع الإمبريالية الإيرانية الإقليمية التي تسعى إلى التمدد في المحيط العربي والسيطرة على مقدراته.؟

5-    ويتركز الصراع الذي يدور في المنطقة بين الشرعيات والاستراتيجيات المتنافسة، على الساحة اللبنانية. (وهنا نود تثنيت السياق الذي تطرحه الدراسة عن هذا الصراع، وإظهار اللغة التحريضية التي يعمد لها الكاتب، والتي تبرز انحيازه السافر للتيار الملتحق بالمشروع الأمريكي، وعداءه بالمقبل للقوى التي تناهض هذا المشروع وتتصدى له). فما تورده الدراسة على هذا الصعيد نعرضه عبر الفقرات التالية:-

-"في المشهد اللبناني القائم، يتجذر موقع حزب الله مستثمراً نتائج الحرب التي حقق فيها شبه نصر وشبه هزيمة (لا ذكر هنا للطرف الذي نشبت معه هذه الحرب)، وإن البعد الاجتماعي في نشاط هذا الحزب عبر عملية إعادة الإعمار، يؤكد من جديد كونه دولة داخل دولة مقلصاً من دور ومن هيبة الدولة اللبنانية".

-"وعلى هذه الساحة، يتصادم الدور السوري مباشرة مع الدور السعودي الداعي إلى بسط سلطة الدولة اللبنانية على جميع أراضيها، وعدم إعطاء فرصة للمحور الشيعي لأن يبسط هلاله انطلاقاً من هذه المنطقة على مجمل المحيط العربي (لا ذكر هنا أيضاً للدور الأمريكي والفرنسي والصهيوني في انحيازه العلن إلى طرف لبناني دون آخر).

-"وفي هذا السياق، يشكل الدور السوري عامل إسناد لإيران في مشروعها الإقليمي الجيوستراتيجي، حيث تعمل إيران على الاستفادة من الجغرافيا التي سهلت تثبيت نفوذ سورية في لبنان على مدى العقود الماضية، باستئجار الخبرات السورية لكي تفعِّل من خلالها رابطة ولاية الفقيه مع حزب الله في بنية السياسة اللبنانية، فيما تقاوم الحلف الإيراني السوري أغلبية سنية من تيار المستقبل لآل الحريري المدعوم من السعودية وبدرجة أقل من مصر ساعية إلى حماية استقلال وعروبة هذا البلد".

ويختم الكاتب أطروحته بالقول: "وهكذا يلخص لبنان بوضعه المأزوم صورة الواقع العربي الذي يصح فيه القول-لا يسلم القطيع والذئاب من حوله-".

وإذ نسجل ملاحظاتنا على الرسالة التي تستهدف هذه الدراسة توصيلها إلى القارئ، فإننا نتوقف عند التالي:

أولاً- إن هذه الدراسة تأتي في سياق حملة منظمة هدفها التشكيك بقوى ومراكز الصمود والمقاومة في المنطقة وتشويه صورتها، خدمة للمشروع الإمبريالي الجاري فرضه على دول وشعوب المنطقة تحت عنوان الشرق الأوسط الجديد، بل إنها تشكل النموذج الأكثر خطورة ضمن هذه الحملة، لما تتغطى به من مظهر خادع بالموضوعية، بحيث أمكنها التسلل إلى مجلة عربية أوقفت رسالتها على إعادة إنتاج المشروع القومي التحرري للأمة العربية، الذي يشكل النقيض التاريخي للشروع الإمبريالي الغربي الذي تقوم في صلبه وظيفة القاعدة الاستيطانية الصهيونية.

ثانياً- وإن مجمل ما تروجه هذه الدراسة، يرمي إلى ضرب وحدة قوى الأمة المتصدية للمشروع المذكور، من خلال النفخ في النزعة المذهبية التي تنفتح على سائر النزعات الانعزالية الأقلوية التي يراد إعادة رسم خريطة المنطقة على أساسها. كما يرمي إلى عزل الأقطار والشعوب العربية عن بعضها البعض باسم السيادة الوطنية لتغدو جميعها لقمة سائغة أمام القوى الامبريالية، وذلك من خلال ما تعلنه من موقف عدائي تجاه العلاقة السورية اللبنانية، بل تجاه علاقة المملكة العربية السعودية مع جاراتها في الدول الخليجية. وهو يرمي كذلك، إلى عزل قوى التحرر العربية عن حلفاء موضوعيين على المستويين الإقليمي والدولي، ممن يتعرضون لهجمة مماثلة من جانب أمريكا التي تنصب نفسها قائدة للمراكز الإمبريالية الغربية.

ثالثاً- ولا يخفى على القارئ، التقاطع بين رسالة هذه الدراسة، وبين الطروحات التي عبر عنها قادة سياسيون واستراتيجيون داخل الكيان الصهيوني، في أعقاب الهزيمة التي حلت بكيانهم في حرب لبنان، وإزاء تخوفهم من تنامي قدرات مراكز وقوى الصمود والمقاومة العربية والإسلامية، حول ضرورة قيام حلف عسكري يضم الكيان الغاصب إلى جانب الدول العربية المعتدلة بحكوماتها السنيَّة؟، من أجل إعادة ميزان القوَّة وبصورة حاسمة في المنطقة لصالح الدولة الصهيونية. وهو ذات الطرح الذي عبرت عنه وزيرة خارجية أمريكا خلال جولتها الأخيرة في المنطقة، ولقائها مع ما أسمتهم بالدول العربية المعتدلة.

فملخص ما تصل إليه هذه الدراسة، هو وضع "الشرعية الإمبريالية الغربية ومركزها الأمريكي، والشرعيات الدولتية العربية"، في موقع المعتدى عليه من جانب الحركات الإسلاموية الراديكالية (الإرهابية) وبضمنها حزب الله وحركة حماس مدعومة من التحالف الإيراني- السوري، تبريراً لإقامة تحالف بين هذه الأطراف التي تواجه مجتمعة تهديداً من قبل قوى الإرهاب "الإسلاموية"، ومن قبل الدول التي ترعى الإرهاب، وذلك في التقاء ساخر مع الذرائع التي يسوقها الحلف الأمريكي الصهيوني لتبرير عدوانه الإجرامي ضد شعوب المنطقة.

رابعاً- وإذ نقر مع واضع الدراسة، بأن العالم العربي هو في حالة مزرية من فقدان المناعة إزاء الأخطار الداهمة التي تحيق به من كل صوب، فإننا نرى الدعوة التي أطلقها حزب الله لإقامة حكومة وفاق وطني في لبنان تتجاوز الانقسام القائم بين تيارين متعارضين تنتشر تعبيراتهما على مجمل الساحة العربية، وما تطرحه حركة حماس على هذا الصعيد في الساحة الفلسطينية، يشكل المخرج للأزمة التي تلقي بظلالها على الحال العربية، وإنه ليس من قبيل الصدفة أن تتبنى القوى المتصدية للمشروع الإمبريالي الصهيوني مثل هذا الطرح، وأن تكون العقبة أمام تحقيقه، هي الإملاءات الأمريكية التي ما تزال تجد قبولاً لدى التيار المنخرط في المشروع الأمريكي الرامي إلى تعميق حالة الانقسام في المنطقة، وإلى تعميم الفوضى الهدامة في أرجائها، التي تقود إلى نفاذ هذا المشروع.

ولعله لا حاجة بنا إلى القول، بأن مجريات تغير الأوضاع في المنطقة وفي العالم، من شأنها أن تطيح بالرؤية التي تروج لها مثل هذه الدراسة، ذلك أنه مع تنامي مكانة قوى الصمود والمقاومة في المنطقة العربية والإسلامية، ينفتح السبيل أمام تلاحم عربي على قاعدة التصدي للمشروع الأمريكي الإمبريالي الصهيوني المطروح، ويندحر تيار الخضوع لهذا المشروع، وتصمت الأصوات المروجة له.