حازم صاغية في هجائه للمقاومات ؟ !

 

في تساوقه مع المواقف المشينة التي باتت تفصح عنها نظم وقوى الاستسلام العربية ، بإعلانها الاصطفاف في خندق الغزاة والمحتلين من الإمبرياليين والصهاينة ، والعداء لمراكز وقوى الصمود والمقاومة في المنطقة ، عمد حازم صاغية عبر مقال بعنوان " في هجاء السلاح والمقاومات " ، إلى طرح فلسفة مفادها ، بأن المقاومة التي تنطلق في بلدٍ ما يتعرض شعبه للغزو والاحتلال ، لا تأتي تعبيراً عن إرادة هذا الشعب كما دأب المقاومون على تصوير الأمر ضمن عملية تزوير لإرادة شعوبهم ، بقدر ما تأتي تعبيراً عن تطلع طرف من أطراف هذا الشعب ، للوصول إلى السلطة والاستحواذ على امتيازاتها المادية والمعنوية بصورة غير شرعية ، حيث يستغل هذا الطرف انهيار الشرعية القائمة في البلد المعني نتيجة الغزو والاحتلال ، لكي يقيم شرعيته التي لا تختلف في مضمونها عن شرعية الغزاة والمحتلين .

وفي عرضه لما يثبت صحة هذه الفلسفة يقول السيد صاغية :-

-    إن الغزو والاحتلال هو المولّد لشرعية المقاومة . فالمقاومة تقيم شرعيتها على أساس أنه لا خلاص من الاحتلال والغزو إلا عن طريقها ، وهي تصور العلاقة بين المقاومة وبين زوال الاحتلال على أساس أنها قانون لا مجال لمناقشة صحته ، وهي لا تعتمد اسلوب الإقناع العقلاني في إعلائها لهذا القانون ، لأنه حين تكون البلاد في حالة غزو ، لا يكون هناك مكان لترف المجادلات العقلانية .

-    إن قوى المقاومة ، وخاصة إذا ما طال أمد الصراع مع المحتلين الغزاة ، لا تنتهي فقط إلى تقمّص سمات العدو الذي تقاومه من حيث الخطاب وأنواع السلوك ، بل إلى طلب شرعيتها من هذا العدو ،على اعتبار أنها باتت تمثل إرادة الشعب الذي تسيطر عليه بقوة سلاحها ، ولا يعود من قبيل الصدفة نتيجة ذلك ، أن تنشئ المقاومة سلطة قمعية استبدادية تحل محل سلطة المحتل والغازي بعد أن تقدم له الضمانات التي تحمي مصالحه في ظل سلطتها ، ومع ذلك فإن من يعارض هذه السلطة يغدو في نظرها مؤيداً لبقاء الاحتلال . 

-    ثم إن حركات المقاومة التي لا يمكنها بحسب طبيعتها وظروف نشأتها أن تستند إلى مرجعية فكرية عقلانية ، فقد عمدت إلى ابتدال المرجعيات الفكرية التي ادعت الانتساب لها وهي تسوّق شرعيتها ، ففي استنادها إلى الماركسية ، اتخذت المقاومات من مقولة إنجلز الموضوعية ، بأن العنف هو القابلة المولدة للتغيير في حركة التاريخ ، غطاء لعنفها الإرادوي، باعتبار أن هذا العنف هو المعبر عن مقاصد التاريخ ، وذلك ما تفعله المقاومات المستندة إلى المرجعية الإسلامية ، فشعار "الإسلام هو الحل " الذي تطرحه هذه المقاومات ، لا يختلف من حيث احتكاره للإسلام عن احتكار المقاومات العلمانية التي سبقتها للماركسية ضمن عملية أدلجة قسرية للمرجعيتين المذكورتين ، وإنه مثلما أقامت المقاومات ذات المرجعية الماركسية التي واجهت الغزو النازي ، نظماً تحمل كل سمات النازية ، كذلك فعلت المقاومة ذات المرجعية الإسلامية في أفغانستان ، التي أقامت نظام طالبان وفق فهم استبدادي للرسالة الإسلامية .

-    وإذ تقيم المقاومة إيديولوجيتها المفقرة على مبدأ " من ليس معنا فهو مع الغازي والمحتل " ، فإنها تمضي بعيداً في عنفها ضد من هو ليس مع وجهة نظرها ، بحيث بلغ الأمر بالمنظّر الوافد إلى الثورة الجزائرية (فرانز فانون ) ، إلى حد الدعوة لتدمير الحواضر المدينية في الجزائر وفي البلدان الإفريقية المستعمرة الأخرى ، معتبراً أن سكانها هم أكثر فساداً من المستعمرين والمستوطنين الغربيين ، وأنهم يشكلون القاعدة لبقاء السيطرة الاستعمارية بعد رحيل المستعمر .

-    ويخلص حازم صاغية إلى القول ، بأن المقاومات وبحكم حاجتها إلى تسويغ إيديولوجيتها غير المنطقية وغير العقلانية في وعي الجماهير ، فهي تعمد إلى إضفاء القداسة على تلك الإيديولوجية ، مصورة من يعارض ديماغوجيتها ليس باعتباره خائناً وحسب لقضية وطنه ، بل باعتباره كافراً بالقيم الإنسانية ، وخارجاً على الدين في حال المرجعية الإسلامية ،"  وهكذا تتسابق – كما يختم السيد صاغية مقاله – العدمية الفكرية مع وظيفية انتهازية على إضفاء الشرعية على المقاومة ، غير أن القداسة المزعومة لا تستطيع ستر تلك العدمية والوظيفية " .

-    وإذ نحاول الرد على هذه الفلسفة التي باتت تحكم خطاب قوى الاستسلام في عالمنا العربي ، في مسعىً منها للتغطية على التحاقها المشين بمعسكر الحلف الأمريكي الصهيوني الغربي ، وعلى عدائها الشرس ضد مراكز وقوى الصمود والمقاومة ، فإننا نتوقف عند التالي :-

أولاً- إن ما يضفي الشرعية على المقاومة التي تنطلق في مواجهة الغزاة والمحتلين ، هوواقع انطلاقها بحد ذاته ، وواقع احتضان أوسع الجماهير لها لشعورهم بأنها تعبرعن إرادتهم ، وحين تقر القوانين الدولية ومواثيق الأمم المتحدة هذه الشرعية ، فهي لا تصدر في ذلك عن انخداع بإيديولوجيا زائفة – كما يدعي منظرو الاستسلام – تحت ضغط سلاح المقاومين وخضوعاً أمام ابتزاز ثنائياتهم بل يتم ذلك انسجاماً مع قيم إنسانية تشكلت في مجرى التاريخ ، ومن هنا يمكن القول ، بأن رفض هذه الشرعية من جانب قوى الاستسلام ، هو بمثابة قبولٍ لدعاوي المحتلين والغزاة الذين لم يقروا يوماً بشرعية المقاومة ، واعتبروها من فعل فئة مخربة لا تعبر عن إرادة شعبها الذي ينعم بجنة المحتلين ويريد أن يعيش بسلام في ظل احتلالهم .

ثانياً- كما إن رفض المقاومة ، بذريعة أنها تؤسس للاستبداد ، إنما هو ترويج للديمقراطية التي تقوم في ظروف غياب السيادة الوطنية ، ومثل هذا الترويج ، الذي لم يستطع يوماً خداع الجماهير ، عمدت له جميع حكومات الدمي التي أقامها الغزاة والمحتلون للتمويه على احتلالهم . ونود القول هنا ، بأنه لا يوجد رابط موضوعي بين المقاومة وبين الاستبداد ، ذلك أن النظم الاستبدادية تقوم بصورة عامة في المجتمعات التي لم تنضج فيها أسس الديمقراطية ويتم ذلك سواء بالمقاومة أو بدونها . ثم إن من يستغل واقع تلك المجتمعات لإقامة نظم استبدادية بالاستناد إلى شرعية المقاومة ، هم من كانوا أبعد الناس عن فعل المقاومة وعن قيمها الأخلاقية ، حيث تطلعنا الأعمال الروائية الجزائرية على سبيل المثال ، على نوعية الأفراد الذين باتوا يتمتعون بالامتيازات المادية والمعنوية بعد الاستقلال ممن لم تكن لهم صلة حقيقية بحركة المقاومة ، أو ممن كانوا في صفوف قوات وأمن المستعمرين . ونذكر على ذلت الصعيد ، بأنه لم تقم في فرنسا سلطة استبدادية بعد دحر الاحتلال النازي بسبب تجذٌّر الثقافة الديمقراطية في المجتمع الفرنسي ، ولم تقم مثل هذه السلطة أيضاً في جنوب إفريقيا بعد انهيار نظام الفصل العنصري ، ولذلك أسباب موضوعية يعرفها من درس تركيبة المجتمع الاسود الجنوب إفريقي .

ثالثاً- إن المهمة التنظيرية التي يضطلع بها السيد صاغية في هجائه للمقاومات ، إنما تأتي في سياق الحملة التي تشنها الحكومة اللاشرعية القائمة في لبنان والتي تستمد بقاءها من دعم الغزاة والمحتلين في الحلف الأمريكي الصهيوني ، فرغم أن صاغية لا يتطرق في مقاله للحالة اللبنانية ، فإن ما يستهدفه من مقاله ، هو محاولة إثارة الشكوك بشأن المقاومة اللبنانية ، التي تجاوزت من حيث نقاء مسلكها ، كل ما عرفه التاريخ المعاصر من مقاومات ومن ثورات تحررية . وإنه إذا كان لينين ، قد برر بعض التجاوزات التي ترافق الثورات كحركات شعبية لا يمكن التحكّم التام بمسارها ، فإن ما قدمته المقاومة اللبنانية هو نموذج لحركة شعبية بالغة الإنضباط ، إذ كان الشعار الذي امتثل له مقاوموها بعد انتصار عام 2000 هو التواضع ،وكان تواضعاً مستنداً إلى منطق العقل الذي يدرك حساسيات الساحة اللبنانية والساحة العربية بوجه عام التي يعمل الأعداء وأعوانهم

على إثارتها والاستناد إليها في عملية تخريب لوعي الجماهير.

رابعاً- وما يحاول صاغية وأمثاله من مروجي ثقافة الاستسلام ، تسويقه عبر مثل هذه الطروحات ، هو أن " الخيانة وجهة نظر" ، وأن قيم الديمقراطية تفرض علينا وجهة النظر تلك ، وذلك في تعارض ٍ سمج مع ما تواضعت عليه كل المرجعيات التي لقيت قبولاً وحققت انتشاراً في تاريخ البشرية ، معتمدين فيما يسوقونه على تلك المقولات القميئة التي سعى إلى ترويجها دعاة الإمبراطورية الأمريكية المهيمنة على العالم ، والتي تقول بنهاية التاريخ ، ونهاية الإيديولوجيات ، ونهاية المبادئ والثوابت والقيم الإنسانية ، بل نهاية الأخلاق ، معتبرين أن مفاهيم هذه الإمبراطورية ، قد جبّت كل ما سبقها من قيم ومبادئ وأفكار ،وأن من يتعارض مع هذه المفاهيم ، يضع نفسه خارج حركة التاريخ .

خامساً- ولا يستطيع السيد صاغية وأمثاله خداعنا ، حين يضع شرعية المقاومة في خانة واحدة مع شرعية الغزاة والمحتلين باسم الحياد والموضوعية ، وهولا يستطيع أن يبتزنا كذلك ، حين يساوي بين عنف المقاومة ، وبين عنف الغزاة والمحتلين والمستعمرين ، ولا يستطيع على ذات الصعيد ، أن يحرم الشعوب من التغني بمآثر أبطالها وبتضحيات شهدائها بدعوى أن هؤلاء ، انما يقومون بفعل مكروه اضطرهم له وجود الغزاة على أرضهم ، وأن تمجيد هذا الفعل هو بمثابة تهيئة للإستبداد . فهذا الخلط المتعمد بين الحق والباطل ، إنما هو محاولة لإعلاء شأن الباطل ، في الزمن الذي وصلنا إليه ، في ظروف تمادي الإمبرياليين في غطرستهم ، وفي ظل انحدار النظم والقوى العربية الخانعة ، إلى درك من المهانة لا نعتقد أنه قد ظهر شبيهاً له في تاريخ البشرية .

وفي الختام نقول مع سيد المقاومة اللبنانية والعربية والإسلامية ، بأن المقاومين ومن يحتضنهم من القوى السياسية ومن الأوساط الشعبية ، سيظلون هم أشرف الناس ، وأطهر الناس ، وأعظم الناس ، فيما سيظل دعاة الاستسلام من المتطاولين على ثقافة المقاومة ، هم النفايات التي يَفرزها وجود الغازي والمستعمر .  

 

 

 
 
رجـوع