بشأن أزمة " النظام السياسي الفلسطيني " ؟ !

 

                                                                                    غطاس أبو عيطة

 

 

في مقاربته للمأزق الذي يمرّ به " النظام السياسي الفلسطيني " ، يردّ أحد الباحثين المعنيين بتاريخ النضال التحرري للشعب الفلسطيني هذا المأزق ، إلى انسداد أفق مسار أوسلو ، وانسداد طريق العودة عن هذا المسار ، ليرى بأن هذا الاستعصاء الذي أدخلت فيه حركة الشعب الفلسطيني التحررية ، هو ما فجّر الصدام الداخلي بين القوتين الكبريين في الساحة الفلسطينية وهما فتح وحماس  ( لأنه لم يعد يشغل الحركتين غير النزاع على السلطة ) ، وهو صدام ينذر بالتصاعد والتوسع ليشمل مجموع قوى النظام السياسي الفلسطيني عبر عملية تدميرٍ ذاتي من شأنها – إذا لم يتم وقفها بأعجوبة – أن تؤدي إلى إنهاء القضية الفلسطينية .

وأننا إذ نتفق مع الباحث، بشأن دور أوسلو في خلق الأزمة التي تعيشها حركة النضال التحرري الفلسطيني ، وحول ضرورة دق ناقوس الخطر إزاء ما يفضي له الاقتتال الداخلي من تهديد لمستقبل النضال الفلسطيني ولمصير القضية الوطنية الفلسطينية ، فإننا نختلف معه فيما يتعلق بفهم جذور الأزمة القائمة ، وبالتالي بشروط تجاوزها ، مؤكدين على أن الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية التحررية ، سوف يجدان دائماً السبيل لتجاوز الاستعصاءات التي تعترض مسيرتهما النضالية الثورية ، بعكس ما يراهن الغزاة الصهاينة وحلفاؤهم في الدوائر الاستعمارية الغربية ، وذلك مع تسليمنا بصعوبة الاستعصاء الراهن كونه ناجمٌ عن ضراوة وشمولية الهجمة التي تقودها أمريكا ضد مجموع المنطقة وليس فقط ضد الشعب الفلسطيني ومن أجل تصفية قضيته الوطنية .

إن الاسلوب الذي يتبعه الباحث في تحليله لأبعاد الأزمة ، يتلخص في عرض السجالات التي شهدتها الساحة الفكرية السياسية الفلسطينية بعد تكشّف مأزق أوسلو ، وذلك في محاولة منه لايهامنا بأنه كمؤرخٍ خلدوني ، يتمسك بأهداب الموضوعية والعلمانية والعقلانية . غير أن المدقق فيما يعرضه من سجالات تدور على أرضية الإشكاليات التي يقترحها كعناوين للأزمة ، لا يفوته رؤية انحياز الباحث لنهج معين في الساحة الثقافية الفلسطينية والعربية ، وهو نهج تبرير التكيّف مع المشروع الأمريكي الصهيوني العدواني الجاري فرضه على المنطقة ، وحكمنا في ذلك ، يصدر عن واقع أن الباحث لا يتطرّق من قريب أو بعيد ، إلى وجود مشروع أمريكي صهيوني يطرح تحت عنوان الشرق الأوسط الكبير أو الجديد ، ويرمي إلى إعادة رسم خريطة المنطقة باتجاه مزيد من التجزئة والتمزيق ، ولا يرى أن أزمة ما يسمى بالنظام السياسي الفلسطيني ، والتي هي أزمة النضال التحرري للشعب العربي الفلسطيني ، إنما هي من فعل قوى فلسطينية وعربية ، قررت الخضوع لهذا المشروع بدعوى أنه مدعوم من الإرادة الدولية وبالتالي لا يمكن معارضته والصدام معه .

وإننا إذ نتوقف عند السجالات التي يعرضها الباحث ، والتي يضعها في إطار الإشكاليات التي باتت تواجه مسيرة النضال الفلسطيني أو ما يسمى بالنظام السياسي الفلسطيني كما يرى الباحث ، فإننا نقع على التالي : -

-     بشأن إشكالية " فشل الحلول الإنتقالية .... وغياب فرص الحلول الدائمة " يقول الباحث ، بأن استمرار الزحف الاستيطاني  الصهيوني في ظل أوسلو ، وتواصل بل تصاعد أعمال القمع الصهيونية داخل جيوب سلطة أوسلو الوهمية ، مع تكثيف الحواجز ، وتمدد الطرق الالتفافية ، وقيام جدار الفصل إمعاناً في محاصرة سكان الضفة والقطاع ، كل ذلك وغيره من الممارسات الصهيونية ، أدى إلى تبديد حلم الدولة الفلسطينية الكاملة أو حتى المنقوصة السيادة . ومع إزالة أي لبسٍ أمام تنكّر الصهاينة لقيام أي كيانية فلسطينية في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 ، وجد النظام السياسي الفلسطيني نفسه ، والشعب الفلسطيني معه، أمام سؤال " ما العمل ؟ " .

وفي الإجابة على هذا السؤال المصيري ، أتت الطروحات الهروبية كما يرى الباحث ، حيث تعلّق البعض ، بما اعتبروه سلاحاً استراتيجياً بيد الفلسطينيين ، ممثلاً في الواقع الديمغرافي القائم على أرض فلسطين التاريخية ، متوهماً (هذا البعض ) ، أن عامل الزمن هو في صالح الجانب الفلسطيني على هذا الصعيد . كما توقف البعض الآخر. إزاء ما اعتبروه مأزقاً تاريخياً للكيان الصهيوني. تكشف مع اهتزاز نظرية الردع الإسرائيلية مع فشل العدوان على لبنان في تموز عام 2006 . ورأى آخرون ، أنه بالإمكان العودة إلى وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة نضاله برغم العوائق الجدية التي أقامتها نتائج أوسلو أمام هذه الوحدة ، حيث بات من الصعب كما يرى الباحث ،ايجاد صيغة للوحدة الوطنية ، تعبر عن تطلعات التجمعات الفلسطينية في الضفة والقطاع ، وفي مواقع الشتات ، وفي الأراضي المحتلة عام 1948.... وهي تطلعات متباينة (؟ ) .

-     وبشأن الاشكالية الثانية التي يتوقف عندها الباحث . والتي نراها استكمالاً للأولى وعنوانها :"تعقّد بلوغ الحل المرحلي ، وصعوبة العودة إلى الحل الاستراتيجي " ، حيث يعود الباحث هنا إلى برنامج النقاط العشر الذي تبناه " النظام السياسي الفلسطيني " عام 1974 ، باعتباره المدخل الذي أفضى إلى أوسلو . ليرى على هذا الصعيد ، بأن انسداد الطريق أمام الدولة المستقلة في الضفة والقطاع كحل مرحلي ، قد أعاد التفكير بالحلول الاستراتيجية عبر تهويمات نظرية غير قابلة للتحقيق شأنها شأن هدف الدولة . إذ جرت العودة هنا كما يعرض الباحث ، إلى حل الدولة الديمقراطية العلمانية التي كان قد تخلى عنها النظام السياسي الفلسطيني ، وطرحت في الاتجاه ذاته ، فكرة الدولة الثنائية القومية التي انجذب لها الباحث ذات يوم كما يقول ، ليدرك بعد ذلك أنها فكرة يوتوبية أخلاقية لن يقبلها العدو . ووجد على ذات الصعيد ، من دعا إلى التخلي عن السلطة الوطنية التي قامت على أرضية أوسلو ، والعودة إلى وضعية الاحتلال المباشر في مسعىً لإحراج الجانب الصهيوني وحلفائه في المجتمع الدولي . غير أن ما جرى من تصارع على سلطة أوسلو بين فتح وحماس ، دلّل على مدى خطورة المأزق القائم ، الذي أوصل مكونات النظام السياسي إلى الانشغال بصراعات داخلية بعد انسداد سبل التقدم أو التراجع أمامها .

-     وفي مقاربته للاشكاليةالثالثة المطروحة تحت عنوان " تقادم النظام السياسي الفلسطيني ، وصعوبة تجديد هذا النظام " ، فإن الباحث يذهب إلى اعتبار أن دعوة الرئيس الأمريكي إلى الإصلاح في السلطة الفلسطينية ، قد شكل منطلقاً للسجالات التي دارت بشأن العملية الإصلاحية بما تتضمنه من تجديدٍ للنظام السياسي الفلسطيني . وجوهر المعضلة هنا كما يرى الباحث ، هو أن الشرعية التاريخية للنظام السياسي الفلسطيني قد انتهت مع غياب ياسر عرفات عن الساحة ، وأن من خلف عرفات على رأس هذا النظام أي محمود عباس ، تمسك بصيغة اللجنة التنفيذية القائمة لمنظمة التحرير ، على الرغم من ضمور القاعدة الشعبية لهذه اللجنة . وهذا السلوك من جانب عباس ( وتياره ) ، أوجد ازدواجية في النظام السياسي الفلسطيني موزعة بين حركة فتح وحماس ، وإن التنازع على الشرعية بينهما ، قد جرى على خلفية من يهيمن على السلطة الفلسطينية التي أوجدتها أوسلو . وهنا لا يستبعد الباحث كما يقول، بأن قرار إسرائيل بالانسحاب من قطاع غزة، كان هدفه تفجير الصراع بين فتح وحماس لكي يشمل بعد ذلك مجموع القوى السياسية الفلسطينية(؟) .

-     وفيما يتعلق بالاشكالية الرابعة ممثلة في " تكرّس الاستقطاب الثنائي في النظام السياسي الفلسطيني ، وصعوبة استيلاد قطب ثالث يعيد التوازن لهذا النظام " ، فإن ما يراه الباحث بهذا الصدد ، هو أن تنامي شعبية حركة حماس بسبب اعتمادها اسلوب النضال المسلّح ، إنما جاء تعبيراً عن حالة اليأس والإحباط التي سادت الجماهير الفلسطينية مع تعطل مسيرة الحل المرحلي ، وأن سيادة هذه الحالة من الإحباط ، مضافاً لها تردي أداء فتح في ممارسة السلطة ، هو ما دفع الجماهير لانتخاب أغلبية من حماس للمجلس التشريعي . أما ما يشير له الباحث بشأن غياب حضور فاعل للقطب الثالث اليساري الديمقراطي ليعيد التوازن داخل الساحة الفلسطينية، فقد نجم عن عاملين، أولهما – وهو المتعلق بصورة مباشرة بالحزب الشيوعي الفلسطيني -  فقد ارتبط بعدم تعريب الحزب للماركسية ، وعدم فلسلطنته لها ، أي تطبيقها بما يلائم الخصوصية الفلسطينية .... وثانيهما ، تمثل في عدم استيعاب هذا اليسار لطبيعة السلطة التي نشأت نتيجة أوسلو ، كسلطة ريعية ، مما جعله يفشل في الجمع الخلاّق بين المهام الاجتماعية والمهام الوطنية (؟) .

-     وبشأن الإشكالية الخامسة والأخيرة وعنوانها: " انسداد أفق العسكرة، وصعوبة العودة لأشكال النضال الجماهيري " . يرى الباحث أولاً ، بأن انسداد أفق المقاومة المسلحة ( التي يصفها بالعسكرة من قبيل الغمز ) ، هو ما دفع حركة حماس للبحث عن شرعية انتخابية بدل شرعية المقاومة المسلحة ، كما يرى ثانياً ، بأن هذا الانسداد المزعوم لأفق المقاومة المسلحة ، هو ما دلّل على صحة الطرح الذي تفضّل به عصام مخول عام 2002( أمين عام الحزب الشيوعي الإسرائيلي ) . الذي رأى حسماً للسجال الذي شهدته الساحة الفلسطينية بشأن الطابع الأنسب لانتفاضة الأقصى ،" بأن الخيار العسكري غير وارد في الاستراتيجيا الفلسطينية للوصول إلى التحرر عن طريق إلحاق الهزيمة العسكرية بإسرائيل .... وأن الحق المشروع للمقاومة الفلسطينية داخل المناطق المحتلة عام 1967 حصرًا ، يتطلب إخضاع ممارسة هذا الحق ، لقراءة دقيقة للواقع ولتوازن القوى ، والتمييز هنا ، بين ما هو في صالح قضية التحرر ، وبين ما يصب في خدمة استراتيجيا الاحتلال وتبرير عدوانه " ، وعلى هذا الصعيد يضيف مخول : ( بأنه ليس من حق الشعب الفلسطيني وقيادته ، التخلي عن المراهنة على إمكانية اختراق المجتمع الإسرائيلي ، أو المراهنة كذلك على إمكانية اختراق الرأي العام الدولي ومراكمة التأييد لمطلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني ) .

 وبنتيجة هذه الإشكاليات التي يصعب تجاوزها كما يرى الباحث ، توزّع النظام السياسي الفلسطيني بين ثلاث مؤسسات هي : منظمة التحرير الفلسطينية ، والسلطة الفلسطينية ، وحركة حماس التي باتت تنازع فتح على السلطة ، مغيبة شأنها شأن قيادة محمود عباس ، فكرة وجود مؤسسة تجسد وحدة الشعب ووحدة النضال التحرري لهذا الشعب ، لإدراك الجانبين صعوبة العودة إلى استرجاع تلك المؤسسة التي تمثلت في منظمة التحرير بصيغتها التي سبقت أوسلو (؟).

وتصويباً للرؤية التي تحكم سياق الباحث خلال عرضه لطبيعة أزمة النظام السياسي الفلسطيني أو أزمة النضال التحرري للشعب الفلسطيني، فإننا نقول التالي :-

أولاً – إن الذي أوصل العمل الوطني الفلسطيني إلى المأزق التاريخي الراهن ، هو فكر التسوية الذي راح يتسلل إلى عقل القيادة السياسية الفلسطينية منذ فترة مبكرة ، لينتج عن ذلك برنامج النقاط العشر عام 1974 في سياق رؤية تسووية لهذا البرنامج . وليتواصل بعد ذلك استحكام هذا الفكر بتشجيع وضغطٍ عربي رسمي ودولي .

ولا بد من الإشارة هنا ، إلى أن هذا الفكر (التسووي ) ، قد تم الجنوح له من جانب قيادة حركة التحرر العربية القائمة في مصر – كخطوة تراجعية تكتيكية – تحت تأثير هزيمة حزيران 1967 ، وكان يمكن تجاوز هذا التراجع استناداً إلى إنجازات حرب تشرين عام 1973 ، لولا خروج نظام السادات من صفوف حركة التحرر العربية ، وانخراطه بصورة حاسمة في صف النظم والقوى التابعة للمشروع الإمبريالي الصهيوني في المنطقة ، الأمر الذي أوجد خللاً خطيراً في ميزان القوى لصالح الحلف الامبريالي الصهيوني ، بما شجع التيار المهيمن في النظام السياسي الفلسطيني لحسم خياره إلى جانب نهج التسوية متعارضاً مع القوى الفلسطينية الأخرى التي عجزت عن وقف هذا التوجه .

وما جرى بعد ذلك ، هو أن التيار المهيمن في الساحة الفلسطينية ، قد مضى نحو ترتيب البيت الفلسطيني ومن ثم بنية المقاومة الفلسطينية بما ينسجم مع هذا الخيار ، ليكون الاندحار السهل أمام القوات الصهيونية الغازية عام 1982 ، النتيجة الطبيعية لهذا التحوّل في تركيبة النظام وفي بنية المقاومة . وبعد هزيمة عام 1982 ، برز دور محمود عباس داخل تيار التسوية الذي قاد النظام السياسي نحو أوسلو – كما يبين في كتابه طريق أوسلو -، وتقاطع ذلك مع مقررات قمة فاس الثانية خريف عام 1982 التي تعاطت بايجابية مع مبادرة ريغان التي تشطب الكيانية الفلسطينية من التسوية المقترحة ، وجاءَت قمة عمان في خريف عام 1987 ، لتحسم موقف النظام العربي إلى جانب مبادرة ريغان . وكان رد القيادة المهيمنة الفلسطينية ، أن طرحت نفسها نقيضاً للتيار الإسلامي الذي برز حضوره مع انتفاضة عام 1987 ، التي عبرت فيها الجماهير الفلسطينية عن تصديها لخط التسوية التصفوي ، ومن ثم بديلاً للنظام الأردني باعتبارها الأقدر على إخضاع الفلسطينيين لفكر التسوية الذي يقوم موضوعياً ،وبمعزل عن أية أوهام ، على أرضية المشروع الأمريكي الصهيوني .

وإثر تكشف ما قاد إليه نهج التسوية مجسداً في اتفاق أوسلو ، أظهر ياسر عرفات ممانعة في المضي على طريق التصفية التي طرحت في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، وحين حاول عرفات التسلح بانتفاضة الأقصى من أجل تعديل شروط التسوية وإخراجها عن سياق التصفية المطروح ، داعماً كتائب شهداء الأقصى بعدم قطع التمويل عن قياداتها ، ومتجهاً إلى هدنة مع التيار الإسلامي المقاوم ، جرى ابتداع حكومة للسلطة الفلسطينية من جانب أمريكا والحكومة الصهيونية بهدف تهميش دور عرفات كرئيس للسلطة ، وسلمت الحكومة إلى مهندس أوسلو . لكن انقلاب عرفات على الانقلاب الأمريكي الصهيوني، قاد إلى عزله في المقاطعة ومن ثم تصفيته ضمن مسعى أمريكي صهيوني لوضع مخطط التصفية على سكة التنفيذ,

ومع إصرار الحلف الأمريكي الصهيوني على تجريد عباس من أي قدرة على مواجهة التصفية ، تم طي إعلان القاهرة الصادر عام 2005 ، والذي ينص على إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية كإطار يعيد الوحدة للشعب الفلسطيني ونضاله التحرري ، كما جرى دفن اتفاق مكة على ذات الصعيد ، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك ، أن انفجر الصدام بين نهجين لم يتمكنا في ظل الضغط الأمريكي الصهيوني والتواطؤ الرسمي العربي من إيجاد صيغة للتسوية بينهما لأن ذلك يتعارض مع صيغة التسوية- التصفية الأمريكية الصهيونية في إطار مشروع الشرق الأوسط الجديد .

ثانياً – إن هذه الرؤية التي طرحناها لجذور الأزمة – المأزق التي تعيشها الساحة الفلسطينية، تدفعنا إلى عدم قبول الثنائية التي يعتمدها الباحث في سياق تحليله لهذه الأزمة ، والتي تقيم في رأينا ، تناقضاً ميكانيكياً بين (الحلول المرحلية والنهائية) ، وبين ( الحل الانتقالي والاستراتيجي ) ، ثم بين ( النضال المسلح الذي يسميه الباحث بالعسكرة ، وبين أشكال النضال الجماهيري ) ، ذلك أن هذا التناقض كما يعرضه الباحث مستنداً إلى طروحات معينة في الساحة الفكرية- السياسية ، يقوم على أرضية فكر التسوية الذي ترفضه الجماهير الفلسطينية ، والتي تعي من دون التخلي عن نهج التحرير ، أنه ليس بالإمكان إلحاق هزيمة نهائية بالمشروع الصهيوني بضربة قاضية ، وأن المطروح، هو انتزاع حل مرحلي وانتقالي يؤسس لهزيمة هذا المشروع ولا يقوم على أساس أوهام التعايش معه . وأن أي إنجاز مرحلي وانتقالي، لا يمكن تحققه باستبعاد الشكل الفاعل من أشكال النضال وهو المقاومة المسلحة.

ويمكن القول على هذا الصعيد ، أن طرح حل الدولة الديمقراطية أو الحل الجنوب إفريقي في هذه المرحلة ، يغدو تسويقاً لأوهام التسوية التي تفضي إلى التصفية ، إذ سيأتي هذا الطرح من موقع الهروب من تحمل أعباء المواجهة ، فيما يغدو طرح هذا الحل في ظل موازين قوى أخرى ، طرحاً يساعد على إنهاء المشروع الإمبريالي الصهيوني ، ويبقى الفارق بين الحالتين الفلسطينية والجنوب إقريقية ، هو أن الاستعمار الاستيطاني في جنوب إفريقيا ، لم يرتبط عضوياً بمشاريع السيطرة الكولونيالية ومن ثم الامبريالية على المنطقة التي تقوم عليها جنوب إفريقيا كما هو حال الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين ، وهذا الفارق الجوهري ، يجعل الحل الديمقراطي إذا ما تم فرضه في فلسطين عبر نضال جاد وطويل الأمد هو أقرب للحل الذي عرفته الحالة الجزائرية منه إلى الحالة الجنوب إفريقية ، ومثل هذا الحل ، ينهي فكرة قيام دولة ثنائية القومية ، لأن الوجود الديمغرافي الاستيطاني في فلسطين ، لن يعود جاذباً بعد فقد المغريات المادية التي تقدم لتجمع استيطاني هو أقرب إلى قوات المرتزقة .

وقد يرى الباحث هنا ، بأننا نجنح للخيال عبر هذا التحليل ، فيما نحن نرى بأن هزيمة تموز عام 2006، قد أكدت على أن هزيمة المشروع الصهيوني النهائية ، لم تعد خارج معطيات الرؤية الاستراتيجية لمآلات الصراع الدائر في المنطقة ، وهي الرؤية التي قام على أساسها الميثاق الوطني الفلسطيني .

ثالثاً- إن ما يخلص له الباحث بشأن ( انسداد أفق العسكرة ) ، إنما يأتي منسجماً مع الخيار الاستراتيجي الذي يظهر انحيازه له ، حين يسجل بأن تعاظم شعبية حركة حماس ، إنما جرت على خلفية مشاعر " اليأس والإحباط " التي سادت الجماهير الفلسطينية بتأثير نتائج أوسلو ، وحين يحاول إقناعنا بأن انحسار دور اليسار ، لا صلة له بضعف مساهمته في المقاومة المسلحة التي بقيت خيار الجماهير برغم كل معاناتها وما تعرضت له من ألوان القمع والقتل والحصار . ثم حين لا يريد أن يرى ، بأن تردد الصهاينة في تنفيذ تهديداتهم باجتياح قطاع غزة ، إنما هو مرتبط بخشيتهم من الخسائر التي يمكن أن تلحق بقواتهم مما يدلل على أن إرادة المقاومة ما زالت حاضرة في أوساط الجماهير الفلسطينية في غزة رغم الحصار والتجويع الذي تتعرض له هذه الجماهير وبرغم الانقسام أيضاً . ومثلُ ذلك التقليل من أهمية الانجاز الذي تحقق عبر المقاومة المسلحة ممثلاً في انسحاب الصهاينة من قطاع غزة ، والذي يذكرنا بما سارع له مروجو ثقافة الهزيمة ، من تبهيت النصر الذي حققته المقاومة اللبنانية في مواجهة العدوان الصهيوني في تموز من العام الماضي .

رابعاً- ولعل أخطر ما يعمد له الباحث شأن أترابه من مروجي ثقافة الهزيمة على امتداد الساحة العربية ، هو هذا الفصل لما يدور من صراع على الساحة الفلسطينية، عن الصراع الذي تشهده العديد من الساحات العربية بين نهج الالتحاق بالمشروع الأمريكي الصهيوني ، ونهج الصمود بوجه هذا المشروع والتصدي لمقاومته ، وهو الصراع الذي أفضى إلى وجود معسكر اعتدال في المنطقة ، ومعسكر تشدد وتطرف وإرهاب وفق التصنيف الأمريكي الرسمي العربي الصهيوني . فمثل هذا الفصل المتعمّد لما تعيشه الساحة الفلسطينية وقواها السياسية من انقسام ، هو ما يمكّن الباحث ، من رد هذا الانقسام إلى مسألة صراع على السلطة بين قوى فلسطينية سُدّت بوجهها سبل الحلول الانتقالية والإستراتيجية مثلما أغلق أفق المقاومة المسلحة التي كانت تمنح أحد الطرفين المتصادمين شرعية لا أفق لها على المستوى الاستراتيجي كما يوضح الباحث على لسان عصام مخول .

وفي الختام نقول ، بأن الاستعصاء الذي يمر به ( النظام السياسي الفلسطيني ) يمكن تجاوزه باستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية في إطار السلطة ومنظمة التحرير ، وأن ما يحول دون تحقيق الوحدة ، هو ليس صعوبة التوافق على صيغة تلتقي عليها التجمعات الفلسطينية الثلاث ، بل بسبب خضوع تيار فلسطيني للفيتو الأمريكي الصهيوني على هذا الصعيد ، والذي خضع له معسكر الاعتدال العربي بفعل الضغط والتهديد الأمريكي . وأن المطلوب لتجاوز هذا الاستعصاء الذي نرى مثيله على الساحة اللبنانية وعلى مجمل الساحة العربية ، هو أن تصمد قوى المقاومة والممانعة في فلسطين ولبنان وسورية وإيران والمنطقة بوجه ما تتعرض له من تهديد وتهويل وعدوان ، مدركة بأن الحلف الذي تقوده أمريكا ليس مطلق القدرة ، وأن مشروعه الرامي إلى إخضاع المنطقة لم يعد يملك قوة الدفع التي كان يملكها لدى العدوان على العراق ثم لدى غزوه ، وليس أدل على ذلك ، ما نشهده من تساقط الرموز الفاعلة في إدارة بوش ، ومن أزمة ( النظام السياسي الصهيوني ) التي برزت على خلفية هزيمة تموز .

 

 

 

 

 

                                    

 

 

 
 
رجـوع