عن الراديكالية والوسطية في مواجهة المشروع الصهيوني

 

                                                                                                            غطاس أبو عيطة  

 

في مقاله,طلع علينا الكاتب الفلسطيني سامي حسن,برؤية مفادها "أن جميع القوى السياسية الفلسطينية,قد انتقلت في مجرى الصراع مع العدو الصهيوني,من الراديكالية إلى الوسطية,متخلية عن هدف تحرير كل فلسطين,وعن اعتماد المقاومة المسلحة سبيلاً للتحرير, لكي تقبل بدولة فلسطينية في حدود عام 1967,وبإمكان تحقيق هذه الدولة عبر تسوية سياسية .. وأن ذلك كان شأن حركة فتح ومن بعدها الجبهة الشعبية وما بينهما من القوى,وكان أيضاً شأن حركة حماس,التي رضيت المشاركة في الانتخابات التشريعية على أرضية أوسلو,وأعلن قادتها في أكثر من مناسبة قبولهم لدولة فلسطينية في الضفة والقطاع المحتلين,ثم من خلال موافقتها على التهدئة مع الجانب الصهيوني متنازلة عن المقاومة المسلحة كمبدأ لا تحيد عنه,لتلحق بها بعد قليل من التردد حركة الجهاد الإسلامي,ليكون الطرف الفلسطيني الوحيد الذي لم يغير مواقفه ومنطلقاته ,هو حزب الشعب الفلسطيني (الحزب الشيوعي سابقاً),الذي ظل وسطياً منذ نشأته ,بحيث يمكن اعتباره القوَّة الراديكالية الوحيدة في ساحة العمل الوطني الفلسطيني التي لم تُقدم على تنازلات"(؟).

وإذ نتصدى لهذا المنطق الصوري الذي يعمد له كاتبنا في تصنيفه للقوى السياسية الفلسطينية ,فإننا نقول بداية ,بأن مسار حركة التحرر الوطنية الفلسطينية,لا يمكن فصله عن مسار حركة التحرر الوطني أو القومي العربية ,وإن من يعمدون إلى مثل هذا الفصل,إنما يبطنون الترويج لواقعية انهزامية تنطلق من معادلة مفادها ,بأن الشعب الفلسطيني المحتلة أرضه,لا يمكنه استخدام القوَّة المسلحة في مواجهة عدو يفوقه في القوَّة ,وأن عليه بالتالي ,اعتماد الوسائل السلمية في الوصول إلى بعض حقوقه مطِّرحاً الشعارات العاطفية التي تدعو للقضاء على الدولة الصهيونية (وهذه الرؤية تخرج أيضاً فلسطينيي ال 48,وفلسطينيي الشتات من الصراع ).   

وبالانطلاق من الربط العضوي بين المسارين الفلسطيني والعربي التحرري , يمكننا القول, بأن القوى الراديكالية على الساحة العربية ومن ضمنها الفلسطينية,هي تلك التي انطلقت من استيعاب طبيعة الصراع مع المشروع الاستعماري الصهيوني,باعتباره صراع وجود بالنسبة للأمة العربية,وأنه إما أن تنتصر أمتنا في هذا الصراع ,وإما أن تخرج من التاريخ كأمة,متحولة إلى كيانات أقلوية تدور في فلك القاعدة الصهيونية على أساس المخطط الاستعماري الرامي إلى صهينة المنطقة.

وبالنظر إلى تعقُّد الصراع في مواجهة حلف استعماري أمكنه تجزئة الوطن العربي وزرع قاعدة استيطانية توسعية عدوانية في قلبه,فقد رأت القوى الراديكالية,بأنه يصعب هزيمة المشروع الاستعماري في المنطقة,وتقويض قاعدته الاستيطانية عن طريق الضربة القاضية,وأنه لا بد من اعتماد المرحلية على طريق إحراز النصر النهائي على المشروع النقيض لمشروع الأمة التحرري والوحدوي والنهضوي,وقد انسحبت هذه الرؤية على الساحة الفلسطينية,واعتُمدت رسمياً عقب حرب تشرين عام 1973 بالدعوة إلى تحرير ما جرى احتلاله عام 67 كخطوة على طريق التحرير الكامل ,لكن التطورات التي شهدتها الساحة العربية بعد ذلك, حرفت هذا الهدف عن منطلقه الراديكالي.

إذ يمكن القول هنا,أنه بسبب إخراج مصر من خندق الصراع مع الحلف الاستعماري الصهيوني على يد السادات,اختل ميزان القوَّة بعمق لصالح المشروع الاستعماري,وباتت النظم العربية الملتحقة بهذا المشروع ,هي من يفرض رؤيته على الساحة العربية وامتدادها في الساحة الفلسطينية,حيث أطلقت هذه النظم عبر السعودية ,مبادراتها للسلام مع العدو الصهيوني,متذرعة بوسطية عقلانية – إذا ما أخذنا بفهم كاتبنا للوسطية -  لكن هذا العدو ,أمعن في غطرسته رداً على تلك المبادرات,ومضى قدماً عن طريق تصعيد عدوانه نحو إنجاز مشروعه الرامي إلى صهينة المنطقة ,أي تحويلها إلى مجالٍ حيوي لكيانه مدعوماً من الهجمة الأمريكية على المنطقة.

غير أن القوى الراديكالية,لم تتخلَّ عن فهمها لطبيعة الصراع الدائر في المنطقة,وذلك على الرغم من تراجع تأثيرها على مجرى الصراع في زمن الردة العربية ,إذ أنها لم تسلم بالثقافة التي أريد لها أن تحتل العقل العربي من انه لا جدوى من مواجهة المشروع الاستعماري,وبأن المواجهة ,لا تجلب للدول وللشعوب العربيةغير هزائم وخسائر جديدة ,ولا تمكنها من بناء أوضاعها والسير على طريق التقدم(؟),وقد نبتت على أرضية الثقافة الجذرية التي بقيت حيَّة في وجدان الجماهير الشعبية,مقاومة عربية اغتنت بتجارب المجابهة والمقاومة في الحقبة السابقة,وما حققته هذه المقاومة عبر إنجازاتها الميدانية,أنها أعادت الاعتبار للرؤية ,بأنه لا مجال لتسوية دائمة ونهائية مع المشروع الاستعماري الصهيوني,لأنه لا مجال للتعايش بين مشروعين ينفي احدهما الآخر. وعلى قاعدة هذه الرؤية بمستواها الفكري والنضالي,يأتي التمييز بين وسطية في الساحة الفلسطينية والعربية,تقوم على وهم التعايش مع المشروع النقيض,وبين وسطية ومرحلية,تدفع المشروع التحرري للأمة العربية وللشعب الفلسطيني,خطوة هامة وتاريخية على طريق دحر المشروع الاستعماري وتقويض قاعدته الصهيونية التوسعية والعدوانية.

ويمكن القول هنا,بأن ما يطرحه كاتبنا في عام 2009,يعيدنا إلى ما طرحه الحزب الذي يصفه بالراديكالية العقلانية في مؤتمره الأول عام 83,حين رأى هذا الحزب ,بأن قيادة فتح المهيمنة على منظمة التحرير,قد تبنت أخيراً برنامجه بعد رحلة من التشبث بشعارات ومنطلقات عبثية.لكنه (أي الكاتب),إزاء مأزق هذا البرنامج الذي كشفت عنه مسيرة أوسلو,لم يجد حرجاً هو والحزب الذي يشيد بعقلانيته,في تخليه عن هدف الدولة المستقلة التي تأتي عن طريق النضال السلمي حسب رؤيتهم,ليدعو إلى حل الدولة الواحدة التي يناضل الشعب الفلسطيني ديمقراطياً في إطارها بشراكة مع القوى العقلانية الصهيونية,لكي يهزما معاً المشروع الاستعماري الصهيوني,ولا يعني مثل هذا التراجع عن حل الدولتين,سوى التسليم بالمشروع الصهيوني من منطلق أن هذا المشروع لا مجال لمجابهته وفرض التراجع عليه.

ونود الوقوف في هذا المجال ,عند الرؤية العلمية والموضوعية التي أوجزها لنا الراحل جوزيف سماحة عام 93,في كتابه ((سلام عابر)),الذي ردَّ فيه على المحتفلين بسلام أوسلو.حين أكد عبر هذه الرؤية,على حتمية زوال الدولة الصهيونية التي لا يمكن فصلها عن أطماعها التوسعية وعن وظيفتها العدوانية في المنطقة ,مبيناً أن الخطوة الأولى على طريق تقويض هذه الدولة ,إنما تتمثل في بناء واقع عربي متماسك,يكون بمقدوره تعطيل قدرة هذه الدولة على التوسع,وشل وظيفتها العدوانية الإخضاعية.وحيث اندحرت هذه القاعدة الاستيطانية عن أرض لبنان,واضطرت إلى تفكيك مستوطناتها في قطاع غزة,ثم تراجعت قدرات جيشها الردعية في امتحاني حرب لبنان الثانية وحرب غزة,وغدت تحسب نتائج مغامراتها العسكرية في المنطقة التي يمكن أن تكبدها كلفة تعجز عن تحمُّل تداعياتها,وحيث يتجه النظام العربي في المقابل وبتأثير ما أفرزه انتصار غزة,إلى اصطفاف لا يهيمن فيه نهج "الوسطية"الذي ثبت فشله,فإن ما دعا له جوزيف سماحة,يكون قد وضع على سكة التحقيق,وإن مثل هذه النظرة إلى التحولات التي شهدتها المنطقة في الأعوام الأخيرة ,لم تعد غائبة عن الوعي الصهيوني,إذ توالت تعبيرات القلق على مستقبل المشروع والدولة الصهيونية وسط قادة الصهاينة.  

إن نظرتنا إلى ما يطرحه كاتبنا,تجعلنا نحسُّ بأنه يعيش خارج التاريخ,وأنه يدير ظهره لما جرى من تحولات في المنطقة والعالم في الأعوام الأخيرة,معتقداً بأن أمريكا ما زالت قادرة على حكم العالم,وأن الكيان الصهيوني لا يواجه أزمة بنيوية,وان وعياً جديداً مقاوماً وممانعاً ليس في سبيله إلى فرض هيمنته على الساحة العربية والإسلامية,وأن شعوب العالم وخاصة في بلدان الغرب لم تبدل نظرتها إلى القاعدة الصهيونية,وأن حرب غزة لم تكشف بصورة جذرية خرافة الجيش الذي لا يقهر. 

ونخلص إلى القول في الختام: -

أولاً – إنه لا يوجد عدا حزب الشعب,أي فصيل أو مواطن فلسطيني يسلِّم بضياع أي جزء من الأرض الفلسطينية,وبوجود دائم للكيان الصهيوني على هذه الأرض .إذ لا يوجد في الحقيقة ,من يستطيع تبني الرواية الصهيونية بشأن الصراع الفلسطيني والعربي - الصهيوني,لذلك يعوِّل الحلف الاستعماري في ذلك,على عملية غسيل دماغ بالنسبة للمواطن الفلسطيني والعربي,وأن مثل هذه العملية,قد خضع لها حزب الشعب,استناداً إلى ماركسية مغلوطة,تضع الصراع الطبقي في مواجهة الفكرة القومية التي جرى اعتبارها رجساً من الرأسمالية باسم تلك الماركسية المشوَّهة.

ثانياً – كما أن جميع الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح,لم تتخلّ بصورة مبدأيه ونهائية عن المقاومة المسلحة,حتى وهي تعلن"نبذها للعنف"انطلاقاً من حسابات سياسية ثبت خطأها من بعد تجربة أوسلو.وإن من فعل ذلك متساوقاً مع منطلقات حزب الشعب,هو زمرة الانتهازيين ممن استمرأوا مغانم السلطة الوهمية,يتبعها تيار من المثقفين المحبطين,ممن ركنوا لأوهام السلام العابر,متهافتين على مفاهيم مستوردة للديمقراطية,التي يمكن تحقيقها في دول المنطقة في ظل الهيمنة الاستعمارية.

ثالثاً – إن لجوء "القوى الراديكالية" إلى القبول بالحل المرحلي للقضية الفلسطينية ,وتوقفها عن المقاومة المسلحة كاستراحة محارب أملتها ظروف الصراع ,لا يعني مضيِّها على طريق الثقافة التي نشأ على أساسها حزب الشعب,والتي أملت على قائد شيوعي عربي إلى القول,بأن معيار أممية أي شيوعي عربي,هو اعترافه بحق إسرائيل في الوجود.

رابعاً – إن راية المقاومة والتحرير, ستظل مرفوعة جيلاً بعد جيل, وإن الجماهير الفلسطينية والعربية, ستظل تنحاز إلى جانب من يحمل تلك الراية معرضة عمن تعب من حملها.

ويبقى أن نؤكد ,بأن قبول الحلف الاستعماري بمن فيه القاعدة الصهيونية,بدولة فلسطينية كاملة السيادة,لن يتم بدون استمرار المقاومة بكل أشكالها وخاصة شكلها الفاعل ممثلاً بالمقاومة المسلحة,وإن هذا الإنجاز ,إنما يعني تراجع هذا الحلف عن ثوابت مشروعه,لكي يتقدم المشروع النقيض التحرري العربي والفلسطيني.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
رجـوع