|
فنزويلا على طريق التحرر والاشتراكية
غطاس
أبو عيطة
يبدو لمن يراقب الحركة الثورية الفنزويلية
التي يقودها الرئيس هيجو شافيز ،أن هذا القائد
الذي باتت مسيرته محط أنظار العالم ،
يجمع في سماته ، صُورَ أبطال زمن آخر جرى الاعتقاد أنه مضى إلى غير
رجعة" بعد أن وصل العالم إلى نهاية التاريخ ..... واستقرت حركة
التاريخ عند انتصار قيم الرأسمالية إثر إحكام مراكزها المتقدمة-
التي تقوم على حراسة تلك القيم، ومعاقبة كل من يريد المسّ بها من
نظمٍ ومن حركات إرهابية – سيطرتها على مفاتيح الثورة التقنية، وغدا
بمقدورها أن تتحكم بحركة وبقوانين التاريخ " (؟ )
فمشروع شافيز الثوري كما يبرز للعيان
،يعيدنا أولاً إلى زمن لينين وحلم بناء الاشتراكية في مجتمع تخلّف
عن دخول مرحلة الثورة الصناعية،كما يعيدنا ثانياً، إلى زمن أبطال
حركة التحرر الوطني في البلدان المستعمرة والتابعة،الذين أكدوا
حضورهم على الخارطة الدولية من خلال عقدهم لمؤتمر باندونج أواسط
خمسينات القرن الماضي. وهو يعيدنا بالطبع إلى زمن جيفارا وحلمه
الرومانسي في تحرير بلدان أمريكا اللاتينية من النظم الدكتاتورية
صنيعة السيطرة الأمريكية . ويعيدنا أخيراً، إلى زمن الفارس
الاسطوري سيمون بوليفار الذي نسب شافيز حركته ونظامه له، والذي حرر
فنزويلا إلى جانب عدد من بلدان أمريكا اللاتينية من الاستعمار
الإسباني .
وما يلاحظه المراقب على ذات الصعيد ، هو
هذا الشبه الكبير بين مسيرة شافيز الثورية ومسيرة كاسترو في كوبا ،
فالرجلان منذ تفتّح وعيهما الثوري ، كانا قد صمما على الامساك
بمقاليد السلطة في بلديهما ، لإخراج شعبيهما من الواقع المهين الذي
يرزحان تحته ، ولم يضعف من تصميمهما فشل محاولتهما الاستيلاء على
السلطة عبر حركة مسلحة وعن طريق انقلاب عسكري قاداهما إلى السجن .
غير أن الفارق في وجهتهما بعد ذلك . هو أن كاسترو قد لجأ عقب خروجه
من السجن ، إلى حرب الغوار ، زاحفاً مع رفاقه المقاتلين من الجبل
والريف نحو العاصمة التي كانت جماهيرها في استقباله بعد أن طال
انتظارها لمن يخلصها من النظام الدكتاتوري والإذلال الأمريكي، فيما
مضى شافيز إثر مغادرته السجن ، يطوف في أرجاء وطنه مستنهضاً إرادة
جماهيره الثورية مطارداً من جانب الأجهزة الأمنية ، لكن ليغدو خلال
أعوام معدودة ، القائد الذي تثق به أوسع الجماهير ، ولتلتف حوله
هذه الجماهير لدى ترشّحه لمنصب الرئاسة ، عبر انتخابات فاجأت
نتيجتها الفئات الحاكمة وأسيادها في واشنطن، لتكر بعد ذلك مسبحة
القادمين إلى السلطة عبر خيار شعبي في بلدان أمريكا اللاتينية . من
القيادات الخارجة من أوساط الفئات الشعبية المفقّرة .
وبعد وصوله إلى موقع الرئاسة ، كان عليه أن
يواجه انقلاباً عسكرياً نظمته غرفة العمليات لوكالة الاستخبارات
الأمريكية القائمة في مقر قيادة الجيش ، لكن صمود أعضاء حكومته
أمام الانقلابيين ، وتمسك الجماهير بقائدها ، أحبط الانقلاب ،
فغادر شافيز ظافراً من مكان اعتقاله إلى سدة الرئاسة . وإذ أمسك
شافيز بقيادة الجيش عبر تعيينات جديدة في تلك القيادة ، عمدت
المعارضة ومن خلفها المخابرات الأمريكية ، إلى التحركات الشعبية
التي تجتاح شوارع العاصمة ، لتتصدى لها تظاهرات الفقراء القادمين
من أحياء البؤس . ومع استمرار محاولات إقصائه عن الحكم وإجهاض
مشروعه التحرري ، عمد شافيزإلى طرح صيغة دستور جديد للبلاد ، يمكّن
الجماهير من الدفاع عن مصالحها وعن حريتها ، وأُقر الدستور عبر
استفتاء شعبي عام 1999 . لتعود قوى وأحزاب المعارضة ، إلى طرح
الثقة بالنظام بناء على ما جاء في الدستور ، من أن الشعب يستطيع أن
يحجب الثقة عن أي مستوى من مستويات السلطة ، بعد مرور نصف مدة
ولاية هذا المستوى ، ليفوز شافيز مجدداً في الاختبار الشعبي .
وبانتخابه للدورة الرئاسية الثانية ، سارع
شافيز إلى الكشف عن هوية مشروعه الذي يقوم على " بناء اشتراكية
القرن الحادي والعشرين وفق ظروف فنزويلا " ، طارحاً على طريق إنجاز
هذا المشروع ، تعديلات جذرية على دستور عام 99 ، مستنداً في صياغة
تلك التعديلات ، على ما راكمه من تجارب ومن خبرات ثورية قبل وبعد
وصوله إلى سدة الرئاسة ، وعلى ما اختزنه من أفكار ومن عبر ودروس ،
لدى انكبابه على إعادة قراءَة مراجع الفكر الاشتراكي وتاريخ
التجارب التحررية والاشتراكية المعاصرة ، وعلى ما نظّمه من حوارات
غنية مع مفكرين وأكاديميين وقادة ثوريين من أبناء شعبه .وإننا إذ
نحاول الوقوف عند أبرز ملامح هذا المشروع الثوري كما تشف عنه
تعديلات الدستور التي صاغها شافيز بنفسه ، متوجهاً بها إلى
الجماهير الشعبية منذ آب عام 2007 ، لكي تناقش وتعدّل وتُغنى قبل
أن تطرح للاستفتاء العام ، فإننا نتوقف عند التالي :-
أولاً-
لضمان استمرارية مشروعه للتحرر والبناء الاشتراكي ، اقترح شافيز
تعديل المادة التي تحظر الترشّح لانتخابات الرئاسة لأكثر من دورتين
، موسعاً فترة الدورات التي غدت مفتوحة من ستة إلى سبعة أعوام ،
غير عابيء في ذلك ، لاتهام المعارضة له بأنه قد تحوّل إلى دكتاتور
، منطلقاً من أن الشعب هو الذي يقرر إن كان يريد الدفاع عن حريته
وكرامته الوطنية والإنسانية ، أو البقاء ضمن ظروف العبودية .
ثانياً-
ولفرض تحولٍ جذري نحو مشاركة الشعب في إدارة شؤون حياته ، استعاد
شافيز وعبر خطوة بالغة الجرأة، الشعار الذي طرحه لينين عشية ثورة
اكتوبر محرضاً الجماهير على الإمساك بزمام الأمور في البلاد ، وهو
شعار " كل السلطة للسوفييتيات " ، فترجمةً لهذا الشعار ، يقوم نظام
الحكم في فنزويلا وفق بناء هرمي ، تشكل الكومونة لبنته الأساسية ،
لتبدأ الكومونة من الحي والمنشأة الإقتصادية ، وتمر صعوداً في
المدينة والمحافظة والإقليم ، وتصل إلى السلطة المركزية بمكوناتها
التنفيذية والتشريعية والقضائية . وفيما تمنح القاعدة الشعبية حق
تغيير إدارة الكومونة المنتخبة بعد مرور نصف مدة إدارتها ، تمنح
السلطة المركزية مثل هذا الحق ، وذلك عبر رقابة مزدوجة تمارس على
من يديرون شؤون الكومونات ، تعطي الجماهير حقها في محاسبة من
تختارهم لموقع الإدارة ، وتمكّن السلطة المركزية من وضع حركة
البناء الكوموني في إطار المشروع الوطني العام .
ثالثاً-
وما يرمي له هذا النظام الإداري إضافة إلى تحفيز الجماهير لكي
تتحمل مسؤولية النهوض بواقعها الذي دمرته النظم الدكتاتورية
التابعة ، هو أن تشعر كل جماعة من سكان البلاد ، بأن لها حرية
تنمية ثقافتها الخاصة بها في إطار ثقافة وطنية تقوم على مبدأ
التعددية ، وذلك بعد أن كانت منبوذة ومهمشة ، ثقافة أبناء البلاد
الأصليين الموسيمين بالهنود الحمر وثقافة السود من الأصول
الإفريقية ، وثقافة العديد من تجمعات المهاجرين غير الاوروبيين في
ظل سيادة ثقافة الأغنياء بغالبيتهم ذات الاصول الأوروبية .
رابعاًُ-
غير أن مبدأ المساواة الديمقراطية بين الأحياء والمؤسسات والمدن
والجزر والأقاليم ،لم يغفل أهمية تلك الوحدات الاقتصادية
والجغرافية التي تحوي أبرز مصادر الثروة في البلاد ، والتي لا بد
وأن تولى اهتماماً خاصاً من جانب السلطة المركزية ، لتكون هذه
المراكز الكومونية ، القاطرة التي تمضي بوتيرة متسارعة في عملية
التنمية التي يعود خيرها على مجموع أبناء الوطن ، كما لم يغفل
بالمقابل ، الوحدات الإدارية التي تحتاج إلى دعم خاص لكي تلحق
بالوحدات الأخرى من حيث مستوى تطورها .
خامساً-
وفي إطار الرؤية الوطنية العامة لعملية التنمية الاقتصادية ، أولى
الدستور الجديد ، عناية بالبيئة ، مؤكداً على ثقافة جديدة فيما
يتعلق باستخدام الموارد الطبيعية تقوم على مبدأ التصالح مع قوانين
الطبيعة .
سادساً-
غير أن هذا التحول الجذري في وجهة سير فنزويلا يحتاج إلى من يدافع
عنه في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية . وفي هذا السياق استعاض
الدستور عن صيغة الجيش الكلاسيكي التي كانت قائمة والذي يدرب ضباطه
في بنما تحت إشراف وكالة الاستخبارات الأمريكية ، بصيغة الجيش
الشعبي الذي يصل تعداده في فترة وجيزة إلى المليون ، ولا تكون
مهمته القتال فقط عند الحاجة ، بل الانخراط في عملية الإنتاج
والبناء ضمن الأطر الإدارية القائمة ذات الصبغة الشعبية ، لكن
وحداته تظل تخضع من فترة لأخرى لدورات تدريبية تجعلها على أهبة
الاستعداد لدرء أي خطر داخلي ولمواجهة أي عدوان خارجي .
سابعاً-
غير أن الضمانة الأساسية لحماية هذه التجربة الثورية تظلّ مرتبطة
بموقف الجماهير من التجربة، ارتباطاً بمدى تحقيقها لتطلعاتها في
مختلف المجالات المادية والمعنوية. وقد بدأت عملية قلب أوضاع
الجماهير البائسة منذ فترة مبكرة ، فنظمت حملة لمحو الأمية أنجزت
أهدافها عام 2003 ، ونُشرت الخدمات الطبية لتعم أرجاء البلاد
ولتطال التجمعات التي لم تنعم يوماً بهذا الترف من العناية
الإنسانية ، وتم بناء عشرات ومئات المدارس والمعاهد والكليات
الجامعية في إطار خطة لتعميم التعليم في البلاد . وقدمت كوبا على
هذين الصعيدين التعليمي والصحي، آلاف الكوادر ( مثلما يمكن أن تكون
قد قدمت كذلك خبراتها في بناء الجيش الشعبي المؤهل لأن يلحق
الهزيمة بجيوش المرتزقة من أعداء الثورة وبآلة الحرب الأمريكية ) .
وعلى صعيد التنمية الاقتصادية التي تستجيب
لحاجات المواطنين ، فقد مُنحت الإدارات المحلية ، نسبة واسعة من
الدخل الضريبي ، تنفقه على تطوير البنية التحتية وعلى دفع عملية
الإنتاج وتنمية القدرات البشرية . ولم تأت عملية تسريع التنمية
الاقتصادية على حساب راحة هذا الجيل من المواطنين ، إذ خفضت صيغة
الدستور الجديدة ساعات العمل اليومية إلى ست ساعات ، فيما شمل نظام
التقاعد ، جميع العاملين سواء في المشاريع العامة أو المختلطة أو
في الأعمال الخاصة ، ليصبح كل فرد في المجتمع مؤمّناً على شيخوخته
.
ثامناً-
ولتأطير حركة الشعب بما يخدم الهدف العام التحرري الاشتراكي تم
الإعلان عن قيام الحزب الاشتراكي الموحد الذي يتولى دفع عملية
النهوض والبناء ، ودعيت القيادات والكوادر ذات الخبرة في الأحزاب
الوطنية والتقدمية ، والقيادات الروحية المناهضة للسيطرة الأمريكية
في الكنيسة الفنزويلية لأن ترفد هذا الحزب . ورغم الالتباسات التي
تحيط بهذه المسألة، فإنه لا يمكن النهوض بالبلاد على المستوى
الوطني، دون وجود حزب وطني يتجاوز النزعات الضيقة الفئوية والمحلية
ويدفع عجلة النهوض.
تاسعاً-
ونص الدستور على المستوى الدولي ، على التعاون بين الدول
العالمثالثية في مواجهة هيمنة مراكز النظام الرأسمالي ، وعلى إقامة
نظام دولي عادل ، يبدأ بانتصار التعددية القطبية في مواجهة المشروع
الإمبراطوري الأمريكي .
وهكذا فإننا عبر النصوص الدستورية ، التي
وصلت لنا على البعد ، تتبدى أمامنا بصورة أولية ومجتزأة ، ملامح
المشروع الشافيزي ، وعلى أساس هذه الصورة غير المكتملة ، سنحاول
الوقوف عند حظوظها من الإنتصار والفشل ، إدراكاً منا لحجم المخاطر
الذاتية والداخلية والخارجية التي تحيق بهذا المشروع ، وتقديراً
للطاقات التي يمكن أن تظهر لدى الشعب الفنزويلي والتي تظهر عادة
لدى الشعوب حين ترتبط بمشروع يعبر عن طموحاتها ، ويستجيب لما تتوق
له من حرية ومن كرامة وطنية وإنسانية . وفي هذا المجال نقول التالي
: -
1-
حين نذكر التجارب الثورية السابقة ( التحررية والاشتراكية فيما نحن
إزاء مشروع شافيز الفنزويلي ، فإننا نذكر في الواقع ، أن هناك
تجارب تحررية واشتراكية قد آلت إلى الفشل بفعل عوامل ذاتية
وموضوعية ، وأن هناك تجارب قد نجحت في الصمود ، فيما مضت بعضها على
طريق الصعود متجاوزةً ما واجهها من التحديات المصيرية . وقد نستطيع
القول هنا ، بأن الظروف الذاتية والموضوعية بالنسبة لتجربة شافيز ،
هي أقرب ما تكون إلى الظروف الكوبية مع فوارق سنأتي على ذكرها .
2-
لعل أخطر ما يواجه هذه التجربة ، هو التركة التي ورثتها فنزويلا عن
تلك الحقبة الرهيبة من سيطرة الطغم الرأسمالية الخادمة لمصالح
شركات النهب الأمريكية ، ويتمثل ذلك ، في وجود مجتمع الأقلية
المحظوظة ، المتمتعة بجميع الخدمات التعليمية والصحية والثقافية ،
والمتمرسة في الحياة السياسية ... ومجتمع الغالبية المحرومة من كل
ذلك ، والتي يطلب إليها عبر هذه التجربة حمل مشروع ثوري تحرري
اشتراكي عصري وكوني ، ونعتقد على هذا الصعيد ، بأن كل ما تميّز به
الدستور الجديد من مرونة لجهة الجمع بين المبادرة الشعبية والرقابة
المركزية ، وما استند له من رؤية نافذة ومن خبرة عملية ، فإن ذلك
لن يمنع ظهور جيش من الانتهازيين ومن الجماعات المافياوية خلال
عملية البناء ، ولعل هذا التقاطر على أعتاب حزب السلطة الذي أعلن
عن قيامه ، بتقديم ستة ملايين طلب انتساب لصفوفه هو إيذان ببدأ تلك
الظاهرة ، الأمر الذي يرتب على السلطة بمختلف مستوياتها ، القيام
بعمليات تطهير دورية تحمي التجربة من أن يغرقها الفساد ، مع
استمرار العمل على تربية أجيال على ثقافة الديمقراطية التي تشكل
الضمانة لمنعة وانتصار هذه التجربة .
3-
ويواجه هذه التجربة من الأخطار الداخلية ، ما واجه الثورة الروسية
والكوبية على سبيل المثال ، إذ سيحتدم التعارض بين الشرائح الطبقية
الغنية التي لن تسلم بهزيمتها ، وبين النظام الذي يعبر عن مصالح
الطبقات والفئات المسحوقة ، وسيخلق هذا التعارض الحتمي ، جيشاً من
المرتزقة من السياسيين ومن المجموعات المسلحة التي تعمل تحت إشراف
المخابرات الأمريكية . ويفرض ذلك على السلطة أن تكون مستعدة
لمواجهة هذا التعارض وما يستتبعه من الصدام ، ولا يتم ذلك
بالاستعدادات العسكرية والأمنية وحسب ، بل كذلك من خلال بذل الجهد
لكسب أوسع شرائح البرجوازية الصغيرة والوسطى ، ويعتمد ذلك على ما
يقدمه النظام الجديد لتلك الشرائح من مكاسب مادية ومعنوية .
4-
ويبقى الخطر الأساسي على التجربة الثورية الشافيزية ، هو ذلك
القادم من الشمال من الامبريالية الأمريكية ، ذلك أن أمريكا لن
تسلم بخسارة بلد هو الثالث عالمياً من حيث انتاج الثروة النفطية ،
إضافة إلى ثرواته الطبيعية الأخرى ممثلة في الذهب والحديد وفي
الثروة الزراعية . وهذه الخسارة ستكون مضاعفةً مرات عديدة إذا ما
مضت التجربة على طريق النجاح، مقدمة النموذج والدعم لكل من يريد
التمرد على مشاريع الهيمنة الأمريكية من بلدان أمريكا الجنوبية
وبلدان العالم الثالث بوجه عام. لكنه على الرغم من جدية هذا الخطر
، فإنه يمكن ملاحظة أن إرادة التحرر لدى شعوب أمريكا اللاتينية قد
اكتسبت من الصلابة ما يمكنه أن يشكل دعماً لصمود التجربة
الفنزويلية . كما أن المغامرات العسكرية التي نفذتها أمريكا في
سياق سعيها لحكم العالم، قد دللت على حدود القوّة عند هذه
الإمبراطورية التي توهم قادتها بأن العالم سوف يسلّم بنظامها
الدولي الأحادي القطبية.
وما يمكن قوله في الختام ، هو أن عقبات
وأخطاراً وانتكاسات كثيرة سوف تواجه هذه التجربة الثورية التي
سينعكس انتصارها أو فشلها على مجمل الخارطة الدولية ، وأن الضمانة
لاستمرارها وتقدمها على طريق النجاح . إنما يعتمد على قدرة هذا
القائد على بناء مؤسسات لا تهيمن فيها المافيات والجماعات
اللصّقراطية التي تنمو في ظل ضعف التربية والثقافة الديمقراطية .
وقد لا تحتاج هذه التجربة بسبب فارق الزمن ، واختلاف الأوضاع
المحيطة قارياً وعلى المستوى الدولي ، إضافة لما يتوفر لها من
الثروات ، إلى تلك المركزية الشديدة ، وإلى استمرار سلطة الفرد
القائد كما جرى بالنسبة للتجربة الثورية الكوبية ، التي كان عليها
أن تواجه منفردة الوحش الأمريكي ، وأن تصمد في ظل حصار بالغ القسوة
تم فرضه عليها عقوداً طويلة .
|