|
تقرير فينوغراد:
نَصَر ثقافة المقاومة، وهَزم ثقافة الاستسلام
غطاس أبو عيطة
في مجال تعليقه على
تقرير فينوغراد الصهيوني، طالعنا أحد مروجي ثقافة الاستسلام،
بمعادلة مفادها: أن انتصار أو هزيمة المقاومة اللبنانية (أو أي
مقاومة وممانعة عربية و حتى دولية)، باتت محكومة بعلاقة تعاكس مع
انتصار وهزيمة الدولة سواء في لبنان أو في أي بلد عربي أو دولي،
وأن ذلك هو ما أوضحه تقرير اللجنة الصهيونية حول نتائج حرب تموز
الأخيرة على لبنان، معلناً أن نتيجة هذه الحرب كانت "نصراً لحزب
الله.. وهزيمة للبنان"(؟).
وفي معرض شرحه
لمعادلته رأى هذا الكاتب:-
1-
أن صمود مقاومي حزب الله بوجه القوات الصهيونية، مرده أن هؤلاء
المقاومين، ما كانوا معنيين بما يواجهه لبنان من دمار رهيب على يد
تلك القوات، ذلك أنهم من الأساس، لم يكونوا معنيين إلا بانتصار
حزبهم وفيما عدا ذلك ليأت الطوفان(؟).
2- وأن حال هؤلاء
المقاومين وحزبهم، أشبه بحال العصابات الصهيونية ولكن قبل إعلان
قيام دولة إسرائيل عام 1948، إذ أن تلك العصابات، قد سارعت إلى
الانخراط في مشروع الدولة الإسرائيلية غداة قيامها، وإن ذلك يفسِّر
ما حققته دولة إسرائيل من قوة ومن منعة ومن تطور في مختلف
المجالات، في الوقت الذي بقيت فيه الدول العربية على حالها من
الضعف وفقدان المناعة، لأنه ظل بداخلها من يرفض الانخراط في مشروع
الدولة، ومن يسعى لتحقيق ذاته وفق أجندة خاصة به بمعزل عن الأجندة
الوطنية(؟).
3- وإنه فيما
استوعبت النظم العربية بمجموعها هذه المعادلة الموضوعية التي تقوم
على مبدأ "إما المقاومة وإما الدولة"، بما قادها طائعة نحو
الانخراط في عملية السلام عبر مؤتمر مدريد، فقد بقيت المقاومات
العربية وفي مقدمتها المقاومة اللبنانية، بعيدة عن هذا الاستيعاب،
كونها غير معنية أساساً بمصير أوطانها، وذلك ما يفسِّر تهليل حزب
الله لصدور تقرير فينوغراد، الذي أعلن انتصار الحزب وليس انتصار
لبنان، والذي أكد في الوقت ذاته، انتصار إسرائيل الدولة بانتصار
بنيتها الديمقراطية(؟).
وفي تصدينا لهذه
القراءة المسبقة الصنع للتقرير الصهيوني بشأن نتائج حرب تموز
الأخيرة ، فإنّا نقول بداية، بأن هذا الكاتب لم يأت بجديد في سعيه
لتبهيت بل لإدانة النصر التاريخي الذي حققته المقاومة في لبنان على
الحلف الأمريكي الصهيوني، فما فعله في الواقع، أنه اتخذ من صدور
تقرير فينوغراد، مناسبة لكي يعيد ترديد مجمل ما تضمنه خطاب تيار
الانهزام في لبنان وفي العالم العربي بشأن هذه الحرب، وبشأن النصر
الذي أحرز فيها على الحلف الاستعماري، وينطبق ذلك، على القانون
العام الذي ادعى اختراعه انطلاقاً من نتيجة هذه الحرب، والذي مفاده
بأن العالم قد دخل زمناً باتت فيه "المقاومات" هي الأكثر خطراً على
وجود الدول وعلى بقاء الأوطان.
كما نقول على ذات
الصعيد،
بأن ما يهدد وجود الدولة في لبنان وفي العام العربي، هو هذا
المشروع المعلن للحلف الأمريكي الصهيوني، والذي وُضع موضع التنفيذ
في العراق وفي غيره من البلدان العربية، وأن من يقف عقبة بوجه
انتصار هذا المشروع، هو مجموع قوى ومراكز المقاومة والصمود
والممانعة العربية والإقليمية، فيما تواصل قوى ونظم الاستسلام،
تمسكها بموقع الالتحاق بالمشروع الاستعماري، غير مستوعبة أن أمريكا
والدولة الصهيونية يمكن أن ينهزما أمام إرادة شعوب المنطقة وقواها
الحية، وأن المنطقة قد دخلت عصر المقاومة بعد أن نفضت شعوبها
الرهان على نظم بات نهجها يشكل الخطر الأساس على استمرار الدولة.
ونقول بعد ذلك،
بأن ما عزز صمود المقاومين اللبنانيين الأسطوري في جبهة القتال، هو
ليس انفصالهم عن جبهتهم الوطنية الداخلية كما يدعي الكاتب وتياره،
بل تلك الروح من الصمود والاستعداد لتحمل أعباء المواجهة، التي
عبرت عنها أوسع الجماهير اللبنانية وقواها الوطنية، بما كبل قوى
التآمر عن الاضطلاع بالدور المرسوم لها في طعن المقاومين من الظهر،
الأمر الذي استحقت عليه تلك القوى سخط أسيادها في واشنطن كما تسرب
من أخبار لقاءات زعاماتها مع أولئك الأسياد.
ونعود إلى التذكير
هنا في
الرد على المتباكين على دمار لبنان بأن الأمم التي أثبتت جدارتها
بالحياة، هي تلك التي لم يبُهظ كاهلها الدمار الذي حاق ببلدانها
وهي تواجه الغزاة، مدركة أن انتصارها على الغزاة، سوف يفعمها بروح
النهوض التي تمكنها ليس فقط من إعادة إعمار أوطانها التي دمرها
الغزاة، بل في أن تحتل هذه الأوطان مكانتها المتقدمة في خارطة
العالم. وبالوقوف عند تجربة العدوان على لبنان، فقد رأينا بأن من
صمدوا بوجه العدوان، هم من بادروا إلى إعادة إعمار ما هدمته آلة
الانتقام الصهيونية، وأن من ذرفوا دموع التماسيح علي الوطن المدمر،
هم من احتجزوا أموال الإعمار ليبتزوا بها الجماهير التي التفت من
حول نهج المقاومة.
وفيما يتعلق
بقوة الدولة الصهيونية،
فإنا نقول أولاً، بأن قوتها مقارنة بضعف الدول العربية، قد ارتبطت
بظروف قيامها كدولة استعمارية استيطانية وكقاعدة عدوانية متقدمة ضد
دول وشعوب المنطقة، ونقول ثانياً بأن استمرار الصراع في مواجهة هذه
الدولة القاعدة، وعدم الخضوع لعدوانها، هو ما ضيق الفجوة بين
قوتها، وبين قوة الدول والشعوب العربية والإسلامية. لنقول من ثم،
بأن النصر المبين الذي حققته المقاومة اللبنانية في مواجهة هذه
الدولة، هو ما كشف هشاشة الأساس الذي تقوم عليه قوتها، باعتبارها
لم تتجاوز مرحلة الكيان الاستيطاني الذي لم يتحول إلى دولة طبيعية،
كونها زرعت في قلب منطقة لا يسهل تدمير إرادة شعوبها لما تملكه من
إرث حضاري.
وفي ضوء ما
أوردناه، فإنه يمكننا أن نقف عند قراءة حقيقة لتقرير فينوغراد بدل
القراءة الزائفة لمروجي ثقافة الاستسلام، والتي تقول:-
-
أن هذا التقرير، قد
أقر بانتصار المقاومة اللبنانية، لكي يصفع من خلال هذا الإقرار
الواضح والصريح، تلك الأصوات التي راحت تنعق مشككة بهذا الانتصار،
في محاولة يائسة لإخفاء هزيمة أصحابها في رهانهم على انتصار
الصهاينة.
-
وأن هذا التقرير، قد
أعلن هزيمة العقيدة العسكرية التي اعتمدها الكيان الصهيوني طيلة
العقود الماضية، والتي بنيت على دور سلاح الطيران في حسم نتيجة
الحروب مع المحيط العربي والإقليمي، لكن وصول واضعي التقرير إلى
هذه الرؤية، لم يدفعهم إلى الثقة بإمكان اعتماد كيانهم على عقيدة
بديل، تكون فيها القوات البرية هي أداة الحسم، لإدراكهم واقع أن
تجمعهم الاستيطاني، ما عاد يملك من روح التضحية، ما يمكنه من
إنجاح تلك العقيدة البديل. وما نلاحظه على سبيل المثال، هو أن
القادة الصهاينة قد عدلوا المرة تلو الأخرى عن تنفيذ قرار اتخذوه
باجتياح قطاع غزة بسبب عدم ثقتهم باستعداد تجمعهم الاستيطاني على
تحمل الخسائر التي ستنجم عن مثل هذا الاجتياح، والمسألة ستكون أكثر
صعوبة إذا ما فكر هؤلاء القادة بزج قواتهم البرية في مغامرة عسكرية
ضد جبهة أكثر تسلحاً من جبهة مقاومي قطاع غزة.
-
وما لحظه التقرير،
على ذات الصعيد- ونحن نتحدث هنا عن روح ما أعلنه التقرير- أنه ما
عاد بإمكان آلة الحرب الصهيونية، أن تنقل المعركة إلى ساحة الطرف
الآخر فيما يظل العمق الصهيوني خارج دائرة المواجهة، وذلك ما
استوعب واضعو التقرير خطورته على مستقبل كيانهم، ملتحقين بمن سبقهم
إلى التعبير عن الشك في مستقبل هذا الكيان من الاستراتيجيين
الصهاينة.
-
وقد رسم التقرير في
النهاية، علامة استفهام كبرى حول قدرة الكيان، على مواصلة الاضطلاع
بوظيفته كقاعدة عدوانية تم زرعها في قلب المنطقة، إذ لحظ واضعو
التقرير، ما ساد الرأي العام وسط كيانهم إبان الحرب الأخيرة، من
عدم تقبل هذه الوظيفة التي باتت مكلفة، ولم يعد القيام بها يتم من
دون خسائر جسيمة.
وملخص القول، هو
أن هذا التقرير للجنة فينوغراد الصهيونية، قد أتى بمثابة استكمالٍ
أو ملحق لتقرير لجنة بيكر- هاملتون الأمريكية، وذلك كي يعلنا معاً،
صعوبة المضي في مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يُفرض عن طريق
العدوان، وإنه فيما تتجه الإدارة الأمريكية نحو التكيُّف مع
الحقائق التي أبرزها التقريران، فإن حكومة أولمرت الصهيونية، تقف
في حالة الانتظار لما ستنتجه التحركات الأمريكية على مستوى
المنطقة، دون أن يعارضها في هذا الموقف الأنتظاري، الطبقة السياسية
والعسكرية الصهيونية، التي تدرك بعمق، أن قوة وضعف كيانها، هما رهن
بقوة وضعف المراكز الاستعمارية الغربية وذلك على النقيض مما يروجه
المأخوذون بقوة الدولة الصهيونية وبنفوذ الحركة الصهيونية في
العالم التي تسيّر حسب رؤيتهم السياسة الأمريكية.
|