|
روسيا ماضية نحو
استعادة مكانتها الدولية
غطاس أبو عيطة
يُجمع المحللون
في الصحافة الأمريكية والغربية، على أن روسيا في عهد الرئيس بوتين،
قد أخذت تستعيد قوتها متجاوزة حالة الانهيار الشامل التي مرت بها،
وأنها بدأت تحتل موقعها في السياسة الدولية، بما بات يشكل تحدياً
جاداً لما طرحه قادة أمريكا في أعقاب انهيار النظام الدولي الثنائي
القطبية، من جعل القرن الحادي والعشرين قرناً خالصاً للسيطرة
الأمريكية على العالم.
وفي
مواجهة هذه الرؤية التي تعبر عنها تلك الصحافة بشأن استعادة روسيا
لقوتها وتحولها إلى لاعب فاعل في السياسة الدولية، نشرت صحيفة
النيوزيك الأمريكية مقالاً بقلم أستاذين جامعيين، تحذِّر فيه من
الانخداع بمظاهر القوّة الروسية التي لا تقوم حسب واضعي المقال على
أساس صلب، مشيرة بأن تعميم مثل هذا الوهم عن قوة روسيا، من شأنه أن
يربك من دون داعٍ السياسة الأمريكية والغربية، وأن يشجِّع الدول
المناهضة لتلك السياسة على التمادي في تمردها على النظام الدولي
الذي تقوده أمريكا بما يشيع حالة الفوضى وعدم الاستقرار في العالم.
غير أن
ما تورده الصحيفة من دلائل على هشاشة الأساس الذي تقوم عليه قوّة
روسيا، لايستطيع طمس الوقائع الملموسة حول قوتها وحول بروز دورها
في السياسة الدولية، إذ من الواضح بأن من يتحدثون عن تنامي قوة
روسيا، لا يغفلون الآثار المدمرة التي خلفتها حالة الانهيار
السابقة على مجمل أوضاعها الداخلية وبالتالي على وزنها الإقليمي
والدولي،ثم أنهم في تقييمهم لواقع روسيا الحالي، لا يغفلون
الصعوبات التي ما زالت تواجهها حكومتها والتي تثير معظمها حملة
التطويق والتدخل الأمريكية، لكنهم يلاحظون بالمقابل إمساك هذه
الحكومة بمقدرات بلدها، بما يضعها على طريق النهوض، آخذين بعين
الاعتبار ما تملكه روسيا من ثروات ومن طاقات بشرية.
وبشأن ما تعرضه
الصحيفة من مظاهر ضعف روسيا فهو يأتي كالتالي:
- إن
مظهر قوة أية دولة لابد أن يبرز أولاً في قدراتها العسكرية. وإن
واقع القوات الروسية ما زال على حاله من الضعف والترهُّل والإهمال،
إذ ما زالت هذه القوات جائعة وينتشر في صفوفها الفساد، وإن ما
يعلنه قادة روسيا حول تطويرهم لأسلحة حديثة لم يغيِّر من واقع تسلح
تلك القوات، فقد ابتاعت الهند معظم ما أُنتج من دبابات روسية
متطورة، فيما ابتاعت إيران أنظمة صاروخية لم تدخل في استخدام الجيش
الروسي.
- ثم
إن مظاهر القوَّة لابد وأن تبرز كذلك في اقتصاد الدولة، ويبدو
واضحاً أن ما تسجله الموازنة الروسية من نمو سنوي نسبته 7%، إنما
هو عائد لارتفاع سعر الطاقة في العالم وليس إلى حدوث تقدم في
الصناعة الروسية التي ما زالت على حالها من الاهتراء.
- كما
أن مظاهر القوَّة تتجلى في قدرة الدولة على جذب الاستثمارات
الخارجية، وإن ضعف موارد روسيا البشرية الذي يعبر عنه تناقص سكانها
بمعدل 750 ألفاً في العام، ويظهر في حجم انتشار الأمراض وحالات
الإدمان بين صفوفهم، إضافة إلى عدم تماسك بنيتها السكانية التي
تخترقها الجماعات الأقلوية المعادية من تركة العهد السوفيتي، وكل
ذلك أدى إلى تقليص حصة روسيا من الاستثمارات الدولية التي لم
تتجاوز في عام 2004 ال11.6بليون دولار من أصل 684بليوناً استثمرت
في العالم.
- ثم
إن السلطة الشديدة المركزية التي أقامها بوتين والتي يغلب عليها
الطابع البيروقراطي، قد أضعفت فعالية المؤسسات الديمقراطية الروسية
بدءاً من البرلمان، ومروراً بالمنظمات المدنية، ووصولاً إلى
الأحزاب السياسية، بما من شأنه إيقاف عجلة التقدم فيها.
-
وبشأن تحالفانها الإقليمية، فقد انحسرت هذه التحالفات في البلدان
الفقيرة والتي تعيش صراعات داخلية وحدودية، ثم أن ما تقيمه من
تحالفات دولية مستندة إلى موقعها في مجلس الأمن وامتلاكها لحق
النقض فيه، مهددة بالانهيار، كونها بنيت على أساس نزعة قومية
وإمبريالية تسود الأوساط الحاكمة الروسية.
وما
يمكن التعليق به على هذه النقاط هو أن روسيا في عهد الرئيس بوتين
قد تمكنت من استعادة هيبة الدولة، واستطاعت من خلال ذلك أن توقف
عملية النهب الواسعة التي تعرضت لها ثرواتها على يد بارونات المال
الجدد الذين أحاطوا بإدارة يلتسين وغالبيتهم من اليهود الصهاينة،
حيث أطيح بنفوذ تلك الطغمة اللصقراطية كما يصفها زيغانوف أمين عام
الحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية،ولم تستطع أمريكا أن تحمي أفراد
هذه الطغمة الذين فر معظمهم من الملاحقة القضائية، وعليه يمكن
التأكيد، بأن المتضرر من قيام السلطة المركزية القوية، ليس الشعب
الروسي ومنظماته المدنية وأحزابه السياسية، بل تلك الفئة التي
سيطرت على مقدرات البلاد في مرحلة الانهيار، فيما ترى الأحزاب
الوطنية بأن حكومة بوتين إنما تعمل على تنفيذ سياساتها وخاصة في
مجال إعادة بناء الدولة، مدركة أن الديمقراطية التي تتظاهر أمريكا
بدعمها في بلدها إنما ترمي إلى تدمير الدولة لإبقاء حالة الفوضى
التي تقود إلى تفكك وضعف روسيا الاتحادية وفق مخطط معلن.
والتناقض الذي يمكن ملاحظته فيما تطرحه الصحيفة، هو حديثها عن صفقة
ضخمة للدبابات الروسية الحديثة مع الهند، وعن صفقات مماثلة مع
الدولة الإيرانية تتعلق بأنظمة الصواريخ والمفاعلات النووية، وبعد
ذلك تأكيدها بأن ارتفاع سعر الطاقة هو المصدر الوحيد لتنامي دخل
روسيا القومي،ثم إغفال الصحيفة لدور توريد السلاح الروسي ضمن علاقة
من الندية مع البلدان المستوردة له في تدعيم علاقاتها الدولية، ذلك
أن روسيا على عكس ما تفعله أمريكا, لا تقوم بفرض سلاح مستهلك على
الحكومات التابعة، كخاوة تفرضها على تلك الحكومات مقابل ادعاء
حمايتها.
ولعل أكثر ما يقلق
واضعي المقال في الصحيفة الأمريكية، هو نجاح روسيا في تعطيل
العقوبات التي أرادت أمريكا فرضها على دول كإيران وكوريا
الشمالية،و نجاحها في إقامة تجمع آسيوي آخذ في الاتساع في مواجهة
مساهي الهيمنةالأمريكية على العالم، ثم ما برز من انقلابات
ديمقراطية داخل أوروبا على الحكومات التي انخرطت في مغامرة أمريكا
العسكرية ضد العراق، إضافة إلى بدء خروج اتحاد الدول الأوربية من
تحت مظلة السياسة الأمريكية في المنطقة العربية والإسلامية، والذي
يأتي متواكباً مع ما أحدثته حرب لبنان من قلب للموازين في هذه
المنطقة، والذي لم يتم بمعزل عن السلاح الروسي.
أما حديث الصحيفة عن
ضعف موارد روسيا البشرية، فهو يتعارض مع رؤية استراتيجيين بارزين
في أمريكا, فقد رأى نكسون على سبيل المثال، في الكتاب الذي ينظِّر
فيه للأمبراطورية الأمريكية المهيمنة على العالم, بأن روسيا بما
تملكه من قاعدة واسعة من خريجي المعاهد التقنية، هي القادرة لأن
تكون العقبة بوجه الحلم الأمريكي، وإنه بدون تفكيك الدولة الروسية
يبقى هذا الحلم مهدداً.
وخلاصة ما يمكن
ملاحظته في تعارض مما تطرحه الصحيفة الأمريكية، هو أن العالم ماضِ
نحو نظام دولي متعدد القطبية، ذلك أن ما لم يقم على أساس صلب، هو
الحلم الأمريكي بالسيطرة على مقدرات العالم، ولعل ما أنجزته سياسة
بوش الابن وعصابة المحافظين الجدد التي صممت تلك السياسة،قد سرَّعت
في الكشف عن مظاهر الضعف في مرتكزات القوة الأمريكية, بحيث بات
واضحاً للعيان، من أن العقد الأول للقرن الحادي والعشرين، قد سجَّل
بداية تداعي الحلم الامبريالي الأمريكي، وهو واقع لم تعد قادرة على
طمسه ادعاءات الرئيس الأمريكي البهلوانية بشأن نجاح سياساته والتي
غدت مثار سخرية في أوسع الأوساط الأمريكية.
|