|
المدافعون عن
ثقافة الغزو الأمريكية
غطاس أبو عيطة
أحد كتبة الأعمدة في صحافتنا اليومية، طلع
علينا مؤخراً بقاعدة فكرية مفادها: ((أن رفض العداء الثقافي
لأمريكا، هو معيار توسيع حدود الإمكان السياسي والثقافي في
مجتمعاتنا العربية)) ، وذلك في معرض هجومه على من يقيمون حاجزاً من
العداء بين شعوبنا وبين تلك الثقافة، التي تمثل في رأيه أعلى ما
وصلته البشرية في تحضرها، بما يحول دون تقدم هذه الشعوب وتجاوزها
لأوضاعها البائسة.
ومما يقوله صاحبنا في هذا الصدد : -
-
(( أن من يعادون
الثقافة الأمريكية باسم الوطنية في محيطنا العربي ، هم ممن يعمدون
إلى تحميل تلك الثقافة، وزر خطيئة أصلية (مزعومة) ارتكبها
المستوطنون الأوائل، إذ أقاموا في أرضٍ ليست لهم(كذا)، كما لو كان
المطلوب هو أن تترك تلك الفيافي التائهة عن العالم القديم على
حالها بعد اكتشافها)) (؟).
-
(( وإنه إذ يسخر
هؤلاء مما يعتبرونه جهل المجتمع الأمريكي وجهل رؤساء أمريكا بتاريخ
وجغرافيا العالم القديم، فإنهم إنما يستعيدون ذات المواقف الطفولية
التي عبرت عنها الأوساط اليمينية والرجعية الأوروبية في أواخر
القرن التاسع عشر تجاه الحضارة الأمريكية الصاعدة، حيث لم تشأ هذه
الأوساط أن تدرك في حينه ، بأن الحواجز الجغرافية التي أبعدت
أمريكا عن العالم القديم ، كانت السبب في ولادة حضارة فتية خلف تلك
الحواجز بعيداً عن الحضارة الشائخة في القارة الأوروبية وغيرها من
قارات العالم))(؟).
-
(( وإن ما يكشف
التناقض في نظرة وطنيينا المزعومين تجاه الثقافة الأمريكية ، هو
أنهم في الوقت الذي يتندرون فيه على جهل المجتمع الأمريكي وجهل
قادته السياسيين بأوضاع العالم الخارجي،فإنهم يملأون الدنيا
عويلاً، إزاء ما يعتبرونه تدخلاً فظاً من جانب الغطرسة الأمريكية ،
في شؤون الجماعات والأفراد داخل العالم الثالث ، وفي البلدان
العربية والإسلامية بصورة خاصة، ولا سيما تلك المحيطة
بإسرائيل))(؟).
ويخلص صاحبنا إلى
الاستنتاج، بأن من يعادون الثقافة الأمريكية في عالمنا العربي،
إنما يصدرون عن ثقافة بن لادنية، وذلك ما يفسر حسب نص مقالته ، ((
رهان قوى الممانعة ذات الخطاب السياسي المنتهي الصلاحية مع انتهاء
الحرب الباردة ، على حركات أصولية وجهادية وجدت نفسها تحوز على
أوسمة التحرر الوطني ولاهوت التحرير من جانب تلك القوى المناهضة
للعولمة))(؟).
وإذ نتوقف عند هذه
الرؤية التي باتت تحكم حسابات الملتحقين بالمشروع الأمريكي
الصهيوني في المنطقة ، بتوهمﱡ أنه المشروع المنتصر والمتسق مع حركة
التاريخ، فإننا نقول التالي:-
أولاً – إن قادة أمريكا المعاصرين، لم يقطعوا
صلتهم بالثقافة التي سوﱠغت لمستوطنيهم الأوائل بأن يبيدوا سكان
البلاد الأصليين، لا أن يتعايشوا معهم كما فعل بصورة عامة مستوطنو
أمريكا الجنوبية استناداً إلى ثقافة أخرى، ذلك أنهم – على لسان
رئيسٍ ووزيرة خارجية - قد أعلنوا في الأعوام الأخيرة،بأن سبباً
رئيسياً لوقوف بلدهم إلى جانب الدولة الصهيونية، هو أنها دولة
مهاجرين مستوطنين كما هو حال دولتهم في أمريكا ، ولذلك فهم يتفهمون
مسألة إبادة وطرد سكان البلاد الأصليين على يد الصهاينة، لأن
الحفاظ على وجود هؤلاء السكان جرياً على عواطف إنسانية مبتذلة، لا
يعني غير " إبقاء الفيافي التائهة الجديدة التي حل فيها المستوطنون
الجدد على حالها من التصحّر والحياة البرية، التي يتساوى فيها وجود
الإنسان مع وجود الوحوش " كما عبّر عن ذلك روزفلت في روايته
الأمريكية بشأن نشوء أمريكا، والتي لا تختلف عن الرواية الصهيونية
بشأن استعمار واغتصاب فلسطين.
ومع أننا لا نميّز
كثيراً بين استعمار واستعمار آخر، ونعتبر أن حركة الاستعمار
الأمريكية هي الوليد النغل لحركة الاستعمار الأوروبية الغربية،إلا
أننا لا نستطيع أن نفصل تلك الهمجية التي تفوق كل الحدود في
ضراوتها، والتي تنفذها أمريكا خدمة لمصالحها الاستعمارية ، عن تلك
الثقافة التي برّرت في حينه إبادة الملايين من سكان أمريكا
الشمالية الأصليين، ومن الأفارقة السود ، ونحن نستحضر هنا ، عملية
إبادة أكثر من مليوني عراقي على مذبح الأطماع الاستعمارية
الأمريكية، مثلما نستحضر اعتبار أمريكا لجرائم الصهاينة بحق شعب
فلسطين ، بأنه دفاع مشروع عن النفس ، ولا نريد العودة لما ارتكبه
الاستعمار الأمريكي من جرائم بالغة الوحشية في بلدان أمريكا
اللاتينية لأن القائمة ستطول على هذا الصعيد بما لا تحتمله هذه
المقاربة.
ثانياً – إن ما يعبّر عنه كاتبنا وتياره، من
إعجاب بثقافة الغازي الأمريكي(فيما هو يتقدم شأن أترابه نحو الجهر
بإعجابه بثقافة الغازي والغاصب الصهيوني)، لم يأت بدعاً في تاريخ
الشعوب التي تعرضت للغزو والاحتلال والاغتصاب ، والتي كان يبرز في
أوساطها ، من يشعر بصغاره أمام الغازي والمحتل والمغتصب ، معتبراً
أن انتصاره هو دليل ارتقاء ثقافته وحضارته. إذ نحن نعتقد على هذا
الصعيد،بأن القاعدة النظرية التي يشهرها صاحب المقال الذي نحن
بصدده ، بوجه من يتصدون للهجمة الأمريكية الصهيونية في عالمنا
العربي والإسلامي، هي تعبير عن تلبّس هذا الصغار، لأن في وعي
صاحبنا ، أن الانتصار الذي حققه حزب الله على القوات الغازية
الصهيونية ، هو انتصار مشكوك فيه، لأن الغلبة لا يمكن أن تكون إلا
لأصحاب الثقافة العصرية والعولمية، حتى لو تبين بأن ثقافة هؤلاء
العصريين والحداثيين، تستند إلى أكثر النظريات الكولونيالية عنصرية
ورجعية كتلك التي أعاد إنتاجها السيد هنتنجتون على هدي أستاذه
برنار لويس.
ثالثاً – وما يطرحه صاحبنا حول عبقرية الثقافة
الأمريكية،"التي تستطيع رغم ما نلصقه بها من مظاهر الجهل، أن تنفذ
إلى شؤون الجماعات والأفراد في بلدان العالم الثالث وفي البلدان
العربية والإسلامية"، لا يدلﱡ في رأينا على أية عبقرية. فمن يقرأ
التاريخ ،يستطيع أن يلاحظ بأن غزاة مغرقين في البدائية مثل المغول
، كانوا يعلمون بأن وسطاً من الشعوب المغزوّة، مستعدٌ لأن ينحاز
إلى صف الغازي والمحتل مذعناً لمنطق القوّة، وقد أشّر كاتبنا
المسرحي الراحل سعد الله ونوس، إلى ظاهرة المؤرخ العظيم ابن خلدون،
الذي خضع في حينه للغزوة المغولية التي اجتاحت دمشق وأغرقتها
بالدماء ، وكأنه كان يتنبأ من خلال عمله المسرحي ، بالموقف الذي
سيتخذه مثقفنا المهزوم ، الذي سيعلن ترحيبه بقوات الغزو الأمريكية
التي اجتاحت ودمرت العراق.
رابعاً – ولعل أخطر ما تعبر عنه رؤية صاحبنا
وتياره الفكري ، هو اندراجها في سياق تنظير هنتنجتون بشأن صراع
الحضارات والثقافات،ثم في سياق التطبيق العملي لذلك التنظير الذي
تبنته إدارة بوش الإبن ومحافظيها الجدد، التي اعتبرت أن العدو
الرئيسي للحضارة الغربية هو الإسلام والثقافة الإسلامية. وتبرز
الخطورة هنا ، في أن يقوم تيارٌ فكريٌ وسياسي عربي بالدفاع عن
ثقافة عنصرية استعمارية أمريكية وصهيونية، وأن تترك صحيفة عربية
وطنية، المجال واسعاً لهذا التيار لكي يعبر عن نفسه باسم حرية
الرأي وباسم الديمقراطية، وذلك في الوقت الذي تسيل فيه أنهارٌ من
الدماء العربية تحت غطاء دعاوي مكافحة الإرهاب الأمريكية
والصهيونية والغربية . وفي الوقت الذي تسعى فيه أمريكا، إلى شق
الصف العربي ، بين من ينحازون للحضارة وللثقافة الغربية الأمريكية
والصهيونية، ومن ينحازون لإرادة شعوبهم، في رفض السيطرة والهيمنة
الاستعمارية باعتبارهم يرفضون الثقافة التي تعبر عن روح العصر.
خامساً – ونود أن نقول هنا ، بأن رموز هذا
التيار الفكري والسياسي الذي يعبر عنه صاحبنا، إذ يدﱠعون بأنهم
يدافعون عن الثقافة الأمريكية ، فإننا نرى بأنهم لا يدافعون إلا عن
التيار المهيمن في هذه الثقافة ، والذي أمكنه عبر الملاحقات
والمحاكمات التي تنتسب لمحاكم التفتيش التي أفرزتها الحضارة
الغربية ، أن يُخرس الأصوات الإنسانية والأخلاقية التي عرفتها
ثقافة أمريكا ، والتي عبرت عن عدائها للنزعات العنصرية، ذلك أننا
ندرك بأن نضال الشعوب التحرري ، يشكل سنداً للأصوات الإنسانية
والأخلاقية التي تتصدى للتيار المهيمن في الدول وفي المجتمعات
الاستعمارية ، فيما يخدم أعداء هذا النضال والجهاد، التيار العنصري
في تلك الدول والمجتمعات، ممن يستقبلون بحفاوة زائدة رسل هذا
التيار إلى المنطقة العربية والإسلامية.
في الختام نقول ،
بأننا من دون أي تردد، نعلن وقوفنا إلى جانب من يتصدون لحملة
الإخضاع والاستعباد الأمريكية الصهيونية، ولا يعني ذلك ، أننا لا
ندعو إلى تجاوز الثغرات في جبهة القوى المتصدية لتلك الحملة
العنصرية الإجرامية ، ذلك أن ما ندعو له ، هو بلورة مشروع قومي
عربي تحرري ونهضوي ينتظم مجموع القوى المناهضة للسيطرة
الاستعمارية، كوننا نرى ، بأن هذه القوى لم تنجز بعد مشروعها
القومي التحرري حتى على المستوى النظري، فيما تتقدم الإمبريالية
الأمريكية، إلى إنجاز وبلورة جبهة من قوى الاعتدال ، أي القوى
المستعدة للانخراط في مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تقوده
القاعدة الامبريالية الصهيونية.
|