بشأن التعارضات الجانبية،والتناقض الرئيسي في المنطقة

                                                               

                                                                                     غطاس أبو عيطة

 

لإنجاز مشروعه الاستعماري المطروح لإعادة رسم خريطة المنطقة ،يراهن الحلف الاستعماري على التعارضات الجانبية القائمة بين دول المنطقة ،وتلك التي لم يجرِ حلها وسط مكوناتها المجتمعية،ساعياً إلى إذكاء هذه التعارضات للوصول إلى تفكيك المنطقة وخاصة العربية وإعادة تركيبها،بحيث يقوم نظام إقليمي جديد فيها تقوده القاعدة الصهيونية،كإمبريالية فرعية في إطار نظام دولي جديد تقوده الإمبراطورية الأمريكية.

ومن يقفون بوجه هذا المشروع ،يسعون إلى محاصرة التعارضات البينية والداخلية وإخضاعها للتعارض الرئيسي القائم مع المشروع المذكور،لذلك نلمس حرص هؤلاء على الوحدة الوطنية داخل بلدانهم ومجتمعاتهم على أساس مواجهة هذا المشروع،وحرصهم على التضامن العربي بمعزل عن الإملاءات الأمريكية،وبعدهم بالتالي عن تسعير القضايا موضوع الخلاف مع دول الجوار الإقليمي،فيما يلاحظ بالمقابل ،بأن النظم والقوى التي أعلنت الالتحاق بالمشروع الاستعماري لحسابات ضيقة وآنية ،باتت طوع قوى الحلف الاستعماري في إثارتها لكل ما يضعف تماسك مكونات المنطقة.

وما يبدو واضحاً في المرحلة الراهنة،هو أن التعارض الأساسي الذي يعمل الحلف الاستعماري على تأجيجه،هو ذلك القائم مع الدولة الإيرانية،بحيث بات الأمر اليومي لرسل الإدارة الأمريكية القادمين إلى البلاد العربية ،هو تلقين نظمها ومن ثم شعوبها ،فكرة العداء لإيران باعتبارها تشكل الخطر الداهم الذي يتهدد استقلال واستقرار تلك البلدان،وعلى ذات الموجة،يأتي خطاب الصهاينة الذي  عبرت عنه وزيرة خارجية الكيان في المؤتمر المنعقد في عاصمة عربية،بدعوتها إلى التحالف "العربي- الإسرائيلي"بوجه التهديدات الإيرانية التي تطال الجانبين(؟).

وقد نذكِّر هنا من اختلطت عليهم الرؤية،بأن المشروع الاستعماري المطروح للمنطقة العربية منذ انطلاق الحركة الاستعمارية وبدء غزوها لبلدانها هو صهينة المنطقة، وذلك قبل أن تعقد الحركة الصهيونية كحركة استعمارية غربية مؤتمرها الأول في بال،وخطتها لذلك،تقوم على تمزيق الوطن العربي إلى كيانات أقلوية يشكل الكيان اليهودي نموذجاً لها .موضحين في هذا المجال ،أنه لم توجد منطقة في العالم لم تخترقها التعارضات البينية والداخلية،وأنه مذ حلت الأمم الأوروبية على سبيل المثال مسألتها القومية وأدمجت مكوناتها الاجتماعية،انخرطت في صراعات مع دول الجوار حماية لمصالحها القومية ولتعظيم نفوذها الإقليمي والاستعماري ،لكنها مع انهيار نمط الاستعمار الكولنيالي وقيام النمط الامبريالي عقب الحرب العالمية الثانية،استقرت هذه الدول- الأمم،على مبدأ التعاون والتكامل على طريق الوحدة،وذلك مالم تبلغه منطقتنا الإقليمية بفعل التجزئة الاستعمارية التي فرضت على الوطن العربي ،وتحت ضغط القوى الاستعمارية والدور الوظيفي للكيان العنصري الذي زرع في قلب هذا الوطن،وذلك ما يجب أن تدركه قوى التحرر العربية وهي تدير صراعاتها وإشكالياتها،مقدمة تناقضها مع المشروع الاستعماري على مجموع التعارضات البينية والداخلية. ً

ونشير هنا ارتباطاُ مع ما مر ذكره،هو أن الأمة الإيرانية ،قد مضت على طريق تصليب مشروعها القومي بعد التخلص من السيطرة الاستعمارية عبر ثورة الخميني ذات الخطاب الإسلامي،وأن ما يريد الحلف الاستعماري تثبيته في وعينا العربي،هو أن هذا المشروع ،يشكل النقيض التاريخي للمشروع القومي التحرري للشعوب العربية وليس المشروع الاستعماري- الصهيوني،وقد نرى أنه إذا ما تقدمت تركيا على طريق الاستقلال عن السياسة الغربية في المنطقة،سوف يجري اعتبارها من جانب القوى الاستعمارية،عدواً رئيسياً للدول وللشعوب العربية،ليتم إقناعها بالتحالف مع الكيان الصهيوني ضد هذا العدو الجديد،لتكون مرتهنة إلى وهم الحماية الاستعمارية والصهيونية.

وإذ نسوق هذا العرض التوضيحي والتحليلي،فإننا نفعل ذلك لكي نرد على مقال الأخ حسن خليل غريب المنشور في المجد الأردنية،والذي نحترم هواجسه دون الاتفاق مع ما يطرحه،حين يذهب إلى القول إزاء ما يشهده العراق من صراع في ظل الاحتلال الأمريكي((بأن الخلاف الدائر على العراق(والمنطقة العربية)،بين إدارة بوش وإدارة النظام الإيراني ،هو أشبه بالخلاف بين قادة القراصنة على توزيع حمولة السفينة التي غنموها،وأن ما يمنع وصولهم إلى الاتفاق ،هو أن كلاً منهم يريد الاحتفاظ بالسفينة لنفسه،لكي يستأثر بالغنائم المحملة عليها والتي يسيل لها لعاب العالم)).

وما نريد قوله بالنسبة لإيران ،مستعيرين عبارة لينين بشأن الطبقة العاملة لدى وصولها إلى السلطة وإقامتها لنظامها الاشتراكي،بأن هذه الطبقة لا تتحوَّل إلى قديسة لمجرد رفعها للمبادئ الاشتراكية،قائلين بأن إيران لم تتحوَّل إلى قديسة مع إعلان أن نظامها يستند إلى المبادئ والقيم الإسلامية السامية،كونها تبقى محكومة لمنطق الدولة التي يهمها الدفاع عن مصالحها الدولتية والقومية،وهي تعمل لذلك على تعظيم نفوذها في محيطها الإقليمي،وعلى تعزيز مكانتها الدولية،ومن هنا يبرز تعارضها الجانبي مع المحيط العربي في لعبة الصراعات الدائرة في المنطقة التي تستقطب اهتمام العالم.لكن إيران ووسط الصراع الدائر في المنطقة،تظهر اهتماماً واضحاً بقيام نظام أمني إقليمي يقطع الطريق على التدخلات الاستعمارية والصهيونية التي تقودها أمريكا،ومن هذا المنطلق ،يأتي دعمها لقوى المقاومة العربية ووقوفها المعلن إلى جانبها،ويأتي تحالفها الاستراتيجي مع سورية دون أن تتوقف عن سعيها لإقامة علاقات حسن جوار مع الدول العربية الأخرى.

ونلاحظ فيما يطرحه صديقنا في مقاله المذكور ،بأن ما يأخذه على إيران بشأن حوارها حول مستقبل العراق ،وبشان سياستها التي تبدو ملتبسة إزاءَه،يأخذه كذلك على سورية،التي شاركت إلى جانب إيران والنظم العربية التابعة،في المؤتمرات الدولية والإقليمية التي انعقدت بطلب أمريكي وبدافع إخراج أمريكا من مأزقها الذي نجم عن انطلاق المقاومة العراقية،لكي يفهمنا من ذلك،بأن عدم رضوخ إيران الكامل للمطالب الأمنية والسياسية الأمريكية،إنما يأتي في باب الخلاف بين الجانبين على تقسيم الغنيمة العراقية وبالتالي العربية،ليكون الأمر،وكأن دافع سورية للدخول في حوار مع أمريكا حول العراق وللمشاركة في المؤتمرات المذكورة،هو سعيها للتخفيف من العداء الأمريكي تجاهها كما تشيع الأبواق المشبوهة التي تكن العداء لمركز الصمود العربي.ورأينا هنا بأن أمريكا ما كانت لتتطلع إلى محاورة إيران وسورية لولا اضطرارها إلى ذلك ،وهو الأمر الذي خلصت له لجنة بيكر- هملتون  ،وإذ تدخل الدولتين المذكورتين في هذا الحوار،فإنها لا تغفل دوافع أمريكا من ذلك،مدركة ما يمثله استمرار الوجود العسكري والأمني الأمريكي في العراق من خطر على مستقبلها.

وقد رأينا مؤخراً ،كيف احتدم الصدام بين أمريكا وبين مجموع الدول والقوى المناهضة للمشروع الأمريكي لدى طرح المعاهدة الأمريكية- العراقية التي تؤبد السيطرة الأمريكية على هذا البلد ذي الأهمية المركزية في المنطقة،حيث اعتبر أحد قادة إيران(أحمد خاتمي)،بأن من يوافق على هذه المعاهدة،هو خائن لوطنه ولأمته ولدينه.فيما حذَّر السيد حسن نصر الله وفي أعنف لهجة، من مغبة تأييد هذه المعاهدة، مبيناً لمن ضل الطريق من القوى السياسية العراقية،بأن ما استهدفه الاحتلال الأمريكي عبر اللعبة الديمقراطية التي أدارها في العراق،هو اجتذاب من يوقع على مثل هذه المعاهدة،ليؤكد على أنه قد آن الأوان،لأن تغادر مجموع القوى العراقية أوهامها بشأن النوايا الأمريكية،وأن تدرك على أن طريق المقاومة المسلحة،هو وحده القادر على انتزاع حرية العراق واستقلاله وليس الركون للألاعيب السياسية التي تنظمها أمريكا ،ومثل هذا الموقف تتبناه سورية،وهي التي لم ترضخ للضغوط والتهديدات التي شاركت فيها نظمٌ عربية ،بشأن دعمها للمقاومة اللبنانية،ووقوفها الحازم إلى جانب قوى المقاومة الفلسطينية.

وإذ نمضي على طريق تصويب نظرة صديقنا الكاتب تجاه إيران،فإننا نقول مع هيكل ومع غيره من المفكرين والمناضلين العرب المتمسكين بمشروع الأمة القومي التحرري،بأن الدول العربية وهي ما هي عليه من الضعف،يمكنها أن تتحوَّل إلى قوة إقليمية إذا ما التقت على أرضية هذا المشروع القومي الذي يحمي مصالح نظمها ويصون مستقبل شعوبها،بما يوقف قلقها إزاء تنامي القوَّة الإيرانية،كما نقول على ذات الصعيد،بأن الانسياق وراء الدعوات المشبوهة للعداء مع إيران،من شأنه أن يفرز إضافة لأضرار هذا العداء،انقساماً مذهبياً في المنطقة العربية يكون مدخلاً لمجموع الانقسامات والنزاعات الفئوية الأخرى التي يخطط ويعمل على إطلاقها الحلف الاستعماري.

وبشأن ما يدعو له الكاتب بأن تواجه المقاومة العراقية خصومها الداخليين والإقليميين بمثل ما تواجه به القوات الغازية الأمريكية،فإننا نرى بأن التركيز على العدو الرئيسي من جانب المقاومة هو الذي يقصِّر طريق انتصارها على هذا العدو،وهو الذي يساعد على توسيع قواعدها على ساحتها الوطنية،والأمر رهن هنا بما تنجزه هذه المقاومة من انتصارات ضد هذا العدو الذي توهمت أطراف خانعة بأنه لا يقهر.ولعل ما نسوقه في هذا المجال ،لا يخرج عن كونه رؤية عامة لا تدخلُ في تعقيدات الوضع الذي نشأ على الساحة العراقية نتيجة الغزو والاحتلال،وأن من يستطيع فهم هذه التعقيدات هو قيادة المقاومة وحدها،ونعني بذلك المقاومة الوطنية التي يهمها عدم انحراف المواجهة مع المحتل نحو الزواريب الطائفية والمذهبية والقبلية والجهوية التي تمكن الغزاة المحتلين من تأبيد سيطرتهم على هذا البلد العربي.

ونقول في الختام،بأن التعارضات الجانبية قائمة وفاعلة في المنطقة،وأنه لا يمكن معالجتها دائماً بالمواعظ السياسية والأخلاقية التي قد لا تمنع وحدها وجود الفتنة.غير أن المصلحة تقتضي من جانب القوى المعنية بهزيمة المشروع الاستعماري،بألا تزج طاقاتها فيما تطلقه تلك التعارضات من تحديات ،وأن تعمل جهدها على تحشيد طاقات الأمة فيما يخدم هدفها التاريخي ممثلاً في دحر القوى الاستعمارية وفي هزيمة مشروعها الرامي إلى صهينة المنطقة.

 

 

 

 

 
رجـوع