| |
الكيان
الصهيوني أمام تحدي المقاومة
غطاس أبو عيطة
فيما ذهبت الدراسات الصهيونية التي صدرت
مؤخراً عن ((مركز دراسات الأمن القومي للكيان)), إلى أن كيانهم"بات
يواجه تحدياً وجودياً غير مسبوق بسبب ترسُّخ فكرة المقاومة في
أوساط الشعوب العربية والإسلامية.. ونتيجة تحوُّل نُظُم وقوى
الاعتدال العربية التي قبلت بمبدأ التسوية للصراع العربي- الصهيوني
إلى موقع الدفاع عن نهجها إزاء تلك الفكرة.. ومن ثم عجز الكيان عن
تحقيق حسم عسكري وسياسي في حروبه ضد حركات المقاومة بعكس ما كان
عليه الوضع في الحروب التي خاضها الكيان مع الدول العربية", فإن
باحثاً استراتيجياً من داخل الكيان يدعى غبراييل تسيبوني, أراد أن
يهوِّن من شأن التحدّي الذي تمثله المقاومة على مستقبل كيانه,
مدعياً أن ما يواجهه هذا الكيان من الأخطار الراهنة بسبب فعل
المقاومة, لا يختلف عن تلك التي كان يواجهها على امتداد العقود
السابقة من عمر الكيان, ذلك أن فكرة الحسم العسكري ومن ثم السياسي
التي يتم تداولها الآن في أوساط قادة ومفكري الكيان لم تكن واردة
في الاستراتيجية التي جرى اعتمادها منذ نشأة الدولة الصهيونية, حين
رأى بن غوريون, بأن العرب لن يسلِّموا يوماً بوجود"إسرائيل" على
أرضهم وفي محيطهم, وأنهم سوف يحاولون المرة تلو الأخرى القضاء على
هذا الوجود, وأن المطروح إزاء ذلك, هو أن تظل" إسرائيل" مستعدة
دائماً لمجابهة محاولاتهم واستعداداتهم من أجل إلحاق ضربة قاسية
بهم ليس من أجل تحقيق حسمٍ نهائي من خلال ذلك, بل لكسب أطول فترة
من الاستقرار الأمني للدولة الصهيونية. ومن هذا المنطلق, يخلص
الباحث المذكور إلى القول, بأن كيانه قد حقق الهدف من عدوانه على
حركات المقاومة في لبنان وفي قطاع غزة, إذ أنه فرض على " الخصم"
كما كان يفعل في الحروب السابقة, بأن ينشغل فترة من الزمن وهو يعمل
على ترميم قدراته وذلك قبل أن يفكر بمنازلة جديدة, ومن هذا المنطلق
أيضاً, أتى رده على توصية لجنة فينوغراد الموجه إلى قادة الكيان,
بألا يخرجوا لأية حرب في المستقبل مع المحيط العربي والإسلامي إذا
لم يكونوا على ثقة تامة بأنهم سيحققون النصر الكامل في هذه الحرب,
لأن عدم الحسم, من شأنه أن يلحق أفدح الضرر بهيبة جيشهم وكيانهم
بما يجرئ الأعداء على مواصلة محاولاتهم للمس بأمن الكيان.
وإذ نناقش ما يذهب له هذا الباحث في سعيه
للتهوين من تحدي المقاومة على مستقبل كيانه فإننا نقول التالي:-
أولاً- إن ما بات يواجهه المشروع
الاستعماري في المنطقة بامتداده العضوي ممثلاً في الكيان الصهيوني
الغاصب, هو حركة الشعوب في هذه المنطقة التي تمكَّنت في مناطق أخرى
من العالم بأن تدحر الغزاة والمستعمرين, وذلك بعد أن أمكن لقوى
المقاومة في منطقتنا التي تجسِّد إرادة الشعوب التي لا تقهر, أن
تنتزع مواقع انطلاق وتطورٍ لها في الحلقات الضعيفة في إطار نظام
التجزئة الذي فرضه المستعمر على المحيط العربي, والذي برز عجزه(هذا
النظام) عن مجابهة المشروع الاستعماري, حيث أثبتت هذه القوى
وبالملموس, بأنها الأقدر على مواجهة آلة الحرب الاستعمارية البالغة
التطور"كون بنيتها الشبكيَّة المرنة السرية وشبه السرية- كما تشير
إحدى الدراسات الصهيونية الصادرة عما يسمى بمركز دراسات الأمن
القومي- بمقدورها أن تحرم تلك الآلة من تحقيق الحسم المطلوب
العسكري والسياسي, وأن تعيد ترميم قواها بسرعة كبيرة", وما يعنيه
ذلك, هو أن ما باتت تواجهه قوى الاستعمار وامتدادها العضوي من تحدً
استراتيجي وجودي, يختلف جذرياً عما واجهته في حروبها مع الدول
العربية وجيوشها النظامية, التي كانت وكما تقول تلك الدراسة,
يتزعزع وعيها وتنهار سريعاً عندما توجَّه الضربات القاصمة لمراكزها
الحيوية استناداً إلى قوة النيران التي تطلق أساساً من سلاح الجو,
سيما وأن الدول الداعمة لنهج المقاومة في سورية وإيران, أخذت تتجه
نحو إنشاء وحدات عسكرية تعمل وفق أساليب المقاومة في المواجهات
العسكرية, إضافة إلى تعزيز قدرات جيوشها النظامية.
ثانيا- وما يحاول هذا المنظِّر الاستراتيجي
الصهيوني القفز عنه عن طريق المكابرة, هو" أن فكرة المقاومة- كما
تشير دراسات أقرانه الصادرة عن المركز المذكور- لا تستمد خطورتها
على مستقبل المشروع الاستعماري والكيان, من الإنجازات التي تنسب
لحركات المقاومة في المجال العسكري والسياسي, بل في الشحنة
الثقافية المجسَّدة في تلك الفكرة, والتي باتت تمثل الطموح لتأسيس
منظومة قيم بديلة في المحيط العربي والإسلامي, خاصة وأن فكرة وقوى
المقاومة, قد حددت في العقدين الأخيرين قسماً كبيراً من التطورات
المركزية الإستراتيجية في الشرق الأوسط". وغني عن القول, بأن هذه
الرؤية لتحدي المقاومة, هي الأكثر تعبيراً عن حقيقة المازق
التاريخي الذي يواجهه الكيان, بعد أن عجز عن سحق حركات المقاومة في
فلسطين ولبنان, والذي تواجهه الإمبريالية الأمريكية وحلفها
الاستعماري الغربي, وهي تقر بعجزها عن مواصلة خوض حروب تستنزف
قدراتها العسكرية وثرواتها في مواجهة مقاومة الشعبين العراقي
والأفغاني.
ثالثاً- كما أن ما يسقطه هذا المنظِّر
الاستراتيجي الصهيوني فيما يعرضه بشأن نظرية بن غوريون الدفاعية,
هو ما ذهب له الأخير, من أنه غير مسموحٍ "لإسرائيل" أن تخسر أية
حرب من حروبها مع المحيط العربي, لأن ذلك سوف يضعها على سكة
الانهيار. ومن الواضح هنا, بأن لجنة فينوغراد قد انطلقت من هذه
الرؤية عندما حذرت قادة الكيان من مغبة الخروج لأية حرب لا يتحقق
فيها الحسم الكامل من جانب الصهاينة, كما هو واضحٌ أيضاً, لماذا لم
يعمد هؤلاء القادة, إلى تشكيل لجنة تحقيق أخرى تبحث في أسباب عجزهم
عن تحقيق الحسم العسكري والسياسي في حربهم ضد قطاع غزة, متوجهين
بدلاً من ذلك,إلى إجراء دراسات أكثر عمقاً يقوم بها مركزهم للأمن
القومي, بحثاً عن إستراتيجية جديدة يعتمدها الكيان في مواجهة
التحدي الذي تمثله فكرة المقاومة في المنطقة, وليس فقط حركات
المقاومة التي رسخت بانتصاراتها تلك الفكرة وسط شعوب المنطقة.
رابعاً- وإنه إذ تخلص الدراسات الصهيونية
عن تحدي المقاومة التي صدرت تباعاً في (( نشرة الجيش والاستراتيجيا)),
إلى أنه من دون اجتثاث ثقافة المقاومة من وعي الشعوب العربية
والإسلامية, فإن كل الضربات العسكرية التي توجَّه لحركات المقاومة
ستظل عاجزة عن إزالة الخطر الوجودي الذي تمثله المقاومة على مستقبل
الكيان,فإن السؤال الذي يمكن طرحه إزاء هذا الاستخلاص, هو أنه إذا
كانت آلة الحرب المتطورة الإمبريالية والصهيونية, قد غدت عاجزة عن
تقويض بُنى المقاومة, وإذا كانت هذه البنى متجهة نحو مراكمة المزيد
من عوامل القوَّة في خضم المعارك التي تخوضها عليها في مسار الصراع
الوجودي,فكيف سيكون بمقدور الحصار الإعلامي الذي تدعو تلك الدراسات
لضربه من حول مراكز انتشار تلك الثقافة, أن يؤدي إلى إخمادها في
الزمن الذي دخل فيه العالم ثورة الاتصالات, وفي ظروف تنامي وهج
المقاومة انطلاقاً مما هي قادرة على إضافته من انتصارات في معمعان
المواجهة؟.
وإن ما نريد التأكيد عليه في هذا الصدد
انطلاقاً مما ذكره أحد قادة المقاومة الفلسطينية, هو أن(( نظم وقوى
الاعتدال)) على الساحة العربية, التي طالما ناصبت حركات وثقافة
المقاومة العداء السافر, لم تنتقل فقط إلى موقع الدفاع عن نهجها
الذي يبرِّر استسلامها أمام المشروع الاستعماري, بل إنها باتت
بصورة ملحوظة, على استعداد لأن تصغي لمنطق المقاومة (عدا نظام
مبارك), في حين بات البعض من داخل معسكرها يعيد النظر في منطلقاته,
ومثل هذا التحوُّل آخذٌ في البروز على مستوى المنطقة العربية, وليس
فقط على ساحة لبنان التي شهدت تغيُّرات دراماتيكية فيما يتعلق
بالموقف من فكرة ومن حركات المقاومة.
وما نود العودة له في الختام, هو تلك
المقولة التي طرحها الدكتور غسان سلامة ذات يوم في معرض تصدِّيه
لثقافة الهزيمة التي تعمل الأقلام والأصوات المحبطة أو المأجورة
على تعميمها في محيطنا العربي, والتي ترى , بأن من يريد أن يعي
أبعاد المأزق التاريخي الذي بات يعيشه الكيان بفعل التحولات
الإقليمية والدولية, عليه أن يتابع ما تنشره مراكز إعلام العدو
الصهيوني بشأن هذا المأزق, والذي يحاول المنظِّر الصهيوني الذي نحن
بصدده الخروج منه عبر منطقه المتهافت الذي لا يختلف عن منطق دعاة
الاستسلام على ساحتنا العربية,التي تواصل التشكيك بمراكز وقوى
الصمود والمقاومة في المنطقة.
|
|