دعوة جديدة للهروب من المواجهة

(رداً على وثيقة سياسية لمثقفين فلسطينيين)

                                                                                      غطاس أبو عيطة

تحت عنوان ((مشروع رؤية سياسية فلسطينية جديدة )) ،يطرح عدد من المثقفين الفلسطينيين ،قضية إعادة تشكيل الحركة الوطنية الفلسطينية على أرضية هدف سياسي جديد يتمثل في حل "الدولة الواحدة"(الفلسطينية- الإسرائيلية)،وذلك مع ترهُّل الحركة الوطنية القائمة لدى مرور أربعة عقود على وجودها كما تقول الوثيقة المطروحة،وبعد فشل الهدف الذي تبنته هذه الحركة والذي يقوم على أساس حل الدولتين.

وفي الوثيقة - المشروع السياسي الجديد التي جرى نشرها في أكثر من صحيفة عربية مذيلة بتوقيع واضعيها ومؤيديها،يتم عرض المسألة على النحو التالي:-

-     إن الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة،ممثلة في منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية وبرغم ما حققته من إنجازات عبر تضحيات جسيمة قدمها الشعب الفلسطيني،سواء لجهة استنهاض هوية وطنية فلسطينية،أو كشف طابع إسرائيل كمشروع استعماري عنصري،إلا أنها فشلت وبحكم تعقد الظروف الذاتية والموضوعية،في تحقيق الهدف السياسي الذي تبنته منذ 34 عاماً وهو حل الدولتين،وهي تبدو الآن بسبب ترهُّل وتآكل دورها ،عاجزة عن صون المنجزات التي تحققت في السابق بما ينذر بتبديد التضحيات الفلسطينية.

-     ومع تضاؤل قدرة هذه الحركة على مواصلة الصراع مع إسرائيل، فقد باتت مرتهنة لعملية تسوية فقدت معناها بسبب رفض صيغة التسوية المطروحة من جانب إسرائيل، ولعدم توفُّر معطيات دولية وعربية تساعد على فرضها.

-     وإن حال الضياع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني(جراء ما ذكر آنفاً)،والتعقيدات التي استجدت على الوضع الإقليمي والدولي،بات يفرض صياغة هدف جديد لنضال الشعب الفلسطيني يأخذ في الاعتبار مصلحة هذا الشعب بكل تجمعاته(داخل فلسطين وخارجها)،ولا يقيم محرقة لهذا الشعب وراء شعارات عاطفية حول تحرير الأرض التي يجري اعتبارها أهم من الإنسان.

-     ويتمثل هذا الهدف ،بطرح حلٍ للقضية الفلسطينية يقوم على قاعدة تسوية الصراع في بعده الفلسطيني والإسرائيلي،وذلك بدل الحل الذي يقوم على قاعدة صراع الإفناء والإلغاء بين الشعبين،بحيث يغدو صراعاً من أجل التعايش المشترك للشعبين على أسس ديمقراطية وعلمانية وإنسانية تنفي الطابع العنصري والاحتلالي والهيمني لطرفٍ على الطرف الآخر.

-     وهذا الحل ،يكفل تذويب مختلف الجوانب الرمزية والحادة في الصراع في بعده الفلسطيني- الإسرائيلي الذي يشكل محور الصراع العربي – الإسرائيلي،فهو يحل مسألة المستوطنات في الضفة والقطاع،ومسألة القدس ،وقضية عودة اللاجئين الفلسطينيين،وقضية الوجود الفلسطيني في مناطق ال 48،كما أنه ينهي طابع إسرائيل الديني والعنصري والعدواني،ويلغي وظيفتها في خدمة المشاريع الاستعمارية،بل إنه يفتح الآفاق أمام تطور المنطقة العربية(وخاصة في المشرق العربي) على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي،مع إمكان توحُّد كياناتها السياسية.

-     وهذا الحل الوطني والإنساني والديمقراطي للصراع،يفترض إدخال تغييرات على بنية الحركة الوطنية الفلسطينية،فهذا النضال المعقد والطويل ،يحتاج إلى جهد الجميع،وأن يشمل الشعب الفلسطيني بكل تجمعاته،وهو يفرض إتباع أساليب نضال تثيرا لنقاش والتناقضات داخل المجتمع الإسرائيلي ،وتكسب التعاطف على الصعيد الدولي.وهذه الرؤية ،تتوخى إعادة الاعتبار لمفهوم المقاومة الشعبية بجميع أشكالها ومستوياتها التي أرست أسسها الانتفاضة الكبرى الأولى(انتفاضة عان 1987)،ولمختلف مظاهر النضال المدني الديمقراطي لشعبنا في مناطق 48 ضد العنصرية ومن أجل الدفاع عن حقوقه الفردية وكجماعة قومية.

-     وإن إعادة الاعتبار لمبدأ المقاومة الشعبية،لا ينتقص من أهمية المقاومة المسلحة المنظمة والموجَّهة ضد مظاهر الاحتلال الاستيطانية والعسكرية في الأراضي المحتلة عام 1967،والتي تتوافق مع معطيات الشرعية العربية والدولية،وتفسح المجال،أمام تصاعد النقاش الداخلي في المجتمع الإسرائيلي بشأن جدوى استمرار الاحتلال والاستيطان.

وإذ نتصدى للرد على الرؤية التي تعبر عنها الوثيقة- المشروع السياسي الجديد،فإننا نطرح التالي: 

أولاً- إن خطورة هذه الوثيقة ،لا تتأتى من كونها تعبر عن رؤية نفر من المثقفين الفلسطينيين الذين وقَّعوها،بل لكونها تعبر عن رؤية تيار قائم وسط نخب وقوى فكرية وسياسية على الساحتين الفلسطينية والعربية،وهو التيار الذي يدعو للتسليم بالهزيمة أمام المشروع الاستعماري الغربي- الصهيوني الذي يستهدف تفكيك المنطقة العربية وإعادة تركيبها.والملفت في الأمر ،هو أن تتولى نخب يسارية الترويج لهذه الرؤية التي أذعنت لها غالبية النظم العربية مدفوعة بحساباتها الآنية قصيرة النظر.ونشير هنا إلى أن حزب الشعب الفلسطيني، هو من بادر إلى تبني هذا الطرح في وثائقه الرسمية. فيما أشاعت قوى يسارية أخرى،الأوهام حول نضال مشترك مع قوى السلام الإسرائيلية.

ثانياً- إن مثل هذه الرؤية الانهزامية أمام الغزاة والمستعمرين،لم تبرز فقط في الوضع الفلسطيني والعربي،بل وجد ما يشابهها في أوساط الشعوب التي واجهت تحديات مماثلة.ففي الجزائر التي واجهت استعماراً استيطانياً،ظهر من طرح حلاً للاحتلال والاستعمار،يقوم على فكرة ((أمة في طور التكوين)) تتشكل من المستوطنين وسكان البلاد الأصليين،لكن شعب الجزائر عبر ثوراته المتعاقبة،كنس هذه الأصوات المهزومة التي تسلم بالوقائع التي فرضها الاستعمار،وأنجز استقلاله التام الذي أدى إلى رحيل المستوطنين عبر ثورة عام 1954 المظفَّرة.

ثالثاً- إن ما أوصل الثورة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بقيادة م.ت.ف إلى الفشل في تحقيق هدفها المرحلي بإنشاء دولة مستقلة،تشكل مدخلاً لإنجاز الهدف النهائي بإلحاق الهزيمة التامة بالمشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة،هو فكر التسوية الذي اعتمدته قيادة الثورة،والذي أفضى إلى إضعاف بنية الثورة عبر أشكال الفساد والاستزلام.وبرز ذلك في المواجهة العسكرية التي جرت على أرض لبنان عام 1982،والتي نَظَرت لها تلك القيادة كحرب تحريك للتسوية متخلية عن هدف وعن إرادة التحرير.وكانت هذه القيادة قد أظهرت موافقتها على حل الإدارة الذاتية كما طرحته اتفاقات كامب ديفيد،ووافقت بعد ذلك على مبادرة ريغان التي تنص على تصفية قضية فلسطين عبر البوابة الأردنية إثر هزيمة عام 1982،وتخلت عن الميثاق الوطني الفلسطيني لتكون مقبولة في عملية التصفية،ومن هنا يمكن القول بأن الذي أفشل الهدف المرحلي الفلسطيني بأفق الهدف النهائي الاستراتيجي،هو ليس اعتماد أسلوب المقاومة المسلحة،بل عدم الجدية في اعتماد هذا الأسلوب الذي حقق غايته التحررية لدى حركات التحرر في العالم.

رابعاً- إن ما يطرحه مصدرو الوثيقة حول النضال المشترك"الفلسطيني- الإسرائيلي"من أجل الوصول إلى هدف الدولة الواحدة"للشعبين"بمعزل عن الإيديولوجيا العنصرية الصهيونية،وعن الوظيفة العدوانية للقاعدة الصهيونية التي تجعل هذه القاعدة شريكاً في استعمار المنطقة وفي نهب ثرواتها واستعباد شعوبها،يلتقي مع الخداع الذي يطرحه الصهاينة حول نضال مشترك ضد المتطرفين من الجانبين،وقد رأينا صورة الحل الذي يطرحه"المعتدلون"الصهاينة عبر وثيقة جنيف بمشاركة المعتدلين الفلسطينيين،والتي تشطب حق عودة اللاجئين ،كمدخل لشطب مجمل الحقوق الوطنية الفلسطينية.

خامساً- وما تطرحه الوثيقة- المشروع السياسي من أن حل الدولة الواحدة، يفتح الطريق أمام نهوض عربي في مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية..الخ،ويفتح الأفق أمام اتحاد الكيانات القائمة في المشرق العربي،يلتقي تماماً مع المشروع الاستعماري الذي طرحه شمعون بيرز في كتابه عن ((الشرق الأوسط الجديد))،والذي يفضي إلى تمزيق المنطقة العربية على أساس مكوناتها الأقلوية،وإلى تحول الكيان العنصري إلى مركز حاكم في المنطقة،وما جرى في العراق ،ويجري في السودان،وما يدبر للبنان عبر الهجمة الأمريكية- الصهيونية،يمثل النموذج لما ستؤول إليه المنطقة إذا ما جرى الرضوخ للمشروع الاستعماري تحت ذريعة فلنجرب الحلول السلمية بعد أن وصلت المقاومة المسلحة الإفنائية إلى الطريق المسدود(؟).

سادساً- كما أن ما تدعو له الوثيقة- المشروع السياسي ،حول الفصل بين الشعب الفلسطيني وبين قواه السياسية والمقاوِمة،والتي أدخلت هذا الشعب في المحرقة جرياً وراء أهدافها الفصائلية السلطوية،وعن طريق اعتبارها بأن الأرض أهم من الشعب ومستقبله،إنما يلتقي مع ما يرمي له الغزاة والمستعمرون على الدوام،من عزل حركات التحرر وقوى المقاومة عن قاعدتها الشعبية،وذلك عن طريق ارتكاب المجازر الهمجية بحق الشعب وتحميل مسؤوليتها لقوى المقاومة.وذلك ما عمدت له القاعدة الصهيونية في فلسطين ولبنان وما يعمد له الغزاة الأمريكيين في العراق،غير أن الشعوب لم تخضع لجرائم الغزاة والمحتلين،وهي تلتف انطلاقاً من وعيها لحقيقة الصراع حول نهج استمرار المقاومة متحملة أعباء خيارها الوطني التحرري،وذلك ما عبر عنه دائماً شعبنا الفلسطيني،إذ عقب الاجتياحات والمجازر الصهيونية إبان انتفاضة الأقصى المجيدة،وبعد كل أشكال التدمير والقتل،أعلن هذا الشعب وعبر انتخابات ديمقراطية، التفافه حول التيار المقاوم.

سابعاً- وإذ تركز الوثيقة على أهمية إثارة النقاش والتناقضات الداخلية وسط التجمع الاستيطاني الصهيوني،فإننا نرى بأن أي مقاومة جادة لا يمكن أن تغفل هذا الجانب في نضالها التحرري،لكن النقاش والتناقضات الداخلية وسط صفوف الغزاة،تجري عندما يبدأ الغزاة بدفع ثمن باهظ لاحتلالهم واستعمارهم وذلك ما تحققه المقاومة المسلحة الجادة.وقد رأينا كيف وضع الزعيم الصهيوني ابراهام بورغ مقاله الذي يعلن فيه قلقه على مستقبل الكيان مع تصاعد النضال التحرري الفلسطيني الذي عبرت عنه انتفاضة الأقصى،وكيف حذا حذوه أربعة من جنرالات العدو الذين كانوا في السابق على رأس جهاز الشين بيت الأمني الصهيوني. ومن هنا نرى،بأن الحوار المسلح مع التجمع الاستيطاني حسب تعبير د.عبد الوهاب المسيري،هو الذي أحدث تخلخلات في بنية هذا التجمع وليس دعوات المقاومة الشعبية التي تطرح بديلاً عن المقاومة المسلحة بادعاء أنها قد أثبتت عدم جداءها على امتداد أربعين عاماً،وكأن شعب الجزائر لم يناضل ويفجر ثوراته المسلحة على امتداد 130 عاماً،ولم تفعل ذلك شعوب أخرى واجهت الغزو والاستعمار.

ثامناً- وإذ يعود مصدرو الوثيقة- المشروع السياسي إلى الدعوة لقصر المقاومة المسلحة في حدود المناطق المحتلة عام 1967،فإننا نتساءَل عن معنى هذا الطرح ما دامت الوثيقة تستبعد حل الدولة في هذه المناطق،كما نتساءَل ،كيف يؤدي ذلك إلى إثارة النقاش والتناقض في صفوف المستوطنين الصهاينة ما داموا بمنأىً عن ميدان المواجهة وتبعاتها؟،ثم نتساءَل أخيراً إن لم تكن هذه الدعوة،تأتي خضوعاً لما اعتمده الصهاينة في حروبهم ضد الجانب العربي،من نقل ميدان الحروب إلى الساحات العربية ليبقى مستوطنوهم ينعمون بالأمان،وأن ما حل بالمستوطنين من خسائر في مواجهة المقاومة اللبنانية ،هو ما أدى إلى إذعان الصهاينة لتفاهم نيسان عام 1996الذي شكَّل مدخلاً لاندحارهم عن الشريط الحدودي اللبناني عام 2000،وهو ما جعل الصهاينة يحجمون عن شن حرب جديدة في المنطقة،بعد أن تعرض عمقهم الاستيطاني للضربات الصاروخية لهذه المقاومة إبان عدوان تموز عام 2006.

ثم ها هي صواريخ المقاومة الفلسطينية،الآخذة في التطور والمنطلقة من قطاع غزة،لم تتسبب بمحرقة لأبناء القطاع كما تدعي الوثيقة،وسبب ذلك ،هو خشية الصهاينة من الخسائر البشرية التي ستقع في قواتهم ووسط مستوطنيهم في سديروت وعسقلان وغيرها،إذا ما أقدموا على اجتياح القطاع.

تاسعاً- وبشأن ما تطرحه الوثيقة-المشروع السياسي،حول تعقُّد الظروف العربية والدولية كمبرر للتخلي عن هدف التحرير وليس عن هدف الدولتين كما تدعي الوثيقة للتضليل،فإننا نتساءَل ،هل كانت هذه الظروف العربية والدولية مغايرة حين حققت المقاومة اللبنانية نصرها التاريخي على القاعدة الصهيونية في أيار عام 2000،وفي تموز عام 2006،وهل احترام الشرعية العربية والدولية،هو ما مكَّن هذه المقاومة من إجلاء المحتلين عن أرض لبنان وإلحاق الهزيمة بهم مجدداً بعد ذلك؟،وبالتالي هل كانت هذه الظروف مختلفة،حين فرضت المقاومة الفلسطينية وصمود الشعب الفلسطيني بوجه آلة الحرب الصهيونية،على الجانب الصهيوني لأن يندحر عن قطاع غزة وأن يفكك مستوطناته في القطاع،في سابقة تمسُّ بالأساس الذي بني عليه المشروع الصهيوني؟.

لقد طالما عولت أوساط مهزومة من شعبنا على الشرعية العربية والدولية،وأثبتت الوقائع،بأن الصهاينة مدعومين من القوى الاستعمارية الغربية لا يقيمون أي وزن لهذه الشرعية،وأن الشرعية الوحيدة التي يركنون إليها هي شرعية القوة العسكرية التي باتت محل تساؤل مع بروز مقاومات ومراكز صمود جادة في المحيط العربي والإقليمي.

عاشراً- وما نود التأكيد عليه،هو أن هدف التحرير هو الذي يوحد الشعب الفلسطيني بكل تجمعاته وفي كل أماكن تواجده،وأن خط الاستسلام الذي يتبناه تيار فلسطيني هو ما يحول الآن دون استعادة الوحدة،وما تدركه جماهير الشعب الفلسطيني ،هو أن أي تراجع يتم فرضه على المشروع الصهيوني سوف يقود وبشكل سريع إلى تراجعات متواترة لهذا المشروع،تفضي إلى تحرير الضفة والقطاع من الاحتلال،وإلى تحرُّر فلسطيني ال 48 مما فُرض عليهم من هوية غيَّبت كرامتهم الوطنية والقومية والإنسانية،وإلى عودة اللاجئين إلى ديارهم أحراراً وليس تحت هوية"إسرائيلية"وهو أمرٌلا يتحقق إلا في أحلام المستسلمين.

حادي عشر- وما نود توضيحه قبل الختام،هو أن ما يملي على هؤلاء العقلاء طرح وثيقتهم حول النضال المشترك الفلسطيني- الإسرائيلي،وبالتالي العربي- الإسرائيلي،هو ليس قناعتهم بأن هذا الطرح ،سوف يقود إلى تخلي الصهاينة عن ثقافتهم العنصرية،وإلى تحررهم من الوظيفة العدوانية الموكلة لكيانهم من جانب القوى الاستعمارية،بقدر ما يعود ذلك،إلى عداء هؤلاء لفكر ونهج المقاومة،مغلِّفين هذا العداء،بدعاوي إيديولوجية ترتبط برفضهم(وهم العلمانيين والعصرين والديمقراطيين)بالمرجعية الدينية التي يستند إليها التيار الغالب في صفوف المقاومين الفلسطينيين،وإن هؤلاء في تسليمهم بالمشروع النيوكولنيالي الجاري فرضه على المنطقة عن طريق العدوان والعربدة العسكرية،إنما يستبطنون ما يطرحه أصحاب المشروع من اتهام لقوى المقاومة والصمود والممانعة في المنطقة،على أنها قوى إرهاب.

ونود أن نوضح في الختام،بأن عدم حصانة ما يسمى باليسار في ساحتنا العربية أمام استهدافات المشروع الاستعماري- الصهيوني،إنما يعود إلى واقع أن آباء الماركسية،لم يميزوا في تحليلاتهم العلمية،بين الاستعمار الكولنيالي والاستعمار الاستيطاني الذي يملك سمات تختلف عن الاستعمار الآخر.وقد نشير هنا،إلى أن الحزب الشيوعي في جنوب إفريقيا الذي قاد المقاومة المسلحة في إطار المؤتمر الوطني الإفريقي،قد اضطلع بذلك الدور المتقدم في النضال التحرري للأفارقة السود،لأنه استند إلى رؤية تحليلية موضوعية لطبيعة النظم الاستعمارية الاستيطانية ولطبيعة النظام الاستعماري الاستيطاني في بلده ،مغنياً،ومطوراً،ومتجاوزاً ما وضعته الأدبيات الماركسية الكلاسيكية.كما نود التوضيح وعلى ذات الصعيد،بأن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين  والمنطقة العربية،هو من نمط الاستعمار الاستيطاني الانجلو سكسوني الذي غزا أمريكا الشمالية واستراليا،والذي قام على مبدأ نفي الوجود المادي والمعنوي لسكان البلاد الأصليين ،مختلفاً في ذلك بنسبة واضحة،عن الاستعمار الاستيطاني الاسباني والبرتغالي في أمريكا الجنوبية،وحتى عن الاستعمار الاستيطاني في جنوب إفريقيا وغيرها من بلدان الجوار الإفريقي.وإن تغيير طبيعة هذا الاستعمار في فلسطين والمنطقة إذا ما قدر له أن يتغير،يعتمد على صمود ومقاومة شعوبها،وهو يعتمد كذلك ،على قدرة الكيان على البقاء بعد أن يفقد القدرة على الاضطلاع بوظيفته العدوانية في المنطقة،وبعد أن يفقد القدرة على الاستمرار في  شن الحروب ومواصلة العدوان ضد الشعب الفلسطيني وضد شعوب المنطقة ،الأمر الذي يقود إلى إطلاق التناقضات القائمة في تجمعه الاستيطاني،والتي تبقى مضبوطة مع بقاء الصراع مع العدو الخارجي،وتتفجر إذا ما حسم هذا الصراع لصالح الشعوب والأمة العربية.

 

 

 

 

 

 

 

 
رجـوع