رجـوع

بيان سياسي

صادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفلسطيني-الثوري

 

 

يا جماهير شعبنا الفلسطيني البطل
يا جماهير أمتنا العربية المناضلة

 

شكلت الانتفاضة الفلسطينية العظيمة التي اندلعت في أواخر أيلول الماضي داخل الوطن المحتل، تدخُّلاً شعبياً عارماً لوقف مسار تصفية قضية فلسطين، بعد أن هددت مفاوضات كامب ديفيد بإيصاله إلى حلقته النهائية، كما شكلت هذه الانتفاضة، بحكم موقع قضية فلسطين في الصراع العربي - الإمبريالي الصهيوني، رافعة لنهوض قومي عمّ المنطقة العربية، في مواجهة مشاريع إخضاع المنطقة التي تقودها الإمبريالية الأمريكية.

وقد بقيت انتفاضة شعبنا بصمودها الرائع، محور الأحداث في المنطقة، مما بات يعرض جماهيرها، لأعنف هجمة بربرية، ولأوسع تآمرٍ إمبريالي، هدفه سحق الانتفاضة، وكسر إرادة شعبنا، من أجل إعادة المنطقة إلى حالة الإذعان لمشروع السيطرة الأمريكي.

فمع مجيء حكومة الإجماع الصهيوني برئاسة المجرم شارون، وُضعت الانتفاضة البطلة، في مواجهة حربٍ دموية شاملة تشنها ضدها قوات المحتلين الغزاة في محاولة لسحقها عن طريق المجازر الهمجية، فإضافة للأساليب الإجرامية السابقة التي اتبعتها حكومة باراك ضد الانتفاضة، من حصارٍ لتجمعات شعبنا وتقطيع لتواصلها، ومن قصف وحشي بمدافع الدبابات، وصواريخ الطائرات المروحية، وبالرشاشات الثقيلة للجماهير الغاضبة وللأحياء السكنية، ومن عمليات اغتيالٍ لأبطال الانتفاضة، ومن سفك لدماء النساء والأطفال، عمدت الحكومة الجديدة، إلى شن حرب مفتوحة ضد هذه الجماهير، مكثفة حصارها على المدن والقرى والمخيمات، ومطلقة حملة تدمير منهجيّة للبنى التحتية وللأحياء القريبة من مراكز الاستيطان الصهيونية لخلق مناطق عازلة، كما عمدت إلى اقتحام المناطق التي تشرف عليها السلطة بالدبابات والجرافات تحت غطاء من القصف الوحشي للطائرات وللزوارق الحربية، ووسعت من عمليات اغتيالها للمقاومين من قادة الانتفاضة، وركزت هجومها البربري على مراكز السلطة، في مسعىً لدفعها نحو الخضوع التام لمؤامرة التصفية، وما زالت هذه الحكومة تواصل حربها الضارية ضد تجمعات شعبنا مهددة بتوسيع تلك الحرب حتى تبلغ هدفها المعلن في تدمير الانتفاضة وفرض الخضوع على جماهيرها.

وتستند حكومة شارون في عدوانها الوحشي الشامل ضد انتفاضة شعبنا، إلى الدعم الأمريكي لجرائمها، والذي تجلَّى في جولة وزير الخارجية الجديد كولن باول في المنطقة، وفي طريقة استقبال إدارة بوش لمجرم الحرب شارون في العاصمة الأمريكية، وفي تبني الإدارة الأمريكية للموقف الصهيوني بتحميل الجانب الفلسطيني مسؤولية انفجار العنف دون الالتفات إلى الأسباب التي
دفعت شعبنا إلى تفجير انتفاضتة الثورية، وكذلك في منع هذه الإدارة لمجلس الأمن الدولي، من إدانة الحرب الهمجية التي يشنها الصهاينة ضد شعبنا وتوفير الحماية الدولية لهذا الشعب عن طريق استخدام الفيتو، بحيث تكشفت الإدارة الأمريكية أكثر من السابق، عن طرفٍ مباشر في الصراع
الذي يدور على ساحتنا الفلسطينية، واضعة كل
ثقلها من أجل إنهاء الانتفاضة وإنهاء مفاعيلها الثورية في المنطقة..

كما تتشجع هذه الحكومة في تصعيد عدوانها ضد شعبنا، بهزال الموقف الرسمي العربي، الذي برز في أجواء قمة عمان ونتائجها، ومن خلال المبادرة المصرية الأردنية التي تمحورت حول وقف العنف، أي وقف الانتفاضة البطلة التي تهدد بقلب موازين القوةّ في المنطقة محرجة سياسات النظم التابعة، وبتجميد بعض النظم العربية تحت الضغط الأمريكي، لقرارات الدعم المالي للانتفاضة، وهي تتشجع كذلك، بانحسار موجة التأييد الشعبي لانتفاضة فلسطين التي تفجرت في أرجاء الوطن العربي وفي العواصم الإسلامية والعالمية.

ويفاقم من عدوانية حكومة شارون ضد شعبنا، ما تعبر عنه الشريحة المهيمنة على قرار السلطة من ترددٍ وتخاذل في مواجهة المحتلين الغزاة، من خلال مواصلتها عقد اللقاءات السرية والعلنية مع قادة العدو الملطخة أيديهم بدماء شعبنا، واستمرار عقدها للقاءات التنسيق الأمني مع أجهزتهم القمعية تحت الإشراف الأمريكي، وإبدائها الاستعداد للوقوف بوجه الانتفاضة مقابل تعديلات سطحية لاتفاقات أوسلو، قاصرة مطالبها على تنفيذ تلك الاتفاقات بكل ما تحمله من أخطار على مستقبل شعبنا ومصير قضيته الوطنية. وفي استجابة من جانب هذه الشريحة لإملاءات الطرف الأمريكي وإذعانها لمنطق القوَّة الذي يعتمده المحتلون ضد شعبنا، أصدرت قرارها بحل لجان المقاومة الشعبية، وعادت للتلويح بممارسة وظيفتها القمعية من خلال اعتقال المناهضين لنهجها، والمنددين بدعواتها لاستئناف التفاوض على أساس مرجعية أوسلو.

وفي تناغم واضح مع استهدافات الحرب الهمجية التي تشنها حكومة شارون على انتفاضة شعبنا، تصعِّد الولايات المتحدة حملتها الوقحة ضد مراكز الصمود العربية والإسلامية، حيث تجسد ذلك، في تأييدها السافر للقصف الصهيوني لمركز الرادار السوري على أرض لبنان، وفي إعادة اعتبار حزب الله منظمة إرهابية، متجاهلة حقه في استمرار المقاومة من أجل تحرير باقي الأرض اللبنانية، وإطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين من السجون الصهيونية، وإدراج خمس دولٍ عربية وإسلامية في قائمة الدول الداعمة للإرهاب وفي مقدمتها سورية وإيران، وشن حملة إعلامية ضد مؤتمر طهران الذي انعقد باسم دعم الانتفاضة والدفاع عن جماهيرها أمام المجازر الهمجية التي يرتكبها المحتلون الصهاينة بحق أبناء فلسطين، كما تواصل أمريكا ضغوطها على النظام العربي، لفرض مزيد من الانسجام الرسمي مع سياستها الاستعمارية في المنطقة.

غير أنه في مواجهة الحرب الهمجية التي تشنها حكومة شارون ضد الانتفاضة البطلة بدعم من أمريكا، تواصل جماهيرنا صمودها الأسطوري، مصعدة عنفها الثوري، وموقعة الخسائر في صفوف المحتلين الغزاة عبر أشكال المقاومة الشعبية التي يزداد زخمها، ومن خلال العمليات البطولية التي ينفذها مقاوموها في قلب الكيان الغاصب. وإنه مع دخول انتفاضة شعبنا شهرها الثامن، ومع استعداد جماهيرنا فوق كل الأرض الفلسطينية وفي مواقع الشتات لإحياء الذكرى الثالثة والخمسين لاغتصاب فلسطين معلنة هذه الذكرى مناسبة للغضب الشعبي العارم، يبدو هذا الشعب وقد توحد خلف شعار استمرار الانتفاضة حتى تحقيق هدفها في كنس المحتلين الغزاة وترحيل مستوطنيهم عن جميع الأراضي المحتلَّة عام 1967، على طريق إلحاق الهزيمة النهائية بالقاعدة الاستيطانية العدوانية الصهيونية، كما تبدو جماهير هذا الشعب، بكل فئاتها وكل قواها السياسية ومن ضمنها أوساط من قواعد السلطة وأجهزتها ممن انحازوا لثورة شعبهم، أشد تصميماً على إسقاط اتفاقات الذل، وعلى اعتماد المقاومة طريقاً للتحرير ولانتزاع حقوقها الوطنية الثابتة في أرضها بعيداً عن نهج الإذعان لمؤامرة التصفية.

 
يا جماهير شعبنا الفلسطيني البطل
يا جماهير أمتنا العربية المناضلة

إن المهمة المركزية المطروحة في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ شعبنا وأمتنا، هي حماية الانتفاضة وضمان استمرارها وتعاظم فعلها الثوري، من خلال مد جماهيرها بأسباب الصمود المادية والمعنوية، ويرتبط مع هذه المهمة، وقوف جماهيرنا بكل قواها الثورية بوجه التهديدات العسكرية، والضغوطات السياسية التي تمارس ضد مراكز ومواقع الصمود والمقاومة العربية والإسلامية، لأن ذلك هو السبيل لدحر مؤامرة التصفية ولإحباط مشروع الإخضاع والاستعباد للمنطقة وشعوبها.

وإن المطروح على هذا الصعيد في الجانب الفلسطيني:

- وضع مهمة استعادة الوحدة الوطنية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية موضع التنفيذ العملي، على أن تتم هذه الوحدة، على قاعدة الهدف الذي طرحته الانتفاضة، ممثلاً في تحرير المناطق المحتلة عام 1967 من رجس الغزاة المحتلين، وإقامة الدولة الوطنية الكاملة السيادة على هذه المناطق وعاصمتها القدس، مع التمسك بحق شعبنا في العودة إلى وطنه، وبحقه في مواصلة كفاحه البطولي حتى تحرير كل فلسطين، وأن تقوم هذه الوحدة، على أساس الثوابت الوطنية والقومية التي يجسدها الميثاق الوطني الفلسطيني بعيداً عن نهج التساوق مع مخطط التصفية.

- وأن يتم على هذا الصعيد، إعلان قيادة وطنية للشعب الفلسطيني تجسد وحدة هذا الشعب ووحدة أراضيه، كي تتولى قيادة نضاله في مختلف ساحات نضال شعبنا داخل الوطن وفي مواقع الشتات، وبلورة القيادة الميدانية للانتفاضة البطلة، التي تمثل جميع القوى والفعاليات السياسية والشعبية، وتكون قادرة على تعبئة طاقات جماهيرنا، وتنظيم صفوفها، وتصعيد كفاحها الشعبي والمسلح، وتعزيز صمودها بوجه آلة الحرب الصهيونية، وتوفير الدعم المالي المطلوب لاستمرارها، كي تتمكن هذه الجماهير، من خوض نضال طويل الأمد ضد المحتلين، موقعة أعلى الخسائر داخل صفوفهم كسبيل وحيد لفرض التراجع على تجمعهم الاستيطاني، وإطلاق التناقضات داخل معسكرهم.

وعلى الصعيد العربي .. والإسلامي، فإن المطلوب هو أن تبادر القوى الحيَّة من أمتنا، إلى استعادة زخم النهوض الشعبي الداعم للانتفاضة، والملتف حول شعار دحر وإسقاط المشروع الاستعماري الرامي إلى إخضاع المنطقة، بما يفرض على النظام الرسمي العربي، تحمُّل مسؤولياته في مساندة انتفاضة فلسطين، وفي الوقوف بوجه التهديدات العسكرية الصهيونية لمراكز الصمود والمقاومة في المنطقة، واتخاذ الموقف الحازم إزاء حرب الإبادة التي تشنها حكومة السفاح شارون ضد شعبنا، وتخلي بعض تلك النظم عن دور الوسيط في الصراع الدائر على أرض فلسطين، والارتقاء بالتضامن العربي إلى المستوى الذي يغدو فيه قادراً على لجم غطرسة القوة لدى الحلف الأمريكي الصهيوني، والاستجابة للمطلب القومي الذي طرحته القمة العربية وللمطلب الشعبي، بقطع كل العلاقات مع الكيان الصهيوني ووقف كل أشكال الاتصال مع قادته الإرهابيين، وشن حملة من الفضح و التعرية ضد سياسات أمريكا في المنطقة التي يجري تسويقها باسم السلام المزعوم، واعتبار أمريكا العدو الأول لأمتنا، وقائدة الهجوم ضد مشروعها القومي التحرري.

 
يا جماهير شعبنا الفلسطيني البطل
يا جماهير أمتنا العربية المناضلة

إن ما تمر به أمتنا ومنطقتنا لهو منعطف تاريخي، فإما أن تستمر وتتصاعد انتفاضة الشعب الفلسطيني، وتتمكن من قلب معادلة القوَّة في المنطقة بما تطلقه من نهوض ثوري، وإما أن ينجح التحالف المعادي في وقف هذه الانتفاضة، وفي تبديد مفاعيلها عن طريق التآمر والعدوان، بما يمكنه من فرض مشروعه في إعادة رسم خريطة المنطقة، وإقامة نظام إقليمي فيها مركزه الكيان الغاصب، ليكون امتداداً للنظام الدولي الأُحادي القطبية الذي مازالت أمريكا ماضية في فرضه على العالم.

وإن ثقتنا بطاقات شعبنا وبطاقات الأمة، والتي يعززها ما نلمسه من إجماعٍ شعبي على استمرار الانتفاضة وتصعيدها وتحمل أعباء المواجهة مع آلة الحرب الصهيونية، وما تعبر عنه مراكز وقوى الصمود العربية والإسلامية وفي طليعتها سورية، من صلابة في مواجهة الضغوط والتهديدات، وما نشهده على المستوى الدولي من تحولات ثورية بوجه نظام العولمة الذي تقوده الإمبريالية الأمريكية، يجعلنا أكثر اطمئناناً على مستقبل شعبنا وعلى مصير قضيته الوطنية، كما يجعلنا أشد تفاؤلاً، بإمكانية انتصار مشروعنا القومي التحرري الذي يشكل النقيض التاريخي لمشروع السيطرة الأمريكي الصهيوني على مقدرات أمتنا وعلى مستقبل شعوب المنطقة.

وإن ما بات واضحاً للعيان، هو أن ما أطلقته انتفاضة شعبنا من تحول استراتيجي على مسار الأحداث في المنطقة، لم يعد قابلاً للانحسار، إذ يدلل على ذلك، فشل الحرب الإجرامية التي يقودها المجرم شارون في فرض التراجع على نضال شعبنا وفي إضعاف الزخم الشعبي لانتفاضته العظيمة، بما يفسح المجال، لحالة نهوض ثوري متجددة في المنطقة بدأت تبرز بوادرها في أكثر من ساحة من ساحات الوطن العربي، ولقيام رأي عام دولي، يكسر مؤامرة الصمت التي تفرضه أمريكا من حول مجازر الصهاينة وحربهم الهمجية ضد أبناء فلسطين، والذي أخذ يعبر عن نفسه في العديد من العواصم الدولية.

 

* عاشت انتفاضة شعبنا البطلة

* عاش صمود سورية ولبنان بوجه غطرسة القوة الصهيونية

* المجد والخلود لشهداء الانتفاضة وكل شهداء شعبنا وأمتنا

* وليتعاظم النضال حتى دحر وإسقاط مشروع الإخضاع الأمريكي الصهيوني

 

اللجنة المركزية

للحزب الشيوعي الفلسطيني - الثوري

أواسط أيار عام 2001